Édition du
26 July 2017

ضياع مصالح شعب بين الفكر القبلي والاداء المافياوي

مسعود ديلمي

القدس العربي 26 فبراير 2010

هو سؤال مشروع طرحه محمد بوضياف بعد الاستقلال، وما زال يطرحه الملاحظون في الداخل والخارج نظرا لما حدث ويحدث في الجزائر، فلاشيء يدفع إلى التفاؤل قط بالمستقبل، فالمــــؤسسات الدســـتورية مشلولة، والاقتصاد معطل، وأغلبية أبناء الشعب تعيـــش تــحت خط الفقر، وتعاني من إرهاب الأسعار الذي يكوي جيوب الناس، وإرهاب الطرقات الذي يحصد عشرات الأرواح شهريا، وتضاعف الاعتداءات على الأشخاص، وازدياد 3000 طفل سنويا خارج الأسرة الشرعية حـــسب الإحصاء الرسمي، واتساع التطرف الديني، والمال العام ينهــــب على المكشوف، وفي جميع القطاعات وعلى كل المستــويات، بأيادي أؤتمنت عليه، دون أن تحرك العدالة ساكنا، مما دفع الناس إلى التساؤل هل استولت المافيا على الدولة الجزائرية؟
سجل لنا التاريخ سوابق في سرقة المال العام وقعت في جميع مراحل حكم الجزائر، لكن مرحلة بوتفليقة هي الأسوأ، ودليل ذلك ما نشرته الصحافة الجزائرية في الشهور الأخيرة من فضائح اختلاسات عديدة، وآخرها فضيحة الفريق المسير للشركة النفطية سوناطراك، البقرة الحلوب التي تضمن قوت الجزائريين. وربما تفاجأ البعض بذلك الإعلان، ولكنه لم يكن مفاجأة لمن يعرف الجزائر من الداخل، حيث يتداول الجزائريون الذين يعملون في الإدارات والمؤسسات الاقتصادية العمومية قصصا عجيبة ومتنوعة عن سرقة المال العام. إن قاعدة النهب في الجزائر تقول ‘إن لم تأخذها أنت سيأتي غيرك من يأخذها’، فكثيرون من الأفراد كانوا نزهاء، لكن المحيط لوثهم، إذْ بمجرد حصولهم على منصب أعمتهم الامتيازات، فشاركوا في النهب بطريقة أو بأخرى، لأنهم ضعاف النفوس غرَّتهم الماديات فليس كل الناس تثبت على المبادئ، وشجعهم على ذلك عدم الردع؛ ولأن هذه الأموال هي ريوع لم تأت بسواعد الرجال فالكل يرى أن له فيها نصيب، فتسمع السارق يبرر فعــــلته بقـــوله: ‘الكل سرقوا’ و’ما أخذت إلا حقي’، ‘تهتمون بي ولا ترون غيري’… نعم امتد نهب أموال الشعب إلى كل القطاعات بشهـــــادة الجمـــــيع. لنأخذ الجامعة فقط كمثال لأنها تنتج الفكر وتكوِّن إطارات الغد. فيمارس جزء من هذه النخبة النهب باسم العلم، فمثلا بعض مدراء الأقسام والفروع والكليات يسجلون في مؤسسات جامعية غير التي يديرونها لإعطاء ساعات إضافية، فيقبضون المقابل دون حضورهم أمام الطلبة، وكل مدير يغطي على زميله. أليس هذا نوعا من النهب المنظم تقوم به النخبة التي من المفروض أنها تكون هي في المقدمة لمحاربة هذا الفساد؟ لكن يجب الإشادة بالقلة من النزهاء والشرفاء الأوفياء لتضحيات شعبهم، والذين يقاومون هذا الوضع رغم ما يتعرضون له من مساومات وتهديدات وإقصاء.
