Édition du
29 March 2017

استشراف للمستقبل بعد أسبوع الكرة الأسود: محاربة المجتمع بعد الانتصار على 'الاعداء'!

Rebbahi Tewfikتوفيق رباحي

08/12/2009

لا يأتي المرء بجديد، ولن يتعب كثيرا في ايجاد البراهين، إذا ما أراد الحديث عن الخسائر التي تسبب فيها الإعلامان الجزائري والمصري بين شعبي البلدين، والقول انها فادحة قد تحتاج لعقود من الزمن وأجيال لإصلاحها.
وبما أنه من الظلم المساواة بين أذى الإعلام الجزائري وفجور نظيره المصري، يصبح مفيدا الاستدراك بأن الجروح التي تسبب فيها بعض المذيعين والفنانين والمثقفين المصريين للشعب الجزائري عميقة ولا تقاس بنظيرتها المصرية بسبب الفرق في حجم ‘أدوات’ الأذى.
لكن الأمر لا يتوقف هنا، فهناك نوع آخر من الأذى سبّبته الفضائيات المصرية للجزائر، ستبقى آثاره بارزة للعيان. هذا يشبه الآثار النفسية للحروب والأزمات الكبرى التي تعصف بالدول والمجتمعات موازاة مع الخسائر التي تراها العين المجردة.
هذا ما يمكنني تسميته ‘الخسائر الجانبية’ للعدوان الذي قامت به الفضائيات المصرية بحق الجزائر وشعبها.
دعونا نتفق على أن الخسائر المباشرة هي من نوع شتم الشعب وقدحه والتشكيك في هويته وانتمائه وتمكنه اللغوي (رغم أنني خريج المدرسة الجزائرية ولا أعتقد أن الأستاذ عطوان وزملائي في قسم التنقيح اللغوي بالجريدة يتعبون معي في اللغة والأسلوب)، تلك أمور رد عليها من أراد واستطاع كيفما أراد واستطاع.
أما الخسائر الجانبية، فهي هذه: من الآن فصاعدا، إذا طالب جزائري بتحرير مجال الإعلام الإذاعي والتلفزيوني المقفل في البلاد، سيثور في وجهه كهنة ‘الأحادية التلفزيونية’ بأن أنظر ما فعل تحرير الفضاء المصري.. هل تريدنا أن نصبح مثل المصريين، عشرات المحطات الفضائية كل واحدة تغني على ليلاها وتشتم بلا حسيب أو رقيب؟
ربما يبدو كلامي هذا ثمرة خيال خصب، كما قد يقول قائل، أو من نوع استباق الأذى قبل وقوعه. هذا ليس خيالا بل واقعا موجودا لا نحتاج أصلا الى من يذكرنا به. أما الأذى فوقع وانتهى. الحكومة الجزائرية ليست في وارد تحرير الإعلام الفضائي والتلفزيوني، ولم تكن بحاجة الى دافع جديد أو حجة أخرى، لكن إذا وجدتها فهي من نوع الخير الزائد.
عندما سأل أحدهم صاحب الفخامة مرة، رد بحدة متمسكا بالرفض وحجته أنه يخشى على وحدة واستقرار البلد، مستندا الى تجربة التسعينات التي عصفت به في أتون صراع داخلي أهلك الحرث والنسل ولا داعي لتذكيرهم به.
بعض زملائي الصحافيين والإعلاميين ورجال الثقافة والفكر، صاحوا في ذروة المواجهة الإعلامية مع مصر في ‘أسبوع الكرة الأسود’، كما أسماه الدكتور عثمان سعدي: لو كانت لدينا فضائيات ككل الناس، لكنا ردينا الصاع صاعين وأسمعنا العالم صوتنا. وقالوا انها فرصة كي يستفيق أهل الحكم عندنا ويعيدوا النظر في تمسكهم بـ’الأحادية التلفزيونية’.
ليسمح لي زملائي ورفاقي بالقول ان فضيحة الفضائيات المصرية ستكون حجة ضد طموحاتهم وأحلامهم، ولن تنقلب على المصريين، بمن في ذلك الذين استعملوا تلك الفضائيات شر استعمال ونزلوا بها الى مستويات مشينة.

