Édition du
22 March 2017

بدائل العنف في مسار التغيير: اللاعنف بين التكتيك والاستراتيجية

لقمان شريفي

النزاعات قديمة قدم الزمان. فمنذ أن خلق الله آدم عليه السلام لم تخلُ الساحة من التصادم والتنازع اللذين اتخذا أشكالا مختلفة، ويقف التاريخ شاهدا على مر حقبه على تجاذب بين مختلف القوى وتدافع بين الحق والباطل أو بين طرفين يعتبر كل منهما نفسه على حق، وهذه الصراعات يدوّنها لنا التاريخ وتسجلها لنا الشهادات، التي يغلب عليها التركيز على الفترات الدامية منه، بحيث علق بالذاكرة الجماعية نماذج بعينها دون أخرى، نظرا لما تتسم به هذه النماذج من أثر عنيف تركه هذا الصراع أو ذاك.

وكما أن الصراع ضارب في القدم، فكذلك عمليات ومحاولات التغيير قديمة ومرت بمراحل عدة وتنوعت أشكالها، وهنا أيضا سجل لنا التاريخ البشري نماذج من ممارسات التغيير التي تميزت بالتدخل العنيف لإنهاء وضع قائم واستبداله بأخر يعتقد صاحبه أنه أكثر عدلا، سواء كان ذلك للحصول على حقوق مغتصبة أو للتعبير عن رأي مقموع أو للدفاع عن فئة منزوعة الحقوق أو للانقلاب على وضع يراه المتمردون انه متسلط. وإذا كان القرآن الكريم حدثنا عن صراع قابيل وهابيل وصراع فرعون وموسى وأمثلة عديدة أخرى للاعتبار واستخلاص الدروس، فإن كتب التاريخ هي أيضا تزخر بأمثلة من هذا القبيل، غير أن هذه الذاكرة المكتوبة أولت مساحة واسعة للصراعات التي غلب عليها الطابع العنيف ولم تنقل لنا إلا النزر القليل عن النماذج الأخرى التي اتسمت بنهج يفضل اللجوء إلى سبل غير عنيفة للوصول إلى حالة التسوية.

لا شك أن دراسة ظاهرة التغيير وآلياته وعلاقته بالعنف كأداة لتحقيق مراميه حظيت بكثير من الاهتمامات على مر العصور ودبجت لها الدراسات والمقالات واستدعت تنظيم المؤتمرات والاجتماعات، غير أن هذه الفضاءات كلها غلب عليها طابع التعميم، بالمقابل يكاد يجزم المتتبعون لهذا الموضع أن الباحث جين شارب من مؤسسة ألبرت أنشتاين يُعتَبر من القلائل الذين اهتموا بالموضوع على نحو أكاديمي وواقعي في الوقت ذاته، وقام بتشريح ظاهرة العنف وآليات التغيير في صورة متكاملة يمكن أن يستفيد منها كل مراقب أو متتبع أو مهتم بهذا الموضوع الشائك. وقام جين شارب بدراسة جد ثرية في هذا الشأن، تحت عنوان « البدائل الحقيقية » حيث استنتج من خلالها حتمية فهم مشكلة العنف وتفكيك آليته وتشريحه، بل وجعل من سبر أغوار هذه الظاهرة شرطا أساسيا وضرورة ملحة تسبق كل عملية تغيير.

ضرورة فهم المشكلة

ومن المهم أن نعي أن وجود الصراع داخل المجتمعات وفي القضايا السياسية هو أمر حتمي. وهذا الصراع الذي اتخذ أشكالا متنوعة كان في بعض الأحيان، بدافع تغيير أوضاع اعتبرها البعض ظالمة يتحتم وضع حد لها، وقد استقر لدى المراقبين المختصين في مجال التغيير، أن العنف داخل المجتمع والعنف السياسي بكافة أشكاله سواء كان حربا أو إرهابا أو دكتاتورية أو أصناف القمع المختلفة واغتصاب السلطة أو ممارسة القتل الجماعي هو بحد ذاته مشكلة خطيرة. فجميع المشاريع المطروحة لحل مشكلة العنف وما ينتج عنه باءت بالفشل، وبالتالي تبقى مسألة العنف مشكلة بانتظار الحل وذلك لأن الحلول المطروحة، تقوم على أساس غياب فهم كافي لطبيعة العنف، ومن ثم ففشل فهم المشكلة يجعل من حلها أمرا صعبا أو حتى مستحيلا.

كما علينا أن نبحث في الأسباب التي عززت الاعتقاد منذ فجر التاريخ، فجعلت الإنسان والجماعات والدول تعتبر أن العنف أمر ضروري سواء كانت المبررات جيدة أو سيئة. وبعد الوقوف عند هذه الإشكالية يمكن حينئذ مناقشة كيف أن التغيير الجذري يمكن أن يتحقق دون اللجوء إلى العنف، مع ضرورة، في مرحلة أولى، تقليص الاعتماد على الخيار العسكري أو على وسائل العنف الأخرى.

