Édition du
28 March 2017

جميلة بوحيرد.. صرخة متأخرة بعقود

Khodir Boukaylaخضير بوقايلة

القدس العربي 16 ديسمبر 2009

المجاهدة الجزائرية، أسطورة ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي جميلة بوحيرد تستغيث وتطلب من رئيس جزائر العزة والكرامة أن يتصدق عليها من مال الخزينة العمومية بما يكفيها لمباشرة علاج ضروري في الخارج نصحه بها الأطباء.
استيقظ الجزائريون وغيرهم كثيرون يوم الأحد الماضي على وقع فضيحة نشرتها صحيفتا ‘الشروق’ و’الوطن’، رسالتان بتوقيع المجاهدة جميلة بوحيرد، واحدة لفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تدعوه فيها إلى التكفل بحالتها ورفع معاشها معاش رفقاء السلاح بما يكفيهم للعيش بكرامة والأخرى إلى إخوانها وأخواتها الجزائريين تؤكد لهم فيها أنها هي جميلة بوحيرد المحكوم عليها بالإعدام من طرف الاستعمار الفرنسي بسبب بطولاتها في معركة الجزائر أواخر الخمسينات، ليس هناك خلط أو تشابه في الأسماء، بل صاحبة الرسالتين هي تلك المرأة التي يحفظ الجزائريون وكثير من العرب اسمها كواحدة من الشخصيات التي دوخت الاستعمار الفرنسي وشاركت بفعالية في ثورة التحرير، تلك المرأة التي رويت عنها حكايات تشبه الأساطير وصورت عنها أفلام عالمية، قررت أن تحكي للجزائريين معاناتها مع المرض وعجزها عن تغطية نفقات بضع عمليات جراحية.
تلك المرأة التي شاهدها الجزائريون العام الماضي، بمناسبة الاحتفالات بذكرة اندلاع ثورة التحرير، رفقة فخامة الرئيس بوتفليقة وهو يقدمها لرفقاء السلاح وأصدقاء الجزائر وأيضا لزوجها السابق المحامي الفرنسي الشهير جاك فيرجيس. كان فخامته وقتها في قمة النشوة وهو يأخذ بيد جميلة يطوف بها بين ضيوفه، فقد أفلح في إخراج المرأة من عزلة إرادية فرضتها على نفسها طيلة عقود حتى أن كثيرا من الشباب الجزائري كان يعتقد أن بطلتهم انتقلت إلى العالم الآخر، فإذا بها تطلع عليهم تمشي على رجليها محافظة على جمالها إلا ما أخذته السنون. هذه المرأة الأسطورة خرجت قبل ثلاثة أيام عن صمتها لتقول للعالم أجمع إنها في حاجة إلى مال تنفقه على علاجها وأيضا لتسديد ديونها التي تتراكم عند البقال والجزار وخباز الحي. هل تصدقون هذا الكلام؟!
أنا شخصيا لم أصدق ما قرأت وتوقعت أن تخرج علينا جميلة بوحيرد عبر وسائل الإعلام بتصريح تنفي فيه أنها هي التي كتبت الرسالتين وأن شخصا أو مجموعة مغرضة انتحلت صفتها وحاولت إحراج السلطات الجزائرية أمام الرأي العام المحلي والخارجي. مر يوم ولم تنطق المرأة وبقيت أنا وجزائريين كثيرين في حيرة من أمرنا، وفي اليوم التالي نطق لسان المرأة، وقالت كلاما أزال الحيرة وأكدت أن ما نُسب إليها صحيح وشكرت الجزائريين ومؤسسات حكومية وغير حكومية على هبتهم لمساعدتها والتكفل بعلاجها وبنفقاتها اليومية الأخرى، ولا نعرف لحد الآن إن كان فخامة الرئيس بوتفليقة قد تنقل إلى شقة جارته في حي المرادية ليطمئن على صحتها ويصدر أوامره للحكومة بالتكفل العاجل والكامل برفيقة السلاح وواحدة من الرموز القلائل لثورة التحرير الجزائرية الذين لا يزالون على قيد الحياة.
