Édition du
23 July 2017

الجزائر: حرية التعبير امام امتحان صعب

خضير بوقايلة

القدس العربي 04 افريل 2010


لعل الجزائر هي البلد الوحيد الذي تسبق فيه الحكومة والسلطات العمومية الصحافيين في الاحتفال بعيدهم اليوم العالمي لحرية التعبير. وإمعانا في الاحتفاء بهذا اليوم يتسابق البرلمان والوزراء وأحزاب السلطة إلى دق الطبول وإشعال الشموع يومين قبل الموعد ويستمر الحفل يوما آخر بعده حتى صار للإعلاميين الجزائريين أيام بدل يوم واحد لحرية التعبير.
خلال هذه الاحتفالات يكرم عدد من الصحافيين وتوضع أكاليل الزهور على نصب تذكاري أقامته السلطات أيضا تخليدا لذكرى الإعلاميين الذين سقطوا قربانا للحرب الدموية التي عرفتها الجزائر خلال عشرية التسعينات (بعضهم يسميها عشرية سوداء والبعض الآخر يفضل أن ينعتها بالعشرية الحمراء)، وفي الذكرى أيضا يتفنن المسؤولون في التغني بمآثر الصحافة الجزائرية وما حققته من تقدم ورقي وازدهار مقارنة بنظيراتها هنا وهناك.
الوحيد الذي خالف القاعدة هذا العام كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي فضل أن يغيب عن المناسبة، لسنا ندري إن كان قد نسي موعد حلول الذكرى أم أنه عاد إلى عادته القديمة بإدارة ظهره للعائلة الصحافية التي نعتها في أوائل أيام حكمه بـ(طيابات الحمام) أي النساء الثرثارات في الحمّامات الشعبية. وقد كان بإمكان مستشاري فخامته أن ينصحوه بإعادة كتابة نفس الرسالة التي وجهها العام الماضي للأسرة الإعلامية، فهي تحمل عبارات جميلة ووعودا لم تتحقق بعد، وللقارئ الكريم أن يحكم بنفسه بعد أن يفرغ من قراءة هذا الجزء الصغير من الرسالة الطويلة التي جاء فيها على لسان الرئيس بوتفليقة ما يلي: (وأود بهذه المناسبة أن أؤكد للأسرة الإعلامية والصحافية أن حرية الصحافة هي ركن حصين في مشروعنا الديمقراطي وستحظى بالاحترام التام والدعم المتواصل وستعمل الدولة بحرص كبير على تسهيل ممارسة وتطوير المهنة وترقية أداء مختلف المؤسسات الإعلامية المكتوبة والسمعية البصرية سواء في وضع نصوص تشريعية تراعي التطور الذي فرضته ثورة الإعلام والاتصالات الجديدة أو دعم المناهج الجديدة في مجال التكوين وتحسين الخدمات.
لقد تعهدت في البرنامج الذي تقدمت به إلى الشعب الجزائري خلال الحملة الانتخابية وإلى العائلة الصحافية بأنني سأبادر إلى مراجعة قانون الإعلام الذي صار بحاجة إلى تكييف مع المستجدات على ضوء ما استفادت الجزائر من التجارب التي تعزز حرية الصحافة ضمن المعايير المهنية والمنطق الاقتصادي وحاجة المجتمع إلى إعلام يؤمن له الحق في المعرفة والتواصل.
وأغتنم هذه السانحة لأدعو الحكومة والأطراف ذات الصلة إلى بحث معمق حول الأحكام القانونية الكفيلة بالارتقاء بالصحافة إلى مستويات أعلى من الأداء المهني المطلوب. ولا شك في أن معالجة التشريع الإعلامي من شأنها أن تشكل منطلقا لوضع سياسة اتصال وطنية تضمن الانسجام والمرونة بين مختلف القطاعات الحيوية في المجتمع). كلام جميل، أليس كذلك!
وبمناسبة الحديث عن قانون الإعلام، لا بد من التنويه إلى أن الجزائر توقفت عن العمل بكثير من مواد قانون الإعلام الصادر في بداية عهد التعددية السياسية والإعلامية في الجزائر ابتداء من سنة 1989، وقد كانت تلك فترة سرعان ما أغلق قوسها. وقد بدا ضروريا إصدار قانون جديد للإعلام يواكب التطورات التي عرفتها المنظومة التشريعية والسياسية للبلد، ولم يتوان وزراء الإعلام المتعاقبون على المنصب منذ أزيد من عشر سنوات على التأكيد للصحافيين أن الحكومة قررت وضع قانون جديد للمهنة يساهم في إعداده الصحافيون والسلطات العمومية جنبا إلى جنب، وقد عقدت عشرات اللقاءات والمؤتمرات لهذا الغرض والنتيجة هي نفسها، مزيد من الوعود آخرها وعد كاتب الدولة للاتصال قبل أقل من أسبوع جدد فيه النية والعزم على إعداد هذا القانون الوهم، وكم من أوهام في الجزائر!