***

أكثر من هذا أقول انه لو وُجدت في الجزائر محطات فضائية كثيرة وحلت ساعة الحسم في معركة حقيقية تستحق اسمها، كان الجزائريون ربما يمرون بجانبها مثلما مرّ المصريون بجانب ‘أم المعارك’ الثانية وخسروها أمام صحافيين أغلبهم نصف كفوئين وشباب حديثي عهد بعالم الملتيميديا.
(تصوروا عشرات الفضائيات المصرية بذلك الكمّ الهائل من الشتم والقدح والأذى، يقابله مثله من الفضائيات الجزائرية! والله كانت المنطقة الى اليوم غارقة في بحور من الدماء).
هذا كله لم يكف. فالذي هزم المصريين لم يكن الإعلام الجزائري (وحده) ولا شبان مواقع النت، بل وسائل الإعلام الدولية وعلى رأسها العربية التي كنا، الى وقت قريب، نعتقد أنها أقرب الى مصر من حبل الوريد. تليها محطات تلفزية أوروبية على رأسها قنوات فرنسية عامة ومتخصصة. ولن أخوض هنا في دوافع وأسباب تعاطف المحطات الفرنسية مع الجزائر لأن المجال ليس مجالها.
لكن المصريين الذين يبكون الهزيمة ويعدون بمواجهتها، يرفضون الإعتراف بهذا. لا يعترفون بأن الإعلام العربي، عموما، هو الذي انحاز للجزائر لأن الحق كان أقرب اليها منذ حوادث القاهرة عشية المباراة الأولى. ربما تجرأوا قليلا على قناة ‘الجزيرة’، فهي مستباحة عند المصريين المسبحين بحمد الحزب الوطني، وهي عدو من لا عدو له. لكنهم لم يقولوا شيئا عن محطات تلفزيونية أخرى، كي يتجنبوا مزيدا من المواجهة معها ولا يوسعوا دائرة الاشتباك، كما قال الدكتور صاحب أكثر من وجه، مصطفى الفقي.
أعيدوا مسلسل ما حدث، أيها الجزائريون، وستجدون أن المصريين يعترفون بأنهم خسروا المعركة الإعلامية مع الجزائر، وأن مسؤوليهم ما زالوا يهددون ويتوعدون بعقد مؤتمر صحافي عالمي تدعى له كل وكالات الأنباء العالمية والتلفزيونات لتقول للعالم ماذا حدث عقب مباراة السودان وتصف له الظلم الذي لحق بالمصريين. ويعدون بتسخير شركة علاقات عامة دولية تعيد الحق المصري المهدور!
أي مسؤول يحترم نفسه ومن يستمع له، لن يتلفظ بهذا الكلام. لا يهدد بمؤتمر صحافي عالمي بعد أسبوعين من الوقائع وهو يعلم مسبقا انه يذر الرماد في عيون جمهوره في انتظار أن يبدأ النسيان مهمته الطبيعية. لا يعد بشركة علاقات عامة عالمية (يلفظها بالانكليزية كي يدوّخ سامعيه!)، وهو يعرف أن ما يقوله هراء.

