Édition du
30 March 2017

عندما لا يمل 'أيوب الجزائر' من استعمال التلفزيون في حرب الظالمين على المساكين

توفيق رباحي

3/9/2010القدس العربي


شعرت بفرحة وعزّة كبيرتين وأنا أسمع وأشاهد الصرامة التي تعاملت بها الحكومة الجزائرية مع أساتذة التعليم المضربين عن العمل في النصف الثاني من الأسبوع الماضي.

مصدر الفرحة والفخر قناعتي بأن حكومة بلادي لا تهادن، وهي ساهرة على مصالح أبنائها وعلى السير الحسن لشؤون العباد والبلاد.

وأحسنت الحكومة الاختيار عندما اقترحت بيانها التاريخي، عن قصد أو بالصدفة، على المذيع الأكثر اتقانا للدور، ليقرأ بيان العزة في نشرة أخبار تلفزيون الكرامة.

كان ذلك مساء الأربعاء والبلاد كلها مزطولة في قبضة مخدر الكرة (كانت أمسية مخزية) وتحت رحمة اشاعات انتشرت كالنار في الهشيم عن أن صاحب الفخامة توفاه الله.

من لا يعرف الجزائر ويستمع الى ذلك النص، يخاله بيان إعلان حرب.

لم يكن هذا حالي على كل حال. عندما استمعت الى الرجل يقرأ، تارة يلهث وتارة يبلع ريقه، مهددا الاساتذة المضربين بالويل والثبور والفصل من العمل، ويطالب الإدارة بالتقليب في ملفات طالبي العمل بسلك التعليم لاحتمال تعويض المضربين، قفزت من مكاني وصحت بأعلى صوتي: يحيا العدل!

ثم عادت بي الذاكرة عشرين سنة الى الوراء، عندما مارست زميلته في كرسي قراءة الأخبار، زهية بن عروس، صرامة مشابهة في ظروف مشابهة وببيان مشابه، فشبهت الأساتذة المضربين آنذاك بـ.. الحشرات.

كانت تلك أجمل عبارة قيلت بحق من قيل فيهم ‘قمّ للمعلم وفّه التبجيلا..’، لذا ما زلت أحفظها ويحفظها التاريخ والجزائريون للزميلة بن عروس.

قبل فترة وجيزة سألوها عن ‘الحشرات’، فقالت: كنت أقرأ بيانا لم أكتبه.

بعد أقل من عشر سنوات، عُينت السيدة بن عروس وزيرة للثقافة! (لا تسألوني رجاء ما هي مقاييس تعيين الوزراء في الجزائر).

يقول صحافيون مقربون من دوائر الحكم إن أحمد أويحيى، عندما تسلم رئاسة الحكومة ووجدها وزيرة، أصدر بحقها أطرف حكم من رئيس على مرؤوس (ولا أستطيع ذكره هنا حفاظا على المقامات). وهي الآن عضو في مجلس الشيوخ، ضمن كوتا الرئاسة (ثلث الأعضاء يعينهم صاحب الفخامة) تشرّع لنا ولأولادنا.

‘ ‘ ‘

لذا أبشر يا أخ كريم وطوبى لك ببيان الأربعاء التاريخي، بعد أقل من عشر سنوات ستصبح وزيرا للثقافة. وبعد أن يحكم عليك أويحيى أدام الله عزه، سيعينونك عضوا بمجلس الشيوخ، ضمن كوتا صاحب الفخامة (أطال الله عمره) تقرر مصيرنا ومصير أولادنا وأحفادنا ان شاء الله تعالى.

وبعد هذا وذاك سيسأله أحدهم، فيقول: كنت أقرأ بيانا لم أكتبه!

هناك معركة كبرى بين أساتذة التعليم بالجزائر والوزارة المشرفة على شؤونهم، أقصد الوزارة البائسة مصدر مشاكلهم وهمومهم التي لا تنتهي.

يقود هذه الوزارة رجل اسمه أبو بكر بن بوزيد. من وجهة نظري، هذا الرجل يستحق فعلا الثناء والتقدير لأن صبره على منصبه وعلى الأساتذة لا يضاهيه إلا صبر أيوب: 16 سنة في المنصب، لم تمر واحدة منها بدون مشاكل وإضرابات واعتصامات وقلاقل. وفي كل مرة يخرج أيوب الجزائر صابرا منتصرا وخصومه أرضا. كيف؟ ولماذا؟ وما السر؟ لا جواب إلا سبحان الذي يلهم عباده كل هذه القوة والصمود!

