Édition du
29 March 2017

كرة القدم.. المشروع التنموي الوطني الجديد في الجزائر

خضير بوقايلة

القدس العربي

06.01.10


أخيرا، وجدت الجزائر لحاضرها ومستقبلها مشروعها التنموي الكبير الذي ستستثمر فيه كل طاقاتها ومواردها المادية والبشرية. المشروع الذي سيخرجها من ربقة التخلف والهوان اللذين تعيش فيهما منذ عقود، إلى عالم الرقي والحضارة والتقدم.

جرّب الجزائريون الثورة الصناعية فبنوا أكبر المصانع وأحدثها في إفريقيا وأحيانا في العالم أجمع (كما كنا نسمع!)، وانتهى المطاف إلى أن مركّب الحديد والصلب في مدينة عنابة وهو فخر الصناعة الجزائرية بلا منازع (كما كنا نتابع!) تحول إلى شركة هندية تسيره وتستغله بعد أن عجز الجزائريون عن صيانته والحفاظ عليه.

هناك أيضا مركّب السيارات الصناعية (أي الحافلات والشاحنات) الذي كنا نتباهى به وبإنتاجه الذي يغزو الأسواق المغاربية والإفريقية وربما العالمية أيضا، صار يبحث له عن مستثمر أجنبي يشتريه ولو بالدينار الرمزي فلا يجد. أما مصنع تركيب السيارات الصغيرة فلا يزال منذ ثمانينات القرن الماضي ينتظر خروج أول سيارة صالحة للاستعمال إلى الشارع، ولم تنفع المليارات التي صرفت عليه ولا آلاف الاجتماعات والبيانات الحكومية والوزارية التي تبشرنا بهذا المشروع الصناعي العظيم. ومع ذلك فإن الحكومة الموقرة لا تريد أن تصرف عنه النظر، فاليأس ليس من شيمها، والجبل لا يزال يتمخض وآخر الشائعات تقول إن مصنع تيارت قد يُخرج من رحمه سيارات عسكرية بدل سيارات (فيات) الألمانية. الجزائريون أيضا عاشوا لوعة الثورة الزراعية التي كان من مبادئها أن يتلقى الفلاح راتبا ثابتا ويحصل على مسكن لائق مقابل استغلال أراض صودرت في أغلبها من أصحابها الحقيقيين، وكانت النتيجة أن الجزائر بعد ثلاثين سنة من قيام هذه الثورة الزراعية المظفرة صارت عاجزة عن إنتاج ما يكفي أهاليها من البطاطس والحبوب.

لم تعلن حكومة فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صراحة عن فشل هاتين الثورتين العظيمتين، فقد كان فخامته عضوا فعالا في القيادة السياسية التي قررت إطلاق الثورتين الصناعية والزراعية في السبعينات. وها هو الآن يزف للجزائريين الخبر السعيد بإطلاق ثورة جديدة من شأنها أن تحرك عجلة التنمية الوطنية التي أكلها الصدأ. إنها الثورة الرياضية، أو لنقل تحديدا ثورة كرة القدم التي كان للمنتخب الوطني شرف إطلاق شرارتها الأولى.

آخر مجلس وزراء للعام المنصرم ترأسه فخامة الرئيس بوتفليقة يوم الأربعاء الماضي، وهذه بعض البشائر التي حملها البيان الوزاري بشأن الثورة الرياضية التي وجد فيها حكام الجزائر ضالتهم لتنمية المجتمع وترقية المواطن الجزائري ورفع شأن الدولة الجزائرية بين الأمم. جاء في البيان الحكومي الرسمي أن (فخامة رئيس الجمهورية حرص على تأكيد الأهمية التي يكتسيها ملف كرة القدم ذي الطابع الخاص في بلادنا لا سيما بالنسبة للشبيبة). يضيف البيان أن (رئيس الدولة كلف الحكومة، في هذا السياق، باتخاذ كافة التدابير اللازمة من أجل التحضير الجيد والمشاركة الفعالة للفريق الوطني لكرة القدم في المنافستين الإفريقية والعالمية خلال العام المقبل وكذا من أجل تسهيل تنقل المناصرين إلى أنغولا وجنوب إفريقيا). وحرص فخامته على أن يكون فوز المنتخب الجزائري لكرة القدم على نظيره المصري وتأهل الجزائر إلى نهائيات كأس العالم في جنوب إفريقيا (حافزا لتحقيق الانبعاث الفعلي لكرة القدم الوطنية بفضل تضافر جهود السلطات العمومية والاتحاديات المعنية ومسيري النوادي).

