Édition du
26 July 2017

إبراهيم مزهودي

تحية إلى الأستاذ إبراهيم مزهودي في مثواه الأخير…

الخبر 02 ابريل 2010

منذ أسابيع غادرنا الأستاذ إبراهيم مزهودي إلى مثواه الأخير لاحقا بجوار ربه راضيا مرضيا فرحا باللقاء الأبدي لربه. وبالتأكيد أنه مسرور بهذا اللقاء الأبدي. لقد كان المرحوم مؤمنا عميق الإيمان، صادقا مخلصا في إيمانه، لا تأخذه في هذا الإيمان لومة لائم، لا يخشى أحدا إلا ربه. كان أحد أعمدة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. مؤمنا برسالتها مناضلا صارما من أجلها، وفيا أشد الوفاء لمبادئها. كانت الجمعية، منذ نشأتها جزائرية وطنية خالصة، نابعة متأصلة من الجزائر العميقة. من عقيدتها الصافية من تاريخها البعيد، ومن أجل حاجات الجزائر إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، والنهوض به من الكبوة التي ألحقها به الاستعمار الفرنسي ودفعه إلى النضال من أجل حريته واستقلاله واكتساب حقه في الحياة الحرة الكريمة. لم تكن الجمعية في مبادئها وبرامجها وعملها خاضعة لأي تأثير خارجي. حقيقة أنها كانت منخرطة في الحركة الإصلاحية المنبعثة في المشرق العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كانت الجمعية مستقلة متميزة. لم يكن عملها نظريا بحتا. كان عملا ميدانيا. الخطوط الكبرى لها حددها العلامة رائد النهضة الإمام (عبد الحميد بن باديس) بفكره المستنير العصري العقلاني الإنساني المشع. مستلهما الفكر العربي ـ الإسلامي في عهوده مزدهرة مشرقا ومغربا، متفتحا على قضايا العصر وأفكاره من غير عقدة ولا تقليد. كان الأستاذ إبراهيم مزهودي وفيا لهذا الخط ملتزما به لا يفرط فيه ولا يتخلف عن القيام بواجبه تجاهه منذ أن تبناه شابا إلى أن جان أجله. عرفناه مفتشا للتعليم الذي أنشأته جمعية العلماء شابا يتقد حيوية ونشاط في لباسه العصري دون طربوش ولا عباءة أو عمامة من تلك العمائم التي كان رجال الجمعية يضعونها على رؤوسهم. وكان في طبعه وسلوكه وصلابة رأيه وعقيدته ووطنيته أقرب إلى الشيخ العلامة (العربي التبسي)، تتلمذ عليه وتشبع بروحه وعلمه، وثقافته. بقي وفيا لمعلمه ومربيه حتى الممات.
أما العظيم (زيغود يوسف). فتعلم منه السمو والتضحية ونكران الذات والتواضع، تواضع الكبار وليس تواضع الرياء والنفاق. عين في مجلس الثورة. هذا المجلس الذي قادها إلى الانتصار وحماها من الهزات. رغم هذا المنصب السامي الذي أهلته له الثورة لم يغتر ولم تحدثه نفسه. بقي محتفظا بتوازنه وطبعه وتواضعه مع عزة نفس. بعيدا عن المناورات والتكلات والفتن، والبحث عن السلطة، رغم الأزمات التي اصطدمت بها الثورة في مسيرتها الصعبة التي كان يعرف أسبابها ودوافعها وخباياها واكتوى بها، فإن صدقه وإخلاصه جعله ينأى عن الخوض فيها. بقي بعيدا عن أزمة (1962) التي تطاحنت فيها التكتلات والمصالح والصراع على السلطة.
في الاستقلال حافظ الأستاذ إبراهيم مزهودي على استقلالية رأيه وعلى نزاهته وتعففه وابتعاده عن الأطماع السلطوية والمادية. كان عضوا في المجلس التأسيسي الذي كانت أغلبيته من إطارات الثورة، كان في اللجنة التي تعد دستور الجزائر المستقلة.
اختلف مع الرئيس (أحمد بن بلة) على الطريقة التي أعد بها الدستور خارج اللجنة المعنية متجاوزا سلطة المجلس. وهي الطريقة التي دفعت الرئيس (فرحات عباس) إلى الاستقالة من رئاسة المجلس. أدخله الرئيس (بن بلة) السجن بطريقة فجة. تحررت الجزائر من الاستعمار، ولكنها لم تتحرر من الصراعات الحزبية التي تجاوزتها الثورة. ورغم أن الثورة جاءت بجيوش من المجاهدين لم تكن لهم علاقة بتلك الأحزاب، ولا بالصراعات فيما بينها. فهذه العقدة وغيرها من العقد أدخلت الجزائر المستقلة في نفق مظلم من المكائد وشتى أنواع الإقصاء وعدم تقبل الرأي الآخر. الأمر الذي طبع السياسة وطريقة الحكم نظاما وممارسة. وهو المرض إلى لم تشف منه الجزائر إلى اليوم وحتى الساعة الحاضرة. بعد خروجه من السجن توجه إلى التعليم، ترأس إدارة الشؤون الثقافية حينما كانت تابعة لوزارة التربية. شغل منصب سفير في القاهرة، وكان على خلاف مع وزير الخارجية آنذاك، الرئيس الحالي السيد عبد العزيز بوتفليقة. عند التقاعد توجه لإلقاء الدروس العامة في (مسجد الرحمة). عند بروز الفتن التي أثارتها التيارات الدينية المتطرفة والتي لم يكن لا موافقا ولا متعاطفا معها، اختار الإقامة في قرية (يوكوس) منعزلا بعيدا عن القيل والقال وثقافة الدس والنميمة. رفض الأستاذ إبراهيم مزهودي أن يأخذ منحة من تلك المنح التي تقاضاها مجاهدون ومناضلون شاركوا في الثورة. رفض أن يأخذ منزلا من تلك المنازل الفاخرة التي تركها المعمرون واكتفى بشقة عادية في شارع محمد الخامس تأويه وعائلته. عاش على منحة التقاعد التي كان يتقاضاها من وزارة التربية. في نهاية القرن الماضي، وبعد الإلحاح من بعض أصدقائه قبل أن يأخذ منحة التقاعد على عضويته في المجلس التأسيسي. بقي الأستاذ مزهودي محافظا على صفاء ذهنه ووضوح أفكاره وتحاليله حول أوضاع الجزائر حتى آخر عمره.
رحم الله الأستاذ إبراهيم عالما ومجاهدا في سبيل الله وحرية الوطن وعزة الجزائر وكرامة شعبها..