وتجدر الإشارة في هذا الباب أن بعض الخلافات تسوى بالاعتماد على أساليب سلمية مثل المفاوضات والحوار والتراضي، وهذه الأساليب تتطلب أن يقدم طرفا النزاع تنازلات من أجل الوصول إلى حل ما، غير أن استخدام مثل هذه الأساليب يكون عادة لما تكون القضايا محل النزاع غير أساسية، بل وحتى في هذه الحالات فإن الحل يتأثر بميزان قوى أطراف النزاع أكثر مما يتأثر بتقييم مشترك لحل عادل. والأمر خلاف ذلك لمّا يتعلق بالقضايا الأساسية، التي تسمى بالنزاعات الحادة بحيث تكون الحلول التي تتطلب تنازلات غير مناسبة لها إذ نجد عندئذ أن أحد أطراف الصراع على الأقل يرى أنه من الضرورة بمكان شن حرب على خصومه، ومن ثم يتعذر في هذه الحالة تخفيض الاعتماد على الحروب وأنواع العنف الأخرى بشكل كبير، الأمر الذي يحتم ضرورة فهم طبيعة الدور الذي يلعبه العنف في هذا الصدد.

وانطلاقا مما سلف ذكره، فلا مناص من أن يكون هذا البديل العملي لحل النزاع (النضال باستخدام أسلوب اللاعنف) قادرا على معالجة المشكلات المزمنة مثل الصراع ضد الدكتاتوريات ومقاومة الاحتلال والعدوان الأجنبي والانقلابات الداخلية والقمع والقتل ومحاولات القتل الجماعي والترحيل والتهجير الجماعي، والتي كان ُيعتقد (ولا يزال عند جمهور عريض) أنه لا يمكن حلها دون اللجوء إلى العنف.

يكمن الدليل على قوة هذا البديل ونجاعته في حقيقة ساطعة تكاد تغيب عن إدراك أغلبية الناس وهي أن مصدر القوة (حتى بالنسبة لأشرس الدكتاتوريات) ينبع أساسا من مصادر القوة الموجودة في المجتمع ذاته، والتي تقوم أيضا على التعاون القائم بين المؤسسات والشعب.

فجميع المصادر التي تعتمد عليها القوى الاستبدادية، تفترض وتقوم على قبول الجماهير لنظام الحكم وعلى خضوع وطاعة هؤلاء الجماهير وعلى التعاون الذي يقدمه المجتمع ومؤسساته، وبالتالي فإن القوة السياسية لا تنفك تعتمد في وجودها وقوتها على مصادر يعززها التعاون الذي تقدمه الجماهير والمؤسسات. ومن هذا المنطلق يمكن لأعمال اللاعنف أن توجه ضرباتها إلى هذه المصادر وإضعاف القوة التي تزود النظام، فمثلا نجد أنه عندما ترفض الجماهير شرعية الحكم (المغتصب مثلا) يفقد هذا الحكم طاعة الناس، مما يجعل الحكم يتخبط في مشاكل جمة، إذ تتعطل كافة دواليب الحكم التي لا يمكنها السير بدون تعاون الجماهير. وهو ما يؤكد صحة ملاحظة العالم السياسي كارل دويتش الذي قال عام 1953 أنه حتى الدكتاتوريات الاستبدادية تعتمد على دعم الجماهير والمجتمعات لكي تستمر في حكمها.

كما أن الدليل الواضح على فعالية هذا النهج اللاعنيف، يبرز في صورة ما تقوم به الأنظمة الشمولية من محاولات لحرف هذا النهج عن مساره ودفعه اتجاه العنف، أي جذبه إلى حلبة تروق هذه الأنظمة، ويكون ذلك إما عبر القيام باستفزازات متكررة أو دس عناصر مشبوهة تأتمر بأوامرها في صفوف الخصم، تقوم بأعمال عنف من قبيل استعمال الأسلحة النارية أو اعتداءات على قوى الأمن أو ممتلكات المواطنين، وتقوم هذه العناصر المدسوسة بتلك الأعمال مع الإيحاء أن القائمين بها هم من المحتجين على السلطة، مما يمنح النظام الدكتاتوري الذريعة والشرعية للتدخل « لمكافحة الشغب ومحاربة الفلتان الأمني » (العبارات المألوفة في ديباجة الأنظمة القمعية عند كل تدخل لفض الاحتجاجات الشعبية وكسر شوكة النضال اللاعنيف)، فتُخرِج بذلك العمل اللاعنيف عن مساره، وتجر أصحابه إلى حلبة العنف المضاد. وهناك نماذج عدة من هذا القبيل نقتصر في هذا السياق على ما شهدته جنوب إفريقيا من دس متطرفين عنصريين وسط مناضلي المؤتمر الوطني الإفريقي، واستخدام ألاف العناصر وسط النقابات العملية وداخل حركات الحقوق المدنية (لوثر كنغ)، ونفس الشيء بالنسبة للدول العربية، لاسيما عمليات الاختراق التي قامت بها مصالح الأمن العسكري في الجزائر عقب الإضراب العام الذي نادت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ في صائفة 1991.