البيان الحكومي الملخص لاجتماع مجلس الوزراء كان طويلا وكان فيه حديث متشعب عن التنمية الوطنية وأهم المشاريع التي تركز عليها الحكومة الموقرة في هذا الصدد، أما خاتمة البيان فكانت كما يلي (وختم رئيس الجمهورية بالقول لا بد للنهضة التي تطبع كافة مجالات الحياة الوطنية أن تمتد إلى عالم الرياضة ذلك أن الرياضة أثبتت مؤخرا فضلها في تعبئة الأمة وهي المقدرة التي يجب علينا الحفاظ عليها وتوجيهها لتكون دينامية دائمة في خدمة البلاد كلها وبوجه خاص في خدمة الشبيبة التي تنهل منها مزيدا من الاعتزاز). فخامته لم يكن يمزح ولم يكن في لحظة انفعال سياسي أو شوفيني، بل هو يقول هذا الكلام بعد أكثر من شهر على مباراة مصر والجزائر وبعد أن وضعت الحرب المصرية الجزائرية أوزارها، وهذا معناه أنه متأكد وواع ومؤمن بما يقول. مؤمن بأن عالم الرياضة يجب أن يكون عنصرا أساسيا من عناصر النهضة الوطنية القادمة في الجزائر، وهو أيضا يعترف بفضل المنتخب الوطني لكرة القدم في (تعبئة الأمة). المدرب الجزائري رابح سعدان ولاعبوه قدموا لحكام الجزائر ما كانوا يبحثون عنه على طبق من ذهب، لذلك صاروا الآن أحرص الناس على جعل نور هذه الشعلة يمتد إلى جميع النقاط المظلمة التي صارت منتشرة في البلد. يأس الشباب والفقر الزاحف والبطالة المتفشية والفساد المستشري في أوصال الدولة والمجتمع، كل ذلك ستقضي عليه الثورة الرياضية المقبلة برعاية فخامته.

وبما أن تجربة الخرطوم الأخيرة أثبتت نجاعتها، فإن السلطات الجزائرية وبتوجيهات سامية من فخامته تحركت لإعادة التجربة بمناسبة نهائيات كأس إفريقيا في أنغولا، فقد بدأ الكلام منذ مدة عن رفع قيمة المبلغ المسموح تحويله من الدينار إلى العملة الصعبة (نعم، لا يزال الجزائريون، البسطاء طبعا، مجبرين على تحويل دينارهم إلى عملة صعبة بمبالغ معينة ومحددة تماما كما ساريا في العهد الاشتراكي السوفياتي المجيد) حتى يتمكن الأنصار من العيش في أنغولا بكرامة. والتزاما بتوجيهات فخامته فإن حملة الأنصار والمشجعين قد انطلقت بتجنيد الهيئات والمؤسسات الرسمية والعمومية وحتى شبه العمومية أو شبه الخاصة. أسطول الخطوط الجوية الجزائرية على أهبة الاستعداد ومراجعة أسعار تذاكر السفر إلى أنغولا بدأت والممولون الكرماء في انتظار إشارة الانطلاق ليبدأوا حملات التبرع من أجل إنجاح هذا المشروع التنموي الوطني النهضوي الواعد.

مشروع جديد لتشغيل الشباب اهتدت إليه الحكومة الموقرة تحت رعاية صاحب الفخامة، فالعاطلون عن العمل أو الذين لم تعجبهم وظائفهم الحالية التي استفادوا (ولو كانت حراسة السيارات في الشوارع والطرق العمومية)، سيجدون لهم مكانا متميزا ضمن المشروع النهضوي الحضاري للثورة الرياضية. الحكومة لن تجد بعد الآن شبابا يشكون البطالة أو يعلنون يأسهم المطلق من الحياة في بلدهم ولن تضطر بعد اليوم لتشديد حراسة السواحل لمطاردة مئات الهاربين على قوارب الموت إلى أوروبا. مناصب شغل جديدة ستفتح أمام الشباب الجزائري بأعداد تَسع مدرجات ملاعب أنغولا وجنوب إفريقيا وحتى شوارع هاتين الدولتين في انتظار مزيد من الانتصارات لمنتخبنا الوطني لكرة القدم وباقي المنتخبات والنوادي الرياضية الأخرى في البطولات والدورات الإقليمية والدولية على مدار العام.

