Édition du
25 July 2017

التلفزيون لا يذكرها.. اذن الأخبار السيئة غير موجودة: الفساد جزء من العمل العام!

توفيق رباحي

09/02/2010      القدس العربي




إذا كنت جزائريا تعيش بعيدا ـ جغرافيا ـ عن بلدك ولكنك مسكون بأخباره، فدعائي لك هو: الله يحسن عونك!

قبل ذلك، الله يحسن عوني أنا أيضا. فأنا مثلك، مسكون بأخبار البلد، على الأقل بحكم هذه المهنة المبتلي بها.

أشاهد التلفزيون الجزائري، فينتابني خوف ممزوج بانزعاج.

كل الأخبار تحيل الى جزائر وردية بل أفلاطونية، لا ضرر ولا أذى ولا مشاكل فيها. بينما الحقيقة أننا في دول ومجتمعات تعودت على الهمّ حتى إذا لم تجده بحثت عنه واشترته بالمال.

بحسب التلفزيون، كل الناس، وبالخصوص الحكومة والمسؤولين، قائمون بواجباتهم، وأكثر، على أحسن ما يرام، والجزائر تسير مضبوطة مثل الساعة.

في التلفزيون يحدثونك عن جزائر أخرى جديرة بالأحلام. لكن الأحلام لا تدوم وأنا كأني أخذت عهدا مع الكوابيس!

مصدر خوفي أن الصورة الوردية تخفي (أو تحاول) صورة سوداء حالكة يا ويحنا من يوم انكشافها.

هل أفلحت في إخفائها؟ لا أدري فهناك أكثر من قول.

أما مصدر انزعاجي فهو أنه لا يوجد بلد فوق الأرض بمثل هذا الكمال والاستقرار وروح المسؤولية، فعلى من يلعبون؟

بالمقابل، أقرأ الصحف فأشعر بالخوف. كمّ لا آخر له من أخبار الفساد والاختلاسات والسطو على المال العام تصيبك بالدوار.

عندما تقرأ الصحف، ولهول ما فيها، تتمنى لو أنك كنت أميا لا تفك الحروف، فلا تفتح جريدة ولا يؤلمك ما فيها.

كأن الفساد والسطو على المال العام هما النشاط الوحيد المتبقي في البلاد. لا يمر يوم لا تقرأ فيه عن سرقات واختلاسات وفساد بالمليارات ‘أبطاله’ رجال ائتُمنوا على مصائر وخزائن البلد.

بعض أصدقائي وبقايا زملائي هناك يمازحونني بالقول ‘تركناك تذهب واستبحناها.. عُد بسرعة فالأخير لن يجد شيئا (يستولي عليه)’.

هذه صورة كارتونية، لكن صدّقوني ليست بعيدة عن الواقع بالنظر الى ما يرد في الصحف.

***

أخاف لأنني يخيّل إليّ أن البلد مستباح مثل فريسة سقطت فتكالبت عليها الذئاب.

وأخاف لأنني أنتظر ردود فعل بالنفي أو بالمتابعة، فلا تأتي.

عندما تنشر صحف تقارير فيها أن فلانا ابن فلان المسؤول على كذا سرق كذا وكذا في الصفقة كذا بتاريخ كذا، ولا يتحرك أحد، فهذه علامة على خلل كبير وليس مدعاة خوف لي أنا وحدي.

لا القضاء يتحرك للتحقيق ولا جهات الحكم نسمع أنها تحركت. حتى الذين يرد ذكرهم لا يكلفون أنفسهم عناء الرد أو نفي المزاعم التي تنسب إليهم.

اششششش.. الموت مرّ من هنا!

إما الصحف تنشر كلاما على عواهنه ويجب محاسبتها، وإما أن ما تنشره صحيح فوجبت المحاسبة.

استفسرت فقيل لي إن من فنون السياسة الآن في الجزائر أن تعمل (وتختلس) في صمت. إذا اخترت أن ترد على خبر أو تقرير فأنت اخترت أن تبقى في العاصفة، وأن تفتح على نفسك باب جدل قد يأخذك ومستقبلك.

وقيل لي كذلك إن الذين يرد ذكرهم يعرفون من خصمهم وما قصده، لذلك فهم يدركون أنهم، إن ردوا، فهم لا يردون على الصحيفة أو الصحافي بل على هذا الخصم الذي في العادة يكون قويا وعنيدا.

في ذروة الحديث عن متابعة مدير سوناطراك قضائيا في الأسبوعين الماضيين، أبلغني زميل أن وزير النفط شكيب خليل اشتكى للرئيس بوتفليقة قائلا: سيدي، لقد وصلوا إليّ! (والوزير لا يقصد الصحافيين بل الذين بيدهم الملفات والوثائق ـ والمصائر ـ فيوزعونها على الصحافيين).

أحاول أن أهوّن على نفسي بأن ما يُنشر في الصحف فيه مبالغة وأن الدنيا ما تزال بخير، وعزائي أن التلفزيون لا يتطرق الى هذه الأمور، ما يعني أنها غير موجودة، لكن سرعان ما أعود لرشدي: التلفزيون؟ يا لطيف ومنذ متى صدقنا أو صدقناه؟! لكن حتى بترك نسبة المبالغة جانبا، يبقى ‘المقبول’ كبيرا وكثيرا ومخيفا هو الآخر ـ بالنظر الى حجم ومضمون ما يُنشر.