مفاهيم خاطئة ومتطلبات النجاح

ضمن الأسباب التي كرست الاعتقاد بضرورة اللجوء إلى العنف سبيلا للتغيير هو أن العنف يؤدي إلى تحقيق أهدافه بسرعة، في حين يأخذ اللاعنف وقتا أطول، كما أن النضال عن طريق استخدام أساليب اللا عنف يشكل، في أعين منتقديه، علامة بارزة عن ضعف صاحبه، في حين يدرك المتفحص الرصين في واقع الأمر ما للنضال اللاعنيف من فعالية كبيرة قادرة على شل وتفكيك الأنظمة القمعية. وهناك أيضا اعتقاد منتشر بين الناس يقول أن النضال للا عنيف يؤتي أكله فقط إذا استخدم في مواجهة الأنظمة الديموقراطية والخصوم الذين يؤمنون بحقوق الإنسان. غير أن الدراسة المتأنية للموضوع تظهر أنه إن صح هذا التبرير في جزء منه، فإنه لا يصلح بشكل مطلق، ذلك لأن فشل المسار برمته غالبا ما يعود في المقام الأول لأسباب ذاتية ومفاهمية وتنظيمية. وثمة من يتذرع بوجود فرق بين الثورات السلمية التي جرت في بعض دول أوروبا الشرقية سابقا مثل جورجيا ورومانيا، إذ لقي القائمون بها الترحيب والتشجيع (بل ونعلم أيضا كما تبين لاحقا، أن معظم هذه الثورات اندلعت بإيحاء وتنظيم وتمويل قوى دولية نافدة)، مما ساهم في نجاحها دون أن تتعرض الجماهير إلى مجازر محدقة، عكس ما تشهده ساحات عالمنا العربي الإسلامي التي لن (ولم) تتورع فيه الأنظمة عن استخدام أفتك الأسلحة ضد الجماهير المنتفضة، هذا بالإضافة إلى تواطؤ المجتمع الدولي الرسمي الذي قد يفضل التعامل مع « شيطان » يعرفه ويتعامل معه ويبرم معه الصفقات المربحة بدل التعامل مع « ملك » لا يعرفه، حتى وإن كان منتخبا وحاصلا على تفويض شعبي صريح، فيخشى منه على مصالحه التي قد تتضرر. فمما لا شك فيه أن هذه الذريعة فيها كثير من الصواب، لكنها لا تكفي لتبرير الفشل الذي لحق بالتجارب في عالمنا العربي، الذي يعود لأسباب ذاتية في جوهرها، هذا بالإضافة إلى أنه مهما كانت ايجابية مساعدة طرف ثالث، يبقى أن أي عمل من هذا القبيل وبهذه الأهمية لا يجب أن يخضع أو أن يعتمد في نجاحه على قوى غير قواه هو، و إلا أصبح رهينة لها ويأتمر بأوامرها.

وكي يؤتي التغيير اللا عنيف النتائج المرجوة، فلا بد من توافر عنصرين ضروريين، هما:

ألف القدرة على مواجهة وقلب تأثير القمع

يصف السيد جين شارب كيف تعمل آلية اللاعنف، فيقول أن التناقض الذي يولده استخدام أساليب اللاعنف في مواجهة أعمال العنف يضع الخصم (النظام القمعي في هذه الحالة) في وضع سياسي غير متوازن ويضعف من قوته، في حين يزيد من قوة المحتجين وهذا ما يسمى بسياسة المصارعة اليابانية (جيو جتسو سياسي)، بحيث تؤدي هذه المنهجية إلى زيادة عزلة الخصم عن ثلاثة مجموعات: أولا؛ عن أعضاء جماعة الخصم نفسه (مع زيادة المعارضة الداخلية)، ثم المواطنين الذين يؤثر عليهم الوضع وأخيرا الأطراف المتورطة في النزاع بشكل غير مباشر، مما يقود ذلك عادة إلى تحوّل الأطراف الأخرى ضد الخصم، ومناصرة المحتجين.

باء القدرة على تقويض مصادر قوة الخصم

ويتخذ النضال اللا عنيف أحيانا أكثر من شكل واحد، كما أن هذا النوع من النضال لا يقتصر على معالجة القضايا الهامشية أو المحدودة نسبيا أو تلك التي تتخذ شكل تعامل بين أنداد شرفاء، بل قد استُخدِم هذا الصنف من النضال في العديد من الحالات، عندما كانت القضايا على المحك ذات طابع جوهري، ولما كان فيها الخصوم مستعدين لاستخدام أقصى إجراءات القمع مثل الإعدام والاعتقالات والمجازر الجماعية، فبالرغم من وجود أشكال القمع الجسيم هذه إلا أن المحتجين أصروا على النضال بطرق اللا عنف حتى النهاية، وتكلل ذلك أحيانا بانتصارهم وتحقيق هدفهم.