جميلة بوحيرد لم تتحدث في رسالتها إلى رئيس جزائر العزة والكرامة عن حالتها فقط، بل استغلت المناسبة لتُشهِد فخامته على حالة الذل والمهانة التي يعيشها كثيرون من الذين خاضوا حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي وهم الآن رجالا ونساء يعيشون على هامش جزائر الحرية والعزة والكرامة والشهامة. تقول جميلة الجزائر، في رسالتها إلى رئيس الجزائر المستقلة، إنمجاهدين ومجاهدات حقيقيين يعيشون نفس وضعيتي، بل أسوأ منها، وأنا لم أقصد تمثيلهم بهذه الرسالة، ولكن من خلال موقعكم لا تستطيعون ولا تريدون معرفة ما يعيشونه من فاقة’. وتضيف أن ‘هؤلاء الإخوة والأخوات المعروفين بنزاهتهم لم يستفيدوا من شيء، والمنح التي يستفيدون منها لا يمكن بأي حال أن تتجاوز ما يتقاضاه عامة أعضاء البرلمان من مبالغ سخية، وكذا ما تتقاضونه أنتم وكل المنتفعين من حولكم’. ثم توجّه صاحبة الرسالة نداء إلى فخامة الرئيس تطلب منه ‘أن تتوقفوا عن إهانتنا وعليكم أن تراجعوا منحة الحرب البخسة التي نتقاضاها، وذلك حتى نُكمل ما بقي لنا في هذه الحياة بما يتناسب مع الحد الأدنى من الكرامة‘.
بعض الجزائريين تساءلوا مازحين وآخرون كانوا جادين، عن هدف جميلة بوحيرد من خرجتها تلك في هذه الفترة الهامة من العهد البوتفليقي وإن كانت تبغي من وراء ذلك تنغيص فرحة الجزائريين بتأهل منتخبهم الوطني لكرة القدم إلى مونديال جنوب إفريقيا في ظروف استثنائية. هل صارت بوحيرد عميلة للمصريين أم خائنة لبلدها وشعبها وفق هذا المنطق؟ علم ذلك عند المخابرات وسيطلعنا عليه الوكلاء قريبا إن كان صحيحا.
لكن في انتظار تفسيرات هؤلاء وهؤلاء لفضيحة جميلة الجزائرية نكتفي بالقول إن ما كتبته جميلة بوحيرد جاء ليصفع من لا يزالون في غفلة من أمرهم فيتفطنون إلى أن التأهل إلى كأس العالم لا يعني أبدا أن الجزائر دخلت جنات النعيم وتحولت بركلة عنترية من بلد يحتل أسوأ المراتب بين دول العالم في العلوم والتكنولوجيا والرفاهية والنمو وأعلاها في الفساد والمخاطر وانتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية. التأهل إلى كأس العالم، ولو كان على حساب أم الدنيا، ليس إلا مخدرا لأهم انشغالات الشعب والقضايا التي تقض مضجعه وتغرق مستقبله في ظلام دامس. مخدر أراده نظام الحكم في البلد أن يبقي الشعب في غيبوبة طويلة الأمد، أو تمتد على الأقل عامين آخرين، فجاءت جميلة بوحيرد لتزيله بجرة قلم.
جاءت الضربة من امرأة تنتمي إلى فئة من المفروض أنها محسوبة على النظام الحاكم، فئة المجاهدين الذين أغدقت عليهم السلطات منذ فجر الاستقلال بعطايا اقتطعتها من خزينة المال العام، فئة المجاهدين الذين أراد النظام أن يجعلهم فوق كل الشعب وفوق الشبهات أيضا، حتى صارت بطاقة المجاهد كنزا يبحث عنه من جاهد ضد الاستعمار ومن جاهد ضد وطنه، ومفتاحا للانتفاع وأكل حقوق وأموال الشعب بالباطل. وقد أظهرت أحداث عديدة ومحطات تاريخية أن كثيرا من المجاهدين الحقيقيين الذين كافحوا من أجل استقلال الجزائر قضوا بقية حياتهم على هامش الحياة منبوذين مقهورين، بينما حصل أناس لا علاقة لهم بثورة التحرير على أعلى الامتيازات السياسية والمادية لأنهم وجدوا في نظام الحكم الجزائري مطية ومحفزا لهم لمخادعة الشعب والضحك عليه مقابل التزلف والتملق والولاء المزيف للوطن. ولم يكن المجاهدون وحدهم الذين فُتحت لهم أبواب الانتفاع من ريع النظام بل مختلف التنظيمات التي اخترعها حكام البلد لتسليطها على الشعب ولجعلها أيضا درعا واقيا له من أي غضب جماهيري صادق.
(
فضيحة) جميلة بوحيرد جاءت في ظرف حاسم من تاريخ الجزائر لتعيد الشعب أو الغافلين منه إلى رشدهم وتوقظهم من غيبوبتهم، لكنها أيضا جاءت متأخرة بعقود طويلة، عقود هلك فيها من هلك وأحبط من أحبط وهمش من هُمش وتحطم من تحطم، عقود لو قالت فيها جميلة بوحيرد وغيرها من الساكتين عن الحق كلمتهم لما وصلت البلد إلى ما هي عليه الآن ولعلم الذين يتاجرون باسم الوطنية والجهاد أنهم يتاجرون بعملة مزورة ويحطمون بلدا وشعبا باسم أغلى ما يملك من قيم.