Nombre de lectures : 3693
3 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Yacine
    2 avril 2010 at 10 h 59 min - Reply

    « . كانت الجمعية مستقلة متميزة. لم يكن عملها نظريا بحتا. كان عملا ميدانيا. الخطوط الكبرى لها حددها العلامة رائد النهضة الإمام (عبد الحميد بن باديس) بفكره المستنير العصري العقلاني الإنساني المشع. مستلهما الفكر العربي ـ الإسلامي في عهوده مزدهرة مشرقا ومغربا، متفتحا على قضايا العصر وأفكاره من غير عقدة ولا تقليد. كان الأستاذ إبراهيم مزهودي وفيا لهذا الخط ملتزما به لا يفرط فيه ولا يتخلف عن القيام بواجبه تجاهه منذ أن تبناه شابا إلى أن جان أجله. »

    « عند بروز الفتن التي أثارتها التيارات الدينية المتطرفة والتي لم يكن لا موافقا ولا متعاطفا معها، اختار الإقامة في قرية (يوكوس) منعزلا بعيدا عن القيل والقال وثقافة الدس والنميمة. »

    إنا لله و إنا إليه راجعون. تغمده الله برحمته و أسكنه فسيح جنانه. إنها نفس مطمئنة إلتقت بربها طاهرة مطهرة. هكذا يفنى العظماء حياتهم أوفياء لمبادئهم ولوطنهم لا يبدلونهم بثمن بخس. لا يفتنون و لا يفتتنون. قلوبنا مع المرحوم. و مع كل المخلصين لهذا الوطن. و من نعم الله عليه أن كفاه الله سبحانه و تعالى شر حضور الرئيس أو كبار المسؤلين لتشييع جنازته.




    0
  • Yacine
    2 avril 2010 at 11 h 24 min - Reply

    « . كانت الجمعية مستقلة متميزة. لم يكن عملها نظريا بحتا. كان عملا ميدانيا. الخطوط الكبرى لها حددها العلامة رائد النهضة الإمام (عبد الحميد بن باديس) بفكره المستنير العصري العقلاني الإنساني المشع. مستلهما الفكر العربي ـ الإسلامي في عهوده مزدهرة مشرقا ومغربا، متفتحا على قضايا العصر وأفكاره من غير عقدة ولا تقليد. كان الأستاذ إبراهيم مزهودي وفيا لهذا الخط ملتزما به لا يفرط فيه ولا يتخلف عن القيام بواجبه تجاهه منذ أن تبناه شابا إلى أن جان أجله. »

    « عند بروز الفتن التي أثارتها التيارات الدينية المتطرفة والتي لم يكن لا موافقا ولا متعاطفا معها، اختار الإقامة في قرية (يوكوس) منعزلا بعيدا عن القيل والقال وثقافة الدس والنميمة. »

    إنا لله و إنا إليه راجعون. تغمده الله برحمته و أسكنه فسيح جنانه. إنها نفس مطمئنة إلتقت بربها طاهرة مطهرة. هكذا يفنى العظماء حياتهم أوفياء لمبادئهم ولوطنهم لا يبدلونهم بثمن بخس. لا يفتنون و وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. قلوبنا مع المرحوم و مع كل المخلصين لهذا الوطن. و من نعم الله عليه أن كفاه الله سبحانه و تعالى شر حضور الرئيس أو كبار المسؤلين لتشييع جنازته.




    0
  • mezhoudi nour elhouda
    19 avril 2016 at 13 h 40 min - Reply

    بسم الله الرحمن الرحيم . انا ابنة اخت المجاهد العالم و السفير السابق و رجل الدين .ابراهيم مزهودي ، خالي كان نعمة الرجال في حب فعل الخير للجميع ،و في حب وطنه لانه تربى في وسط علماء اجلاء امثال الشيخ البشير الابراهيمي و الشيخ العربي التبسي و القاءمة طويلة جدا . رحمه الله و رحم كل بطل خدم وطنه و لم يخنه ابدا




    0
  • Congrès du Changement Démocratique