***

أحسست بالحرج وأنا أسمع رئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى، يشكر الإعلام الجزائري والصحافيين على ‘تفوقهم’ في المعركة مع مصر.
بالرغم من أنني لا أشعر بأنني معني بما قاله الوزير الأول، إلا أن أسباب حرجي متعددة، منها أن المعركة المزعومة هي من نوع المعارك التي لا شرف فيها ولا فخر في خوضها ولا وجود لنصر في نهايتها. ومنها أيضا أن الشكر يرد من أويحيى بالذات، الذي إذا شكرك حقّ لك أن تسأل نفسك ماذا فعلت ولماذا.
قبل أويحيى، استقبل الوزير المنتدب المكلف بالإعلام، عز الدين ميهوبي، الصحافيين الجزائريين الذين سافروا الى القاهرة والخرطوم مع الفريق الوطني. عموما الذين انتصروا في ‘المعركة’ ليسوا بالضرورة من الذين سافروا الى العاصمتين.
ثم على ماذا يستحق الإعلام الجزائري الشكر (ومثله الإعلام المصري)؟ على تلفيق صور جثامين لموتى غير موجودين؟ على تركيب صور لاعبي الفريق الجزائري وهم باللباس الحربي؟ على نشر صورة مركبة، لا أحد يعرف صاحبها، للمدرب المصري حسن شحاتة في فستان عروس ورابح سعدان في لباس العريس؟ على تركيب صور فنانات مصريات على صور لاعبي المنتخب المصري؟ على الزعم أن الفريق الجزائري اصطحب معه الى القاهرة والخرطوم ‘شيخا’ متفقها يبطل السحر وشفى لاعبين من كسورهم بالرقية؟ على ماذا وماذا؟
في هذه الحالة، علينا أن ننتظر أن يشكر أحمد نظيف الفضائيات المصرية على ما فعلته وقالته عن الجزائريين. بهذه المقاييس، هي أيضا انتصرت لأنها حققت هدفها في الإساءة لنا.
نصيحة جميلة قدمها أويحيى للصحافيين الجزائريين في ختام تصريحه الخالد، وهي (ما معناه) انهم أدوا دورهم بنجاح وعليهم الآن أن يتوقفوا عن ذلك ويلتفتوا الى ما هو أهم. هنا بيت القصيد، العدو الحقيقي للجزائر، وهو يحمل أكثر من اسم وصفة: الفقر، الجوع، البطالة، الظلم بكل أنواعه، الفساد السياسي والإداري، انهيار سلم القيم، انقراض فضيلة العمل وغيرها في قائمة لا نهاية لها.
أتمنى أن أسمع رأي ‘سي أحمد’ في الإعلام الجزائري (ولا أقول شكره له) إذا ما قرر الأخير يوما خوض معارك أو حروب جادة ضد هذا العدو المتعدد الأسماء والصفات، خاصة وقد اشتهر (أويحيى) بمواقف مع الصحافيين والإعلام لا تشفع له كثيرا، إضافة الى أنه على رأس حكومة لا يذكرها الجزائريون إلا بكونها الحليف الطبيعي لهذا العدو.
مهما طالت الحرب مع مصر، ستنتهي يوما وسيعود أويحيى الى محاربة المجتمع، أوله الإعلاميون، بقسم من الإعلام يتقدمه التلفزيون.
كاتب من أسرة ‘القدس العربي’


Nombre de lectures : 668
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Abdelkader DEHBI
    12 décembre 2009 at 12 h 23 min - Reply