وطبعا نحن نتوقع نجاحا باهرا لهذه الخطوة النهضوية الجبارة، وبعدها لن تكون الجزائر في حاجة إلى وزارات التعليم والتربية والصناعة والاقتصاد والتجارة والصيد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والخارجية والداخلية ولا حتى إلى أحمد أويحيى رئيسا للحكومة لأن محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم هو أحسن من يليق لشغل منصب رئيس الحكومة في عهد الثورة الرياضية، وسيكتفي فقط بوزارة للشبيبة والرياضة أو وزارة لكل رياضة على حدة ووزارة لتشغيل الشباب وأسطول معزز من الطائرات وأموال الخزينة العمومية بطبيعة الحال. حتى المدارس والجامعات ومراكز التدريب المهني ستغلق أو تتحول إلى تجمعات لملايين الشباب الرحل بين ملاعب الجزائر والعالم لتشجيع ودعم وإنجاح المشروع النهضوي الحضاري الجديد.

حتى مدرب المنتخب الوطني لكرة القدم رابح سعدان اقتنع أخير بجدوى وعظمة هذا المشروع النهضوي الحضاري الذي اهتدت إليه قريحة حكام الجزائر، فبعد أن كان يبث بعض اليأس من خلال تصريحات أكد فيها أنه غير متأكد من أن المنتخب الجزائري سيتخطى عقبة الدور الأول من تصفيات كأس إفريقيا لأن الاستعدادات غير مكتملة، عاد أمس من خلال تصريحات نقلتها صحيفة (الخبر) ليعلن أن الاستعدادات اكتملت بقدرة قادر وأن المبتغى الآن صار لعب أدوار حاسمة في الدورة ولم لا افتكاك الكأس والعودة بها إلى الجزائر في انتظار إلحاق كأس العالم بها بعد سبعة أشهر. لا ندري أية رسالة ترهيب أو ترغيب تلقاها سعدان حتى يتراجع بسرعة عن الكلام اليائس الذي أدلى به قبل أيام من اجتماع مجلس الوزراء الأخير.

حلم جميل ليته يستمر طويلا!


Nombre de lectures : 782
3 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Ghanou
    7 janvier 2010 at 22 h 33 min - Reply

    Je vous remercie infiniment pour votre article qui démasque le véritable visage de ces bourreaux. Mais à mon avis que ce cirque est équitablement partagé entre ces politico-mafieux et ces générations dites jeunes algériens! Je crois que ne mérite que ce genre de bourreaux mafieux. Salutations




    0
  • Abdelkader DEHBI
    8 janvier 2010 at 15 h 56 min - Reply

    وقـد بـدأ ال « حـلـم الـجـمـيـل » – عـلـى مـا يـبـدو – يـتـصـدع مـن جـدرانـه بـدءً مـن مـظـاهـرات الـعـمـال فـي مديـنـة رويـبـا،…. والـزلـزال الـكـبـير في الأفق….. وقـد يـأتـي إن شـاء الله عـلـى كـلٌ الـفـخـامات والـسـعـادات ومـا أشـبـه ذلـك مـن تـلـكـم الألـقـاب الـحـقـيـرة الـتـي يـروق لـلأقـزام الـعـرب الـتـي تـسـلـطـت عـلـى أرقـابـنـا، أن تُـلـقـب بها




    0
  • boulitique
    9 janvier 2010 at 8 h 28 min - Reply

    salam, même si je suis un amateur du foot, mais je commence a le haïr, depuis que fakhamatouh and Co parles que de ca, au lieu de parler de la misère, les faux chiffre de l’état sur le chômage, les nouvelles lois qui peuvent m’envoyer au chômage,…,le comble, la populace suit.mon pronostique, l’algerie va quitter la can au 1er tour




    0
  • Congrès du Changement Démocratique