وقد لخص المهتمون بالموضوع مراتب آليات التغيير فيما يلي:

الآليات الأربع

نادرا ما تكون التغيرات الحاصلة في موقف الخصم (السلطة المستبدة) هي التي تدفعه إلى تقديم تنازلات طواعية، كنتيجة لاستخدام أساليب اللاعنف أو ما اصطلح عليه بالـ(تحوّل)، ولكن في أغلب الأحيان نجد أن سحب التعاون الاقتصادي والسياسي يجبر الخصم على تقديم تنازلات، وهو ما يطلق عليه اسم (التأقلم)، وأحيانا أخرى تكون درجة عدم التعاون والتحدي قوية جدا، عندما تجري هذه العملية تحت قيادة محكمة ومحنكة، بحيث تستنفذ مصادر قوة الخصم، فلا يبقى أمامه سوى خيار الاستسلام (الإجبار باللاعنف)، ثم هناك آلية رابعة في هذا السياق، وتُعتَبر الأقوى، غير أنها نادرة الحدوث، فتتمثل في ممارسة التحدي واللاتعاون إلى أقصى مداه، حيث يتم عزل الخصم عن مصادر القوة، فتكون نتيجته، سقوط النظام (التفكك).

وبعد هذا العرض التوصيفي الموجز، هل يمكننا الجزم بأن اللاعنف يستطيع أن يحل محل العنف كأسلوب لمعالجة الأزمات الحادة؟ الجواب يختلف من طرف إلى آخر ويتفاوت التقدير حسب نظرة كل طرف للمشكلة بناء على عناصر متعددة، لكن لب الجواب يعتمد في المقام الأول على درجة فهمنا لهذا الأسلوب ودرجة الحكم على مدى قدرة أسلوب اللاعنف في أن يكون بديلا فاعلا للعنف في مجال تسوية الأزمات الحادة. ومن المعلوم أن العنف في حد ذاته عادة ما يولد أنظمة سياسية مركزية تمارس القمع بينما مسار اللاعنف ينتج أنظمة سياسية أقل مركزية وأكثر شعبية، فضلا على كون أن الأنظمة المستبدة عادة ما تستخدم القدرات العسكرية لقمع الشعوب بينما تستخدم الجماهير المحتجة أسلوب اللاعنف من أجل الحصول على الحريات والدفاع عنها ومن أجل مقاومة أنظمة القمع المركزية.

إن تطوير حل مرض لمشكلة العنف ومعرفة التطور السياسي المستقبلي للنضال باستخدام أساليب اللاعنف يتطلبان معرفة الواقع ومعرفة الدور المستقبلي الذي يمكن أن يضطلع به أسلوب اللاعنف خاصة في معالجة الأزمات الحادة التي ترى غالبية الجماهير والحكومات أن الحل العسكري وأشكال العنف الأخرى هي السبيل الوحيد لحلها.

وهذه الجهود المبذولة في استخدام وسائل اللاعنف تتطلب مواجهة الظواهر المألوفة لدى المجتمعات الحديثة ومواجهة القوى الوطنية والدولية ومواجهة مركزية السلطة وعسكرة العلاقة السياسية بين الدول وسيطرة الطرق التقليدية لحل المشاكل.

ويعتمد مدى نجاحنا في استبدال أشكال العنف بأشكال اللاعنف وبالتالي في تقليص الاعتماد على الحلول العسكرية، بشكل كبير على مدى تطويرنا لبدائل فاعلة من أساليب اللاعنف لحل الأزمات.

لكن قبل تطوير هذه البدائل فثمة حاجة ماسة إلى تحليل الأسباب التي تجعل الأنظمة – المستبدة منها على الخصوص – تسيطر على الشعوب ولا تعير لها أي اهتمام، بحيث لا يجرؤ أحد على الخوض في عملية التغيير، إما خشية التعرض لعواقب إقبالها على مثل هذا العمل، أو بدافع اليأس الذي تَحَكّم بالنفوس من إمكانية تحقيق التغيير المنشود، هذا رغم تيقن الجميع بتعفن النظام، متمنيا تغييره، وهو ما يدفعنا حتما إلى مناقشة أمر مصيري يعد ركيزة لا غنى عنها في أي عملية تغيير جادة، ألا وهو ضرورة اعتماد خطة إستراتيجية مبنية على دراسة مستفيضة و رسم الخطوات العملية.

وبناء عليه، نعتقد أنه لا مناص من رسم معالم هذه الأنظمة المستبدة وطرق عملها والوسائل المستخدمة في تحكمها بمقاليد السلطة وسيطرتها على الشعوب التي تحكمها.

لقد شهد التاريخ على مر الأزمان سيطرة نمط من الحكام على جماهير الشعوب، مستخدمين في ذلك شتى الوسائل والخدع للاستمرار في السلطة، كما توضح لنا تجارب الأمم أن استمرار حكم هؤلاء الرجال يعتمد بالأساس على مدى دوام مفعول قدرتهم القمعية المسنودة بشتى أصناف المكر، وبالتالي فمتى أدركت الشعوب المضطهدة ما تملكه من قوة كامنة، تنهار مباشرة قدرة وفعالية خداع وقوة الأنظمة المستبدة، ومن هذا المنطلق يمكن إحصاء دعامتين أساسيتين في احتفاظ هذه الأنظمة بتسلطها، تتمثل الأولى أساسا في الآلية القمعية

(بمختلف أجهزتها من جيش وشرطة ومخابرات ومليشيات وترسانة يرصد لها الجزء الأكبر من ميزانية الدولة، كلها لهدف واحد هو تكريس حكم الزمرة الحاكمة)، إلى جانب الموارد المالية والبشرية المستخدمة لعسكرة المجتمع أفرادا وهيئات وتنظيمات، أما الدعامة الثانية فلا تقل أهمية، بل وقد تفوقها خطورة، متمثلة في ما توفره الشعوب (طواعية أو مكرهة) من دعم تكون هذه الأنظمة في أمس الحاجة إليه.