الوزير الأول أحمد أويحيى بعث إلى الأسرة الإعلامية رسالة تشع هي الأخرى بعبارات الود والفخر والامتنان للصحافة الوطنية وقال من بين ما قال (‘يحق لنا بأن نفخر بالأشواط التي قطعها القطاع، فبعد عشرين سنة من التعددية أصبحت البلاد تزخر بـ320 عنوانا منها 80 يومية يزاول فيها 4200 صحافي مهنتهم بها، كما استطاعت عناوين إنشاء مطابعها الخاصة واستثمار البعض أموالها في مجال تخصصها). أما وزير الدولة والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم عبد العزيز بلخادم فقد أعلن تضامنه مع مطلب الإعلاميين الداعي إلى تعديل قانون العقوبات القاضي بحبس الصحافيين، وأوضح أنه مع قانون يمنع حبس الصحافيين، علما أن قانون حبس الصحافيين صدر في عهد فخامة الرئيس بوتفليقة وقد أبلى نواب حزبي بلخادم وأويحيى بلاء حسنا من أجل تمريره في البرلمان، ولا أدري الآن لماذا تحاول أحزاب الائتلاف الحاكم الحديث عن مراجعة القانون بعد كل ما فعلته من أجل سنه.
بلخادم أبدع هذه السنة بدعوته الإعلاميين الجزائريين إلى (أن يكونوا صوت الجزائر في التصدي لكل الذين يحاولون المس بثوابتنا ورموزنا ويحلمون بواقع تجاوزه الزمن). مهمة جديدة أنيطت بالإعلام الجزائري منذ أن قرر أولو الأمر أن يخوضوا حربا دونكيشوتية ضد فرنسا على خلفية جرائم الاستعمار وبعدها تصريحات وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير التي حمّل فيها جيل ثورة التحرير الحاكم في الجزائر مسؤولية تدهور العلاقات بين فرنسا ومستعمرتها القديمة. ولا ننهي الحديث عن المعارك الإعلامية الجزائرية على الجبهة الخارجية دون الوقوف عند معركتي القاهرة وأم درمان وما تلاهما من معارك بين جهابذة الجزائر والقاهرة لا تزال ارتداداتها مستمرة إلى الآن على خلفية تصفيات نهائيات كأس العالم 2010. معركة رأى إعلاميون جزائريون أنها لم تكن متكافئة بحكم أن المصريين كانوا يخوضون الحرب بفضائياتهم الكثيرة بينما كان الجزائريون يردون أو يهاجمون بالأسلحة الخفيفة متمثلة في الصحف التي لا يقرأها عادة إلا الجزائريون.
وكانت تلك فرصة للإعلاميين الجزائريين لإقناع حكامهم أن فتح المجال السمعي البصري بات ضرورة ملحة للتصدي للمصريين ولغيرهم من أعداء الأمة الخارجيين. حجة مقبولة لكي تقرر السلطات الجزائرية فتح الإعلام السمعي البصري أمام المستثمرين الخواص، لولا أن حكام الجزائر لا تفوتهم مثل هذه الحيلة، فغلق المجال السمعي البصري كان قرارا استراتيجيا لا يمكن التراجع عنه ولو كان العالم كله يحارب الجزائر. ولم يمر عيد هذا العام لحرية التعبير ليذكر بعض الإعلاميين بالحرب الإعلامية ضد المصريين ويعلنوا أسفهم على كون الجزائر تفتقد إلى تلفزيونات أو فضائيات خاصة تخوض بها الحرب ضد فضائيات مصر، وكأن هؤلاء لم يصدقوا بعد أن النظام الحاكم في بلدهم لا تهمه مصلحة البلد بقدر ما تهمه مصلحته الخاصة وضرورة بقائه في الحكم وهو يعتقد أن تحرير القطاع السمعي البصري من شأنه أن يشكل تهديدا وخطرا ماحقا له، فلماذا المغامرة وفتح باب جهنم على نفسه؟! نظرة ضيقة للنظام قابلتها نظرة ضيقة للذين يدعون النضال من أجل حرية التعبير والكلمة، وبئسها حرية إذا كان الهدف منها خوض حرب على شاكلة المهازل التي عشناها ولا نزال بين شعبين يعانيان الفقر والاضطهاد والبؤس والتسلط. مشاكل المواطن الجزائري مع الفقر والتخلف والجهل والتعصب والتسلط أخطر من كل التهديدات الخارجية التي تحيط به، وخوض الحرب على هذه المشاكل هو الذي يستدعي من كل مناضل من أجل حرية الكلمة أن يعمل ويضغط من أجل تحرير قطاع الإعلام السمعي البصري وترقية الصحافة المكتوبة إلى مستوى العمل الإعلامي المهني النظيف.
الرئيس بوتفليقة أكد في عدة مناسبات أنه غير مستعد لفتح المجال السمعي البصري، كلامه صريح وواضح ولا يحمل أي نفاق من مثل ذلك الذي يردده بعض وزرائه بقولهم إن ذلك سيأتي في وقت لاحق، وبما أنه كلام منافق فإنهم لا يستطيعون تحديد أجل لذلك ولا حتى العمل في سبيل تحقيق هذا الهدف، وقد قيل لي يوما إن وزيرا للاتصال أقيل من منصبه لأنه قال كلاما غير مستساغ بخصوص هذا الموضوع.
بوتفليقة حاكم عربي أصيل، لا تخيفه الضغوط الدولية ولا يحسب أي حساب لشعبه لأنه يدرك تماما أنه لن يستطيع فعل شيء ضده ما عدا الكلام وبعض الحركات اليائسة. وهذا هو قدر الجزائر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. كل العالم تغير إلا الجزائر.


Nombre de lectures : 1251
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • ali
    7 mai 2010 at 16 h 32 min - Reply

    قال تعالى: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
    صدق الله العضيم




    0
  • Congrès du Changement Démocratique