وحسب ما تناقلته الصحف والمواقع الإلكترونية أن جهاز المخابرات المسمى بمديرية الإستعلامات والأمن (DRS) يقود التحقيقات في قضية شركة سوناطراك، هذا الجهاز السري الذي لا نعرف نحن العامة قيادته ولا صلاحياته، هو يقوم هنا بوظائف الشرطة والدرك. وهناك رأيان حول هذه المبادرة، فالبعض يرى في هذه العملية ذروة الصراع بين الفريق الرئاسي من جهة وقيادة جهاز المخابرات من جهة أخرى بعد ما انقطعت شعرة معاوية بينهما، مشبهين هذه الوضعية بالخلاف الذي وقع في قمة السلطة عام 1998 والذي أدى إلى استقالة الجنرال محمد بتشين المستشار العسكري للرئيس السابق الأمين زروال بعد ما شنت عليه بعض الصحف حملة مركزة. لكن هذه المرة يغيب عنها نور الدين بوكروح، الذي كان طرفا بمقالاته النارية ضد بتشين. بينما يرى محللون آخرون أن جهاز المخابرات يريد فعلا إنقاذ البلاد من الوضعية المأساوية بعدما استثرى النهب إلى حد لا يطاق، خاصة وأن هذا الجهاز ذاته يتهم بالتغطية على المسؤولين الناهبين للمال العام لأنه يعرف كل التفاصيل عن كل مسؤول، فهي فرصة لإعادة الاعتبار لهذا الجهاز الذي كان دائما، منذ أن أسسه عبد الحفيظ بوصوف أثناء الثورة التحريرية، الجهاز العصبي للنظام.
وحسب ما جاء في الصحافة أن الرئيس بوتفليقة هو من أمر دائرة الإستعلامات والأمن بمباشرة التحقيقات وهذا ما حاول أويحيى ووزراؤه إقناع الناس به. لكن ينزع بعض المحللين إلى وصف هذا الإجراء بمحاولة ظهور الرئيس بأنه يمارس سلطتة الفعلية ويتحكم في أجهزة الدولة. ومهما تكن الجهة التي ترفع لواء محاربة الفساد نظن أنها عملية إيجابية لعلها ستوقف النزيف الخطير الذي تعرفه الجزائر، والذي يهدد أمنها، ولا قدر الله تسير نحو الاضمحلال كدولة.
وحسب رأيي وصول الجزائر إلى هذه الحالة الكارثية: هي تأميم الدولة من قبل الزمر والتي هي شبكات مصالح تتحايل على القانون أو تفسره وحتى تضعه لخدمتها، وإلغاء أي مشاركة شعبية على أساس مبدأ المواطنة، مما أفضى حتما إلى عدم شرعية السلطة أساسا، فكل ما بني على باطل لا يجلب إلا الباطل. فالسياسة التي اتبعها بوتفليقة منذ وصوله للحكم بالتقييد على المعارضة وحرمانها من حقها في الإعلام المرئي والمسموع، وتركيز كل السلطات في مؤسسة الرئاسة، وتغييب المؤسسات الدستورية الأخرى مثل البرلمان والمحكمة العليا والمجلس الدستوري، فأصبح بوتفليقة سلطانا في جمهورية. لأن الدولة السلطانية، كما شرح ذلك الأستاذ برهان غليون، هي التي تتمحور حول سلطة الفرد الواحد المطاع طاعة عمياء، فلا صوت معارض إلا صوت المداحين، والتي تديرها الزمرة-القبيلة، وتكون علاقتها بالمجتمع مؤسسة على العنف. وبالإضافة إلى هذا غياب أي إستراتيجية واضحة المعالم لتغيير الأوضاع المأساوية التي تعاني منها جميع الشرائح إلا الشريحة التي تدور في فلك السلطة، مما يجعل الجزائر تعيش على فوهة بركان من شدة الاحتقان والمشاكل الاجتماعية، فإذا انفجر سيجرف الشعب إلى أيام حالكات.