المصادر الضرورية للسلطة السياسية

ومن أبجديات النظم الدكتاتورية اعتمادها في المقام الأول على عنصر القوة للتربع على الحكم والاحتفاظ به، سواء كان ذلك عبر استخدام هذه القوة أو التهديد بها، لكن مع هذا، فمهما بلغت هذه القوة من قسوة، تبقى هذه الأنظمة في حاجة إلى « ضحيتها »، أي الشعوب التي تحكمها، وفقا لمبدأ جد بسيط، وهو أنه من دون مساعدة هذه الشعوب لن تستطيع هذه الأنظمة تأمين مصادر القوة هذه والحفاظ عليها، وهي متمثلة كما أسلفنا ذكره في التالي:

— الحاجة الماسة إلى اعتراف الناس بشرعية هذه السلطة؛

— الموارد البشرية التي تطيع وتتعاون مع الحكم القائم؛

— المهارات والمعرفة اللازمة التي يوفرها الأشخاص والجماعات المتعاونة؛

— العوامل النفسية والفكرية (والدينية) التي تحث الناس على الطاعة ومساعدة الحكم؛

— المصادر المادية التي تحدد درجة سيطرة الحاكم بالممتلكات والمصادر الطبيعية والمصادر المالية؛

— العقوبات التي تنفذها هذه الأنظمة أو تهدد باستخدامها في حالة العصيان أو اللاتعاون.

ويتجلى مما ورد ذكره، أنه لن يكون لهذه المصادر مجتمعة أي مفعول في غياب قبول شعبي للنظام الحاكم، وفي حالة عدم خضوع وطاعة جموع المواطنين له، أي بعبارة أخرى، عندما تحجب الجماهير المنظمة هذا التعاون الشعبي والمؤسساتي عن النظام الدكتاتوري، يؤدي ذلك إلى تقليص نفوذه وربما اندثاره.

فعندما ترفض الجماهير على سبيل المثل، شرعية الحكم (المغتصب)، يواجه الحكم مشاكل جمة، فتتعطل كافة دواليب الحكم التي لا يمكنها السير بدون تعاون الجماهير. وهو ما يؤكد صحة ملاحظة العالم السياسي كارل دوتش الذي قال عام 1953 أنه حتى الدكتاتوريات الاستبدادية تعتمد على دعم الجماهير والمجتمعات لكي تستمر في حكمها. هذه الحقيقة تفسر الحساسية المفرطة للحكام الدكتاتوريين إزاء كل عمل أو فكرة تهدد قدرتهم على توجيه جموع الجماهير حسب مخططهم، ملوحين بأشد العقوبات ضد كل من يرفض الانصياع، وقال دوتش في هذا الصدد: « تكون القوة الاستبدادية قوية فقط في حالة عدم الحاجة إلى استخدام تلك القوة بكثرة، أما إذا احتاجت إلى استخدام قوتها ضد جميع المواطنين بكثرة، فإن إمكانية استمرار تلك القوة ومفعولها تصبح ضعيفة… »

أما المنظر القانوني الانجليزي جون اوستن (القرن التاسع عشر) فقد وصف وضع أنظمة الحكم الدكتاتوري في مواجهة شعب ممتعض قائلا: « إذا قررت غالبية المواطنين القضاء على الحكومة وتوفرت لديهم الرغبة في تحمل ممارستها القمعية بغية الوصول إلى ذلك، تصبح قوة الحكومة والذين يؤيدونها غير قادرة على حماية الحكومة البغيضة »، واستنتج اوستن أنه « لن يكون هنالك إمكانية لإجبار الناس على العودة إلى الطاعة الدائمة والخضوع ».

ومن ثم، يمكن تلخيص أهم ثلاثة عوامل تحدد درجة سيطرة (أو عدم سيطرة) السلطة الحاكمة على الشعوب في التالي:

1— الرغبة النسبية للجماهير في فرض حدود على قوة النظام؛

2— المقدرة النسبية لمنظمات ومؤسسات المحكومين المستقلة في عملها من أجل حجب جماعي لمصادر القوة؛

3— إمكانية المواطنين النسبية على حجب تجاوبهم ومساعدتهم.