عندما يرد كلام وتقارير عن فساد ضلع فيه مساعدا وزير معين، ومدير شركة سوناطراك النفطية ـ وأفراد عائلته ـ ومدير شركة المترو (الذي لم يُنجز بعد، فما سيفعلون به بعد أن يبدأ الخدمة؟) ومسؤولون بخدمات البريد وفي قطاع الصحة ثم التعليم وغيرها.. يصبح من حقك أن تسأل من الذي بقيت كفه نظيفة؟

الفساد أصبح قاعدة عمل في الجزائر، حسبما أقرأ وأسمع من بعيد. وعندما انقلبت المفاهيم والقيم، أصبح النزيه مغفلا وساذجا، والسارق ـ عفوا الشاطر ـ يشار إليه بالبنان.

في بلادي هناك قدرة هائلة على تعويم الأشياء. والشك المستشري والمتراكم يجعل الناس يبحثون في كل خبر عن وجه مخف أو غير ذلك المعلن. كلما قالوا إن المسؤول فلان متهم بفساد، جاء من يجزم أو يشكك: ربما هو ضحية تصفية حسابات.

وهكذا دواليك. لا أحد يعرف هل هو ضحية أم جاني. أحيانا أشفق على نفسي من هذا التيه الذين يساق إليه 34 مليون جزائري.

في منتصف التسعينات قرر رئيس الحكومة آنذاك والحالي والخالد بإذن الله، أحمد أويحيى، شن حملة على الفساد أسماها ‘الأيادي النظيفة’.

بعد أسابيع بلغنا أن نصف مسيري شركات وإدارات القطاع الحكومي مرميون في السجون، وبقي الفساد سيد أويحيى وسيدنا جميعا.

لكن حملة ‘سي أحمد’ أتت بعكس توقعاتها لأن المتهمين تحوّلوا الى ضحايا، قبل أن يعرف أحد هل هم مذنبون أم أبرياء. ولعل الجزائريين يحفظون جيدا اسم مسعود شتيح الذي أصبح رمزا للظلم السياسي والإداري والقضائي وتحوّل اسمه الى قيمة وطنية فخرج من السجن قبل انقضاء عقوبته ليعيّن في منصب حكومي رفيع. واستمرت الحياة كأن شيئا لم يكن.

***

قبل أيام شاهدت، بالخطأ، أويحيى يتكلم في التلفزيون فكتمت الصوت بسرعة استجابة لنصيحة الدكتور بأن لا أشاهد هذا الرجل حفاظا على قولوني وأعصابي. لكن لما أطال الكلام بحركات تنم عن ثقة في النفس، دفعني الفضول الى إعادة الصوت فإذا به يتحدث عن مرصد لمحاربة الرشوة. الله الله على الحرب!

بالموازاة مع انشاء المرصد، سيتم الإعلان عن انشاء لجنة لمحاربة الرشوة والفساد، حسب أويحيى.

لا أعرف أين يعيش هذا الرجل ولماذا لم يصله قول عامة الجزائريين إن حكومتهم، عندما تريد إغراق موضوع، تنشئ له لجنة أو توكله لأويحيى؟ ولماذا لم يصله أن مسؤولين أكثر شأنا وصدقا منه سبقوه فانتهوا هم وعاش الفساد.

بالأساس يجب أن نسأل: هل هم (أويحيى بالذات) صادقون في هذا؟

بصراحة ليس لدي ما يشجعني على الرد بالايجاب.

أستطيع أن أقول إن كلام ‘سي أحمد’ جاء في سياق أحاديث الفساد التي تغمر البلاد. وأغلب الظن أنه، وكلنا، سننسى موضوع مرصد محاربة الرشوة بمجرد أن تتوقف صحف الفتنة عن إثارته!

أتذكر هنا قول الزميل والصديق كمال علواني إن الفساد جزء من العمل العام في كل البلدان، والمطلوب فقط عقلنته وترشيده!

كمال كان مذيعا أشهر من نار على علم في التلفزيون الجزائري قبل أن ‘يعطي الريح لرجليه’ (مثلي). وهو يرى أن الحلم بحياة عامة خالية من الفساد ضرب من الجنون، مستشهدا بفضائح مئات النواب البريطانيين الذين أسرفوا في المصاريف ليس لأنهم فاسدون بل لأن القوانين تشجعهم وتحميهم الى حد بعيد.

فساد النواب في الجزائر ليس مشكلة قياسا بما نقرأ، لأن أقصى ما يحلم به أغلبهم سيارة وشقة بضواحي العاصمة، ثم ‘سقايط’.. جواز سفر خاص بالحج للصهر أو الحمو من هنا، وظيفة معقولة لابن الأخ من هناك وهكذا.

لهذا لا يرد الحديث عن فساد النواب الجزائريين إلا في سياق من الحسد.

ربما لهذا غسل التلفزيون يديه كليا من هذا الموضوع. بحسب تلفزيون بلادي: العافية والسماء صافية والعام زين.

كاتب من أسرة ‘القدس العربي’

toufik@alquds.co.uk


Nombre de lectures : 1101
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Rida
    15 février 2010 at 12 h 47 min - Reply

    Quand on regarde les télévisions du monde et on fait une comparaison avec la tv algérienne(entv,canal….) on constate que l’algerie est toujours dans l’époque soviétique,l’argent des algériens est en service de la mafia qui nous gouverne depuis 62,une divergence totale entre la réalité (misère,crimes,drogue,prostitution,corruption,………)et ce qu’on voit sur ces chaînes,même les pays considérés comme dictature comme la Tunisie,..sont 1000 fois mieux que nous ..les egyptiens nous ont traité de tous les noms ,a mon avis ils ont raison car nous méritons plus que ça ,pkoi? Il suffit de regarder la réaction du pouvoir corrompu(des atouts sur chaque responsable chez les egyptiens),la fin des matchs des verts dont les chansons passent en série sur canal Algérie ,maintenant ils ont rien a montrer !! ……le peuple algérien est un peuple JAHEL,en retard malheureusement!!!




    0
  • Congrès du Changement Démocratique