ويدافع المستفيدون من عهد بوتفليقة على أن هناك انجازات كثيرة حققت في الميدان الإقتصادي والإجتماعي، وبان هناك من يعرقله، فربما هذا صحيح، فلا أحد ينكر أن هناك أشياء أنجزت، وبأن المفسدين هم كُثر، لكن الوضع في المدرسة والجامعة كارثي، ومستشفياتنا العمومية يتعفف المسؤولون للمداواة فيها ليس من قلة الكفاءات الطبية بها بل لسوء التسيير فيها، والأحياء السكنية التي تبنى في الإستعجال دون تخطيط عمراني يضع في الحسبان متطلبات الحياة الحديثة هي قنابل إجتماعية مستقبلية، لأنها فقط أحياء للنوم لعشرات الآلاف من الناس البطالين… ومن ينكر هذا ما هو إلا مدّاح منافق، ولأن الرئيس هو من اختار هؤلاء المسيرين المتهمين بسرقة المال العام وله مسؤولية مباشرة عنهم، ألا تصفه الصحافة بالقاضي الأول في البلاد؟
يبدو أن بوتفليقة أراد تغيير الواقع بالمناورة، وتكوين عصبة من الأوفياء له مما يسمى بالفريق الرئاسي لمواجهة العصب الأخرى بدل فتح حوار صادق وشفاف مع جميع أطياف المعارضة، وممثلي كل شرائح المجتمع الحقيقيين دون إقصاء أحد، لأن الحوار الجدي والمسؤول هو الركيزة الأساسية في بداية إصلاح الوضع، وليس بالكلام والوعود والأحلام الوردية. كما أنه نسي أن الزمر المكونة للنظام السياسي الجزائري مستعدة للذهاب بعيدا للحفاظ على مصالحها.
ويتفق كثير من المحللين وحتى الناس العاديين على أن سبب أزمة الجزائر المزمنة هي طبيعة النظام الجزائري حيث تتداخل فيه الصلاحيات السياسية والعسكرية من جهة، وعدم الفصل بين السلطات من جهة أخرى. فلو كان القضاء مستقلا لفتحت تحقيقات في قضايا الاختلاس دون أن ينتظر الأوامر من السلطة. وكذلك عدم حل أزمة شرعية بالمرور من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الشعبية. وبما أن النظام الذي سيَّر الجزائر منذ الإستقلال أفلس وشاخ، فوصل إلى نهايته حسب السيد عبد الحميد مهري وآخرين، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يمكن تغيير سلمي ديمقراطي على أساس الاختيار الشعبي في هذا الوضع المتردي؟ هناك مبادرات فردية وجماعية، مسؤولة وموضوعية، تسعى لبعث حركية التغيير لأجل مستقبل مستقر ومزدهر للبلاد قدمها الخيرون منهم : جبهة القوى الإشتراكية وأصحاب بيان 19 اذار/مارس، ورئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور… إلخ لكن كل هذه المبادرات متوقفة على مدى تجاوب الجيش معها، فهل يرافق العسكر التغيير مثل ما وقع في بعض الدول بأوروبا وأمريكا اللاتينية؟ قد تجيبنا الشهور القادمة عن هذا السؤال؛ فمعروف عن العسكر أنهم هم من كانوا يختارون الرؤساء منذ الاستقلال، وهم من أتوا ببوتفليقة للسلطة. لكن الظروف تغيرت كما يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برغسن ‘أكبر أخطاء السياسيين تأتي تقريبا دائما من أن الرجال ينسون أن الواقع يتغير، وأنه في حالة حركة دائمة’. فما يلاحظ على مستوى الجيش هو بداية وصول قيادات شابة إلى مراكز القيادة بعدما بدأ رحيل الجيل القديم، فالرجال الجدد ليس من مصلحتهم أن يروا الجزائر فريسة للمفسدين. فالدولة الجزائرية هي اليوم كالباخرة في وسط البحر يفسد فيها بعض أبنائها، فإذا غرقت لن ينجو أحد من ركابها. وليس من مصلحة الضباط الشباب أيضا تحمل وإتباع سياسات القيادات السابقة. والأكيد أن هناك ضمن العسكر وجهاز المخابرات والشرطة والدرك قسم كبير من الضباط نزهاء يهمهم الصالح العام وغير راضين عن حالة البلاد المحزنة. إذن من الممكن أن يكون للجيش دورا في التغيير، ولن يكون هذا التغيير بأسلوب الانقلاب، فزمن الانقلابات قد ولى، بل يأتي فقط برفع الحماية عن المفسدين سواء كانوا عسكرا أو مدنيين، وكذلك رفع الوصاية عن المجتمع المدني، لأنه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية دون مجتمع أهلي قوي ومستقل ترى فيه الدولة مساعدا وليس عدوًا. وبالتالي إسداء خدمة لشعبهم فيحوزون شرف المساهمة في إخراج البلاد من وحل الفساد قبل أن تغرق، والتمهيد لبناء مؤسسات دستورية حقيقية محددة الصلاحيات بكل وضوح، وفاءً لتضحيات الشهداء وضمانا لمستقبل أبنائهم.