كاتب وصحافي جزائري


Nombre de lectures : 1730
5 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • tacili
    16 décembre 2009 at 11 h 49 min - Reply

    سلامي للجميع

    و ماذا كانت السيدة الفاضلة تفعل عندما كان أبناء وطنها الذين تستجدي عطفهم اليوم يُذبحون و يُقتَّلون ؟ لماذا صمتت يوم كان لكلمة منها أن تغير الكثير ؟
    أنا متيقن أنني سأجلب لنفسي الكثير من الصداع بموقفي هذا لكن الحق أحق أن يقال. إن كان عن جهادها فأمرها لله و هناك من عانى أكثر منها و لم يكن محظوظا ليصادف مشواره جاك فيرجيس أو يوسف شاهين ليجعلوا منه أسطورة. أما إن كان الأمر بالمواقف فلا أظن أن الجهاد توقف بالجزائر بعد رحيل فرنسا و لم نسجل لجميلة أي موقف جميل في وجه المُعذِبين و هي التي عانت من التعذيب في جسدها و وجدانها.
    إننا مصابين بالحماس الزائد عن اللزوم و أصبحنا لانأخذ وقتا للتفكير و التمعن قبل تسجيل المواقف بل ننجر وراء حملات مشبوهة لاتخدم نظالنا لتغيير النظام الحاكم.
    لنعطي صدقاتنا لمن يحتاجونها فعلا و لنترك المزايدات جانبا لأن خلافات بوحيرد مع النظام حاليا لن تعيد لها مصداقيتها السياسية لدى قوى المعارضة بأثر رجعي.

    طاب يومكم




    0
  • adel
    16 décembre 2009 at 16 h 55 min - Reply

    encore une plume avec des poils de sanglier juste bonne pour le cirage et le lustrage des pompes du dictateur et de sa cour.malgré ses moyens incomensurable,ce pouvoir pourri est incapable de produire un écho international et instantané comme la fait notre héroine avec sa bouche.bravo Djamila.ALLAH I TAWAL FI OUMRAK.




    0
  • خالد
    16 décembre 2009 at 18 h 10 min - Reply

    من حق من وهب حياته و سلامته لتحرير وطنه و أهل وطنه من الغاصب المحتل ان يجد نوع مكرمة وفضل من دولته و سلطات بلاده إعترافا له بجميل ما صنع و قدسيته و إن بدى فيه أثرة و تمييزا له عن الباقي . إذ لا يمكن إبراز العبرة في صنيعه للحفدة و الأجيال إذا ما أهمل حقه بدعوى المساواة و التساوي و إلا إنعدم فارق ما بين مجاهد و قاعد.




    0
  • Abdelkader DEHBI
    16 décembre 2009 at 19 h 11 min - Reply

    @–Adel:- Je ne préjuge aucunement de votre formation, mais si vous pratiquez la langue arabe, il se peut alors que vous ayez mal lu ce texte de M. Khoudir Bougaïla, un texte dont le message est tout à fait à l’opposé de ce que vous avez compris. Je saisis donc cette occasion, pour dire merci à l’auteur de cet article.




    0
  • still
    16 décembre 2009 at 22 h 48 min - Reply

    أية « فضيحة » هاته التي يتحدث عنها هذا القلم المأجور؟و كيف يمكن لمستغيث بمكانة جميلة بوحيردأن ينغص فرحة الجزائريين؟هل تظن أن الجزائريين كلهم دمى تفرح بكبسة زر و تحزن بمجرد كبسة أخرى؟لو كنت جزائريا وطنيا فعلا لأحسست بما أحس به الوطنيون الأحرار: إن أنة جميلة من أنة هذا الشعب و إن أنة جميلة هي أنة ثورةعبثت بها الإق(ذ)ار.




    0
  • Congrès du Changement Démocratique