ولتقريب الصورة لكم، أقول فقط إن بعض الذين يشنون إضراب اليوم كانوا تلاميذ عندما تسلم أيوب الجزائر الوزارة قبل 16 سنة، فعاشوا الإضراب كتلاميذ وها هم اليوم يمارسونه أساتذة للأسباب والظروف والمطالب نفسها التي دعت أساتذتهم الى الإضراب منذ عقد ونصف العقد وأكثر.. وكأن الدنيا لم تتحرك قيد أنملة.

هنيئا لك يا جزائر. ماذا تريدون انجازا أكثر من هذا؟

في حالات مشابهة ببلدان أخرى، يقول الناس: المدة الزمنية وحدها كافية لإدانة الرجل بغض النظر عن كفاءته (إن وُجدت)، ويسألون: ماذا يلزم هذا الرجل كي يستقيل؟ أو: ماذا ينتظر رئيس الحكومة أو رئيس البلاد أكثر كي يشحنه الى أبعد مكان عن العمل العام؟

لكن هذه الجزائر، وها قد شحن الرجل أجيالا الى مصائرها وبقي هو جالسا على التلال يغني: ‘قولولها الممرضة’!

16 سنة، عمر كامل، لم يتعب صاحبكم ولم يكل أو يمل. لو سألتموه سيقول: أفنيت عمري في خدمة الوطن والشعب. ولا أحد يجادل لأن كل شيء فيه وجهة نظر، بما في ذلك خدمة الوطن والشعب.. بالاضرابات.

لا أعرف بدقة من على حق ومن على خطأ في معركة الوزارة ونقابات التعليم التي وقودها ملايين التلاميذ وأعصاب الاف الأساتذة وأفراد عائلاتهم، لكن العاقل يدرك بسهولة أن تكرار هذه الإضرابات سنويا، بل أكثر من مرة في السنة، يطرح تساؤلات جادة حول كفاءة هذا الوزير وقدراته الادارية والتسييرية.

لكن، وكي لا نظلم الوزير، يجب القول إنه نسخة دقيقة للحكومة، وإن قطاعه ليس الاسوأ، فلو تداول على وزارة التعليم خمسة أو ستة وزراء، كما هو حال القطاعات الأخرى، كان أيوب الجزائر سيجد نفسه في وضع أقل حرجا والانتقادات له أخف.

أما أداة هذه المعركة غير المتكافئة، فهي دائما الصحافة الحكومية على رأسها التلفزيون.

عندما يبدأ إضراب يمارس التلفزيون تعتيما هائلا، وعندما يحكم القضاء بعدم قانونية الإضراب أو تعلن الحكومة موقفا يدينه، يقرأ بعض المذيعين (وزراء المستقبل مثل بن عروس وكريم بن سالم) حكم القضاء أو البيان الحكومي بحماس فائض وكأن لهم مشاكل شخصية مع المضربين (كما حدث مساء الأربعاء الماضي).

والنتيجة أن الوزارة تخسر المعركة أو فصلا منها ويزداد الرأي العام تعاطفا مع المضربين!

‘ ‘ ‘

ذات مرة، في بداية التسعينات، استدعى وزير داخلية قوي آنذاك (ولا قوي إلا الله لأنه انتقل الى رحمته) ثلاثة صحافيين الى مكتبه على ضوء خبر لم يرق له.

سمعت من أحد الثلاثة الحاضرين أن الوزير لم يجادلهم كثيرا في فحوى الخبر بل سارع للقول: ما تلعبوش معايا.. أنا عندي السجون والمحاكم والشرطة والإدارة. ثم أطلق العنان للسانه فأسمعهم كلاما بذيئا يستحي منه المرء مع نفسه.

ولما أنهى البذاءة صاح فيهم: أنا مستقبلي ورائي يا اولاد كذا وكذا.. لقد قضيت عمري في خدمة البلد والشعب!

بعد ذلك أطلق سراح اثنين وأمر بسجن واحد.

نسي المسكين أن يضيف التلفزيون الى قائمة قواته التي يتسلح بها. فهو (التلفزيون) يعطي الانطباع بالانتصار في معركة الظالمين على المساكين هذه.

وقد أدرك أيوب الجزائر وحكومته هذه النقطة، ما يفسر إعادة قراءة بيان العزة في نشرة أخبار اليوم التالي، لكن هذه المرة على لسان سيدة كانت ستنافس زهية بن عروس لو كنا في منتصف الثمانينيات.

ومثل المسرحية المملة، في كل سنة يتكرر نفس العبث في إدارة الإضراب عن طريق التلفزيون أكثر من إدارته في الواقع. (الى جانب التلفزيون يتسلح أيوبنا في حرب المئة سنة ضد الأساتذة بخوف التلاميذ من اقتراب مواعيد الامتحانات وخوف الأولياء على مصير أبنائهم).

الفرق في إضراب هذه المرة أن أيوب لم يأت الى التلفزيون ليحاضر في المصلحة الوطنية ومصلحة ‘أبنائي التلاميذ’، كما جرى العرف في السنوات الماضية بأن يستضيفوه في نشرات الأخبار وحتى برامج جاهزة على مقاسه كي يحاضر في الخدمات التي قدمها هو والحكومة لقطاع التعليم والمليارات التي صرفت عليه، وليذكّر من نسي بأن الأساتذة والمعلمين في الجزائر هم الأفضل في العالم والأكثر حظا.

لعل أيوبنا فهم بأن الأفضل له أن يحارب من وراء ستار، فذاك آمن له وقناعتي ـ التي أكيد ليست قناعته هو ـ أن المسؤولين الجزائريين الذين يشاهدهم الناس في التلفزيون أكثر يكرهونهم أكثر.

والسر.. التلفزيون ذاته ولا يوجد سر آخر.

ورغم ذلك يبقى هو السلاح الأفضل في حرب الظالمين على المساكين.

كاتب من أسرة ‘القدس العربي’

toufik@alquds.co.uk


Nombre de lectures : 1166
5 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • benlamine
    9 mars 2010 at 17 h 16 min - Reply

    vous avez monsieur rebahi bien resumé et bien dit ce que tous ou la plus part des algeriens pensent
    merci merci merci




    0
  • Dahmani
    10 mars 2010 at 9 h 42 min - Reply

    لا تسألوني رجاء ما هي مقاييس تعيين الوزراء في الجزائر »

    …Et quels sont les critères de nomination de ministres dans les pays dits développés, en particulier dans le pays abritant votre journal ?

    Cordialement




    0
  • hichem
    10 mars 2010 at 20 h 31 min - Reply

    Que notre ami Dahmani cesse de comparer l’imcomparable.Tu sais mieux que quiconque que dans ces pays la compétence ,la rigueur et le sens de la responsabilité n’est pas un vain mot.Les ministres là bas sont choisis pour défendre toute une politique de developpement pour améliorer les conditions de vie de leurs citoyens tant sur le plan social ,culturel qu’économique.Alors que chez nous,ils sont recrutés en fonction de leur allégeance au système pourri pour participer à l’oeuvre diabolique de saignement du pays et de la clochardisation de la société.
    amicalement




    0
  • Dahmani
    11 mars 2010 at 0 h 03 min - Reply

    Si Hichem,

    Justement je ne sais pas mieux que quiconque…

    Dans le pays qui s’appelle Algérie, il ya plus de compétence et de compétents que tu ne le crois.

    Personnellement et à titre d’exemple, je ne pense pas qu’un certain Frédéric mittérand, ministre de la culture en France soit plus compétent, ayant plus de rigueur et de sens de responsabilité (comme tu viens de l’écrire) qu’un ministre Algérien de la culture (même si je dois avouer, je ne connais pas les oeuvres de BenArous durant son passage au ministère de la culture en Algérie).

    Je reconnais que le ministère de la culture Algérien pourrait mieux faire.

    En revanche je partage avec toi le cri de douleur que dégage tout citoyen Algérien quand il voit l’état du pays, le découragement des citoyens, la mediocrité qui reigne et la loi du plus fort.

    Crois-moi Si Hichem un ministre Allemand ou Suédois n’est pas plus compétent qu’une Ouarda ou Akila.

    Le problème de l’Algérie n’est pas là.

    Cordialement




    0
  • Yacine
    19 avril 2010 at 13 h 57 min - Reply

    C’est dommage que les articles en arabe sont peu ou pas du tout tagués (référencés pour archivage).




    0
  • Congrès du Changement Démocratique