والى جانب هذا الركن الذي يشكل العمود الفقري لكل حكم دكتاتوري، تسخر هذه الأنظمة دعامتين مهمتين أخريتين لتثبيت حكمها:

1— آلية السيطرة على المجتمع، تحتوي على آليات فرعية ثلاث:

ألف— آلية الاستحواذ على نسيج المجتمع

من المعلوم أن إحدى خصائص المجتمع الديمقراطي تتمثل في وجود عدة مجموعات ومؤسسات غير حكومية مستقلة عن الدولة تشمل على سبيل المثال العائلات والمنظمات الدينية والمؤسسات الثقافية والأندية الرياضية والمؤسسات الاقتصادية والنقابات والاتحادات الطلابية والأحزاب السياسية والجمعيات الخيرية ومنظمات حقوق الإنسان ومؤسسات أخرى، حيث تكمن أهمية هذه الأجسام في تحقيق أهدافها لصالح المجتمع، كما أن لهذه الهيئات أهمية سياسية يستطيع الناس من خلالها التأثير على توجيه المجتمع ومقاومة الحكومة عندما تتعدى على مصالحها ونشاطاتها وأهدافها، علما أن الأفراد، مهما كثر عددهم، لا يستطيعون بصفتهم هذه، التأثير على باقي المجتمع مما يجعلهم عديمي الفعالية أمام الأنظمة الدكتاتورية، من هنا يكمن خطر مخططات الأنظمة الدكتاتورية في العمل الدؤوب من أجل سلب استقلالية وحرية هذه المؤسسات. وضمن هذا الاستحواذ، تفرض هذه الأنظمة الدكتاتورية الحكم المركزي على هذه المؤسسات بحيث تستخدمها للسيطرة على أعضاء هذه المنظمات لشل حركتها في سبيل  » إبطال مفعول » النسيج المجتمعي المستقل من منظمات وجمعيات وأحزاب، مستخدمة في ذلك شتى الخدع من ترغيب وترهيب، لقناعة هذه الأنظمة بخطورة الدور الذي يضطلع به هذا النسيج في التأثير على حكمها والوقوف دون استمراره إذا ما تعدى العقد الوطني المتفق حوله، وهو الأمر الذي يعزز الاعتقاد بضرورة استقلالية هذا النسيج المجتمعي ونموه باعتباره ضرورة ملحة لنجاح النضال التحرري. وإذا ما تمكن النظام الدكتاتوري من تدمير أو السيطرة على مؤسسات المجتمع المستقلة القائمة، فلا مناص حينئذ من العمل العاجل والجاد على إنشاء جماعات ومؤسسات اجتماعية مستقلة جديدة.

ويرى الخبراء في مجال آليات تغيير نظام الحكم أن قوة الأنظمة الدكتاتورية بمعناها هذا قابلة للتفكيك، إذ أن بنيتها هذه تجعلها في متناول معارضة محكمة ذات برنامج سديد وتطبيق حكيم.

باء— دفع « المقاومة » إلى حلبة العنف في حالة تعذر الاستحواذ عليها

ومن المعلوم أن استخدام العنف كأسلوب للنضال لا يخدم في نهاية المطاف سوى الأنظمة الدكتاتورية التي تستأثر بهذا المجال وذلك لقيامها أصلا على أساسه ولِما تملكه من عتاد ووسائل تؤهلها في الغالب لسحق كل حركة مناهضة مهما أتيت من عزيمة وشجاعة، كما أن هذا المنحى يمنح الحاكم المستبد الذريعة والشرعية للتدخل « لإعادة النظام والأوضاع الطبيعية » أو « محاربة الإرهاب » وبذلك يُخرج العمل اللاعنيف عن مساره، ويجر أصحابه إلى حلبة العنف المضاد.

مفاهيم خاطئة ومتطلبات النجاح

وبالإضافة إلى ذلك، فاللجوء إلى العنف لإزاحة الأنظمة الدكتاتورية يشكل خطرا على المدى البعيد، فغالبا ما تدفع حرب العصابات النظام الدكتاتوري إلى المزيد من التشدد في استبداده، وفي حالة نجاح هذا الأنموذج من المقاومة وتولي أصحابه السلطة فإنهم يقيمون نظام حكم، يكون في أغلب الأحيان، بعد فترة وجيزة، أكثر دكتاتورية من النظام الذي سعوا إلى تنحينه، وذلك بسبب تأثير مركزية القوة العسكرية المتضخمة على حساب ضعف أو دمار مجموعات ومؤسسات المجتمع المستقلة التي تشكل الدعامة الحيوية في إنشاء مجتمع ديمقراطي متوازن، كما أن هذا الخيار تلفه مشاكل اخطر، أهمها أنه لا يحقق إعادة توزيع السلطات بين الشعب وبين الفئة التي تسيطر على الحكومة، ويتلخص الأمر في نهاية المطاف في استبدال أشخاص معينين بزمرة أخرى، التي مع مرور الوقت، تعزز مركزها، وتدير ظهرها للهدف الذي أنشأت من أجله.

ومن جانب آخر، قد يدب الشك في نفوس بعض من يعيش تحت نير الأنظمة القمعية أو بعض الذين هجروا البلاد للنجاة من اضطهادها، في قدرة الشعوب المضطهدة على تحرير نفسها، فيعلقون أملهم على تدخل قوى دولية خارجية لإسقاط الأنظمة الدكتاتورية. قد يكون هذا الشعور مبررا، في حالة لا تملك فيها الشعوب الرغبة أو القدرة أو حتى الثقة على المقاومة للتخلص من الأنظمة الدكتاتورية، مما يجعلهم يعلقون أملهم على القوى الدولية، سواء تمثل ذلك في الرأي العام الدولي أو أجهزة الأمم المتحدة أو قوى أجنبية أخرى للضغط على النظام القمعي عن طريق فرض المقاطعة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والحظر التجاري، غير أنه حتى وإن بدا هذا الطرح صائبا جزئيا إلا أنه ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ أن هذا الطرف الخارجي، مهما كانت طبيعته، يتميز بصفات نذكر منها:

— تعايشه مع الأنظمة الدكتاتورية، بل ويمدها أحيانا بشتى وسائل الدعم حفاظا على مصالحه الاقتصادية والسياسية؛

— استعداده لبيع الشعوب المضطهدة بدلا من الالتزام بوعوده لها، إذا رجح مصلحته عند مواجهة تلويح النظام الدكتاتوري بأداة الترغيب (مصالح اقتصادية مغرية)، والترهيب (تسليط « وحش » المعارضة، وتصدير عصا الإرهاب الدولي، او الخطر الأخضر إلى تلك الديار)[1]؛

— اتخاذ هذا الطرف خطوات ضد الأنظمة الدكتاتورية فقط من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية أو سياسية أو سيطرة عسكرية على البلاد، أو لما يتأكد أن النظام الدكتاتوري آيل إلى السقوط حتما تحت تأثير المقاومة الداخلية.

جيم— آلية شراء ذمة الداخل و » الخارج » قصد تحييد الضغوط عليها

فمن البديهي أن الأنظمة الدكتاتورية لا تسمح بإجراء انتخابات حرة من شأنها أن تحدث تغيرات سياسية هامة وجوهرية، فتقوم عندئذ بمنعها بوسائل قمعية (تونس ومصر على سبيل المثال) مع إقرار زعماء هذه البلدان في لقاءاتهم المغلقة مع أقطاب الدول الغربية، أن حصيلتها الحقيقية تكون لصالح المعارضة الفعلية، فتلجأ هذه الأنظمة إلى استخدام عصا « الترغيب والترهيب » في وجه المجتمع الدولي مقابل حصولها على سكوته إن لم يكن على دعمه لدكتاتوريتها. وقد يوافق كرها بعض الحكام الدكتاتوريين على إجراء انتخابات « حرة » إذا وقعوا تحت ضغوطات (داخلية أو خارجية) لكنهم يُعِدّون لها كافة الوسائل للتلاعب بنتائجها مسبقا وعبر كافة مراحل إعدادها، وإيصال بيادقهم إلى مقاليد الحكم، أما إذا أسفرت تلك الانتخابات، عن نتائج لا ترضي صاحب القرار، رغم كل ما قاموا به لمنع حدوثها، فلا يجد بدا من إلغائها وتجاهل نتائجها رغم ما يترتب عن ذلك من دمار ومخاطر جمة كما هو الحال في بورما عام 1990 والجزائر عام 1992، ونيجريا عام 1993 وفلسطين عام 2007.

2— موقف الشعوب، وقابليتها للانصياع لحكم الاستبداد

وفضلا عما تستخدمه هذه السلطة من وسائل مختلفة للبقاء في الحكم، فإن الضحية

(الشعوب المضطهدة) توفر في الكثير من الأحيان أرضية مناسبة لتكريس سيطرة هذه السلطة المستبدة وتدعم بقاءها. كيف ذلك؟ فغالبا ما يأخذ العاملون في الحركات الاجتماعية والسياسية بالحسبان أهمية الحاجة إلى تخطيط كيفية العمل، لكن عادة ما يكون هذا التخطيط تكتيكيا أو محدودا أو على المدى القصير، فهم لا يحاولون أن يشكلوا خطة عمل إستراتيجية عريضة وطويلة الأمد أو لا يرون فيها ضرورة أو قد لا يستطيعون التفكير والتحليل باستخدام هذه المصطلحات أو قد ينحرفون عن هدفهم الأكبر وذلك بالتركيز باستمرار على قضايا صغيرة وهامشية من خلال القيام بردات فعل متكررة لمواجهة الأفعال التي يبدأ بها الخصم.

كما علينا أن ندرك بأن الناس عادة ما لا يحاولون رسم استراتيجيهم لتحقيق أهدافهم لأنهم في أعماقهم لا يؤمنون بأنه من الممكن تحقيقها، إذ يرون أنفسهم ضعفاء وضحايا لا حول لهم ولا قوة لمقاومة القوة العاتية وأن أفضل شيء يقومون به هو الإصرار على الموت وهم مؤمنون أنهم على حق. وتكون نتيجة فشل التخطيط الاستراتيجي إضعاف أو القضاء على فرص النجاح وتبديد القوة وإفقاد الأعمال تأثيرها وتضييع التضحيات بحيث لا تخدم مصالح القضية بشكل جيد.

ومن نتائج عدم صياغة خطة عمل إستراتيجية دقيقة:

– انحراف الطاقة نحو قضايا ثانوية واستخدامها بطريقة غير فعالة؛

– عدم استغلال الفرص التي تؤدي إلى تقدم القضية؛

– مبادرة الخصم هي من تُحدِد سير الأحداث؛

– تزيد من ضعف الطرف المناضل وتؤثر بشكل مصيري على الجهود المبذول من أجل تحقيق الأهداف؛

– تضعف فرص نجاح الجهود المبذولة لتحقيق الأهداف.

في حين يسمح العمل الموجه وفق التخطيط الاستراتيجي من تركيز القوى والجهود للسير في اتجاه محدد نحو تحقيق الهدف المرغوب.

أهمية التخطيط الاستراتيجي في النضال الذي يستخدم أساليب اللاعنف

وكما أن الصراع العسكري الفعال يتطلب وضع استراتيجية وتخطيطا وتطبيقا، فالأمر كذلك بالنسبة للعمل الذي ينتهج سبل اللاعنف حيث أن فعالية هذا العمل تتطلب تخطيطا استراتيجيا سليما يزيد من قوة النضال اللاعنيف. وتكمن الاستراتيجية في تخطيط سير العمل الذي ينقلنا من الحاضر المأزوم إلى المستقبل الذي نرغب الوصول إليه. ومن السذاجة أن يعتقد البعض أن التشديد على الأهداف لفترة طويلة يعني تحقيق هذه الأهداف، كما يفترض البعض أن الإخلاص للمبادئ والقيم والتمسك بها في وجه التقلبات والأزمات يعني بذل أقصى الجهد من اجل تحقيقها، فذلك مجرد تمني، وغير كاف لإحداث تغيير في الوضع القائم وتحقيق الأهداف المرغوب تحقيقها.

صياغة استراتيجية حكيمة

يشترط المختصون في مجال التغيير اللاعنيف أن يتميز اختيار الاستراتيجية الحكيمة بما يلي:

– فهما دقيقا وكاملا لمحتوى النضال؛

– معرفة طبيعة الاختلاف بين ما هو الوضع عليه الآن والوضع المرغوب في الوصول إليه؛

– تقييم العوائق التي تقف دون الوصول إلى الأهداف والعناصر التي تسهل مهمة تحقيق الأهداف؛

– تقييم نقط القوة ونقط الضعف لدى الخصم؛

– صياغة خطة شاملة للعمل تقرر الخطط الأصغر (التكتيكية) والطرق المحددة للعمل من أجل تحقيق الهدف الرئيسي.

ويحدد المختصون للتخطيط والعمل مستويات مختلفة، حيث تحتل الاستراتيجية العظمى أعلى مستوى، ثم تأتي الاستراتيجية نفسها، فالتكتيك ثم الأساليب. ويقصد بالأساليب، وسائل العمل المحددة ضمن تقنية النضال اللاعنيف، وتشتمل على عشرات النماذج من العمل المحدد مثل أنواع الإضرابات والمقاطعة واللاتعاون السياسي وغيرها.

بعض العناصر الأساسية للنضال اللاعنيف

يمكن في نهاية المطاف تلخيص النضال اللاعنيف في تقنية مبنية على تطبيق اجتماعي واقتصادي وسياسي للعناد البشري الأساسي، أي الإصرار والقدرة على المعارضة ورفض التعاون والتحدي والإعاقة، بما معناه أن يرفض الناس القيام بالأشياء المطلوب منهم القيام بها والقيام بأشياء ممنوعون القيام بها، مثل الاحتجاجات والتعبير عن رفضهم بطرق سلمية وذلك دون الانجرار نحو ممارسات العنف، مهما كانت الظروف.

ومن المعلوم أن جميع الحكومات تعتمد على التعاون والطاعة لكي تبقى في الحكم، وعندما يرفض الناس التعاون معها، فإنها تخسر جميع الركائز التي تسندها. وقد تم تطبيق النضال اللاعنيف في عدة أشكال من الصراعات المختلفة عبر التاريخ البشري لمقاومة القمع وتقويض الدكتاتوريات ومقاومة الاحتلال الأجنبي والدفاع عن الأقليات المعزولة ومن أجل زيادة الحرية. وإذا كانت هذه الأشكال من النضال في الماضي، نتيجة البداهة إلى درجة كبيرة وقدر من الارتجال، وإذا كان القليل جدا منها فقط عمل وفق خطط استراتيجية عظمى تحكم تطور وتوجيه النضال ككل، فإن الأمر الآن، حسب ما انتهت إليه دراسة السيد جين شارب، مغاير بالنسبة للجماعات التي تتبنى النضال اللاعنيف، التي لا بد لها إذا ما أرادت تحقيق النجاح والتوصل إلى أهدافها أن تمر عبر المستويات المذكورة أعلاه.


العمليات الإرهابية التي شهدتها باريس سنة 1995 كتفجيرات مترو باريس وغيرها، كأداة لإرغام الحكم الفرنسي على دعم جنرالات الجزائر وعدم مساندة أي بديل سياسي سلمي، من قبيل العقد الوطني في روما.[1

Note de l’auteur :cette contribution fera partie d’un ouvrage collectif, qui sera prochainement publié.


Nombre de lectures : 2191
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • ahmed
    15 mars 2010 at 17 h 14 min - Reply

    voir revolution tranquille -Quebec pour vous inspirer




    0
  • zapata
    16 mars 2010 at 12 h 50 min - Reply

    500 milles de cas de shizophrènie en algèrie alors ceux qui connaissent très bien c’est quoi la psycologie peuvent très bien immaginner un sènario de quèl catègorie d ‘hommes l’algèrie est gouvèrnè




    0
  • Congrès du Changement Démocratique