    حـتـى نـتـحـاشـى الـخَـوض فـي الـجــوانـب الـقـانـونـيـة والـتـقنـيـة الـخـاصـة ومـلابـسات الـمـبـاراة، فـلـنـدَعْـهــا جـانـبـا، لـيـبـث فـيـهــا مـن يـهـمـهـم الأمـر مـن مـؤسـسـات وطـنـيـة وهـيـئـات دولـيـة ولـنـتـطـرق إلـى الـتـسـاؤل الـوحـيـد الـذي يـسـتـحـق اهـتـمـام كـل مـواطـن: هـل مـن عـاقـل يـحـدوه الـشـك فـي طـبـيـعـة ومـغـزى الـفـتـنـة الـكـرويـة الـمـلـعـونـة الـتـي لا تـزال تـعـصـف بـبـلـديـنـا ؟ وعـلـى وجـه الـخـصـوص بـالـقـاهـرة، مـن خـلال بـعض الـقـنـوات الـمـرتـزقـة، إذ كـمـا هـو شـائـع لـدى أوسـاط الإعـلامـيـيـن الـمـصـريـيـن الـشـرفـاء، وهـم كـثـيـرون، أن الـقـنـوات الأكـثر تـكـالـبـا ضـدنـا، هـي بـالـذات، تـلـكـم الـتـي تـمـلـكـهـا الأسـرة الـفـرعـونـيـة الـحـاكـمـة الـعـمـيـلـة، وهـي مُـمـولـة، إنْ مـن مـوارد نـهـب أمـوال الـشـعـب الـمـصري الـشـقـيـق، المـغـلـوب عـلـى أمره ـ كـمـا هـو شـأنـنـا نـحـن أيـضـاً ـ أو مـن جـهـات صـهـيـونـيـة مكـشـوفـة مـنـذ الـسـنـيـن، والـتي تـهـدف بـالـدرجـة الأولــى إلـى تـخـريـب الـمـجـتـمـع الـمـصـري مـن داخـلـه، عـلـى بـد شـرذمـة مـن أبـنـائـه الـعـمـلاء ، وكـذا اسـتـعـمـال هـذه الـقـنـوات مـن أجـل الـقـفـز عـلـى أيٌ فـرصـة تـأتي بها الأحـداث، واسـتـغـلالـهـا لـزرع الـضـغـيـنـة والـفـتـن بـيـن أقـطـار الأمـة الـواحـدة.
    أمٌـا الـتـعـلـيـق عـلـى مـوقـف هـذا أو ذاك مـن الـحـكـام الـطـغـاة، سـواء أتـعـلـق الأمـر بـالـصـمـت الـمـخـزي للـحـكـومـة الـجـزائـريـة أم بـالـتـدخـل الـسـافر الـسـخـيـف والبـلـه، للـنـجـل الـفـرعـونـي عـلـى الـمـبـاشـر فـي إحـدى الـقـنـوات، فـلا جـدوى فـي ذلـك طـالـمـا الـكـل يـعـلـم أنٌ كـلا الـنـظـامَـيْـن، نظـامَـيْـن فـاسـدَيْـن فـاقـدَيْـن لأي شَـرعـيـة شـعـبـيـة أو أخـلاقـيـة.
    فـبـالـنـسـبـة إلـيٌ، كـل مـا جـرى ولا يـزال، يـصـبٌ فـي سـيـاق الـمـشـروع الـصـهـيـونـي الامـبـريـالـي الـمـسـتـمـر عـبـر الـقـرون والـرامـي إلـى تـشـتـيـت وتـفـتـيـت هـذه الأمـة الـعـربـيـة الإسـلامـيـة وقـطـع أوصـالـهـا. ولـنـسـتـشـهـد فـي مـا يـلـي بـشـهـادتـهـم هـم أنـفـسـهـم:

    « Les empires se forment, s’agrandissent et se stabilisent un tant soit peu, avant de se désagréger et de disparaître….Avons-nous un moyen d’empêcher cette chute, cet effondrement ? Nous est-il possible de freiner le destin du colonialisme européen actuellement à son point critique ? En fait, l’Europe est devenue un vieux continent aux ressources épuisées et aux intérêts émoussés, alors que le reste du monde encore en pleine jeunesse, aspire à plus de science, d’organisation et de bonheur…. »
    (« Le conflit israélo-arabe » in – Numéro Spécial de la Revue Les Temps Moderne n°253 Bis, page 225 – Juin 1967).

    En réponse à cette question qui exprimait clairement les craintes des impérialistes britanniques quant à leur avenir, la Commission élabora un important rapport. Celui-ci soulignait

    « la nécessité de lutter contre l’union des masses populaires dans la région arabe ou l’établissement de tout lien intellectuel, spirituel ou historique entre elles » (ibid) – et préconisait – « la recherche de tous les moyens pratiques pour les diviser autant que possible ».(ibid).
    Comme moyen d’y parvenir, le rapport suggérait:
    « l’édification d’une barrière humaine puissante et étrangère à la région – pont reliant l’Asie à l’Afrique – de façon à créer dans cette partie du monde, à proximité du canal de Suez, une force amie de l’impérialisme et hostile aux habitants de la région. » (ibid)

    Plus tard, à l’issue de la deuxième Guerre Mondiale, c’est Winston Churchill, apôtre de l’impérialisme britannique – qui venait de passer le témoin aux Etats-Unis -, qui devait déclarer de son coté:

    « Si nous avions la chance d’assister de notre vivant à la naissance d’un Etat juif, non seulement en Palestine, mais sur les deux rives du Jourdain, nous verrions se produire un évènement absolument conforme aux intérêts réels de l’Empire. » (ibid)
    —————————————————–
    «  » أفـمـن هـذا الـحـديـث تـعـجـبـون ؟ وتـضـحـكـون ولا تـبـكـون؟ «  » ـ سورة النجم :58 و59 ـ




    0
  • Congrès du Changement Démocratique