ومن ايجابيات فضائح سوناطراك والطريق السريع شرق-غرب هي أنها سمحت لبعض المسؤولين أمثال حسين مالطي أحد القادة السابقين لشركة سوناطراك تخطي حاجز الخوف والإدلاء بشهادتهم أمام الرأي العام ضد المسؤولين المرتشين واللصوص في أجهزة الدولة. إنها ظاهرة صحية تؤكد لنا القناعة بأنه يوجد في كل مؤسسات الدولة الإقتصادية والإجتماعية، المدنية والعسكرية، وسواء على المستوى الوطني أو المحلي، مواطنون، نساء ورجال، شرفاء ونزهاء، يحزنهم بؤس الشعب وحرمانه من خيراته التي تسرق أمام أعينهم. وأيضا الترحيب الذي لاقاه نداء المدافع عن حقوق الإنسان الدكتور صلاح الدين سيدهم لتتبع أمام المحاكم الأجنبية الجزائريين الذين هرَّبوا أموال الشعب نحو الخارج، فبدأ بعض الحقوقيين المقيمين في العواصم العالمية، تنظيم أنفسهم وبالتعاون مع المنظمات الدولية لشفافية المالية قصد البحث عن الأموال الجزائرية المسروقة والتي وضعت في البنوك الأجنبية أو تم تبييضها عن طريق شراء العقارات وحتى شراء أسهم في الشركات الأجنبية. وخاصة أن الظرف الحالي يساعد على هذا بعد ما تغيرت القوانين المالية العالمية بخصوص سرية البنوك، فدول كأمريكا وفرنسا وألمانيا تلاحق رعاياها من هربوا الأموال للخارج وعدم دفعهم في بلادهم، فما بالنا نحن الذين تسرق أموالنا أليس من حق شعبنا استرجاع أمواله؟
وعاشت الجزائر إضرابات عديدة منذ فصل الخريف بجميع القطاعات كالتعليم والصحة، وفي المؤسسات الصناعية بمنطقة الرويبة بالضاحية الشرقية للجزائر العاصمة؛ وعن هذا الأخير لم يجد وزير العمل ما يقوله غير إخراج الأسطوانة القديمة بأن هناك مؤامرة أجنبية ضد الإستراتيجية الصناعية للرئيس، فاكتشفنا حسب هذا الوزير أن للجزائر إستراتيجية أليس هذا يعني احتقارا لآلاف العمال، والذين طالبوا فقط بحقوقهم المهنية؟ وللتاريخ شهدت هذه المنطقة قبل الخامس تشرين الاول/أكتوبر عام 1988 إضرابا كان البداية التي مهدت لانتفاضة شملت اغلب ربوع البلاد والتي أفضت الى انفتاح ديمقراطي ونهاية سيطرة الحزب الواحد جبهة التحرير الوطني آنذاك. ومن الممكن أن تكون هذه الإضرابات نقطة بداية لحلحلة الوضع السياسي والاجتماعي المزري الذي تعيشه الجزائر، لإن الإضرابات هي إرهاصات لتحول سياسي ما. لقد سجل لنا التاريخ أن الحركة العمالية هي التي أدخلت الحداثة السياسية والاجتماعية في أوروبا.

كاتب من الجزائر مقيم بباريس


Nombre de lectures : 1665
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique