Édition du
30 March 2017

شهادة عن محمد مـزالي

محمد كريشـــــان

القدس العربي 30 جوان 2010
تونس ذات يوم من صيف عام 1977، عــنّ لتلميذ يافع أن يكتب رسالة شخصية إلى وزير التربية والتعليم بعد حصوله على الثانوية العامة بامتياز محتلا المرتبة الثانية وطنيا. لم يفكر هذا الشاب الذي بالكاد بلغ الثامنة عشرة من العمر فيما إذا كان من المناسب أن يفعل ذلك، وما إذا كانت رسالته ستصل الوزير أصلا، وإن وصلته ما إذا كان سيقرأها فعلا أو يعيرها أي اهتمام. لم يفكر هذا الشاب أيضا، وقد سيطرت عليه هذه الفكرة بقوة، فيما إذا كان الوزير، أي وزير، سيتفاعل مع ما خطه شاب مراهق في لحظة انفعال ترك فيها لعواطفه وأشواقه وأمانيه أن تسرح على طول ثلاث أو أربع صفحات.

هذا الشاب لم يكن سوى كاتب هذه السطور، أما الوزير فكان محمد مزالي، رئيس الحكومة التونسية في عهد الرئيس الراحل الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي انتقل إلى جوار ربه الأسبوع الماضي. أما الرسالة، التي ما زلت أحتفظ بها إلى الآن، فكانت عبارة عن صرخة احتجاج عاطفية من تلميذ كان يريد دراسة القانون باللغة العربية في الجامعة فإذا به يصطدم أنها ما زالت تدرّس في بلاده باللغة الفرنسية بعد أكثر من عشرين عاما على استقلالها. لم تمض أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام حتى وصلتني برقية من سطر واحـــــد ‘ الرجاء الحضور إلى مكتبي يوم الأربعاء الخامسة بعد الظهر/ التوقيع محمد مزالي’.

رقصت طربا وأنا لا أصدق أن الوزير قرأ رسالتي ويريد أن يراني. ذهبت من مدينتي صفاقس إلى العاصمة التونسية في الموعد. كانت الوزارة شبه خالية فالدوام في شهر تموز/ يوليو صباحي فقط مع شهر آب/اغسطس أيضا على عكس أشهر السنة الأخرى في تونس. استقبلني الرجل في مكتبه مشيدا بحميتي لهوية تونس العربية ولغتها الوطنية. تحدث مطولا عن جهوده لتعريب التعليم في البلاد قائلا إنه يحتاج لبعض الصبر وأن أنصار لغة المستعمر السابق ما زالوا أقوياء ونافذين. أضاف أيضا أنه مثلما درست أنا الفلسفة في الثانوية العامة في ذلك العام باللغة العربية لأول مرة بعد أن كانت بالفرنسية سيأتي في القريب اليوم الذي يدرس فيه كل التونسيين القانون وغيره باللغة العربية كذلك. وما زلت أذكر إلى الآن كيف أنه كتب على كتب الفلسفة عامــــها ‘هدية من العراق إلى الشعب التونسي الشقيق’ حيث كانت تونس وقتها تحتاج إلى مساعدة من الأشقاء حتى تكون بعض المناهج الدراسية جاهزة في الوقت اللازم بعد تعريبها. في نهاية اللقاء كتب أعلى الرسالة ‘بعثة إلى العراق’ ثم قال إنه قرر إرسالي إلى بغداد لدراسة القانون هناك باللغة العربية مستفيدا من اتفاق عراقي تونسي وقع قبل أيام فقط ويتمتع بموجبه المبتعثون بمنحتين ماليتين في الشهر، واحدة من تونــــس والأخرى من العراق. ولم ينس في خضم حديثه ذاك أن يوصيني، بنبرة الوالد الحنون، بأن أظل مجتهدا في بغداد وأن لا تأخذني غوايات السياسة والتزاماتها النضالية هناك، في عز المد البعثي، إلى أبعد مما يجب.

ذهابي إلى العراق وعدم البقاء فيه إلاّ لأيام والعودة إلى تونس لدراسة الإعلام قصة أخرى قد لا تهم أحدا، أما ما كتبته اليوم فلا يعدو كونه شهادة شخصية بسيطة للتاريخ على مدى التزام الوزير الراحل بقضية التعريب وضرورة تمتين انتماء تونس لهويتها العربية الاسلامية دون مغالاة أو تعصب.

وحين تخرجت من الجامعة عام 1981، كان وزير التربية قد صار رئيسا للحكومة، أو وزيرا أول، كما يقولون في تونس. ومع بداية عهده كانت بداياتي مع بعض الصحف المستقلة أو المعارضة في تونس. ورغم كل ما حدث وقتها من تضييق على الصحف من حجز أو تعطيل أو غرامات مالية، إلا أن كثيرين الآن لا يذكرون تلك السنوات إلا بكثير من الحنين، بل ويعتبرونها العصر الذهبي لحرية الصحافة في البلاد الذي لم يتكرر، حتى أن الرجل نفسه كان مادة دائمة لرسوم كاريكاتورية ساخرة في أكثر من جريدة. وتلك قصة أخرى قد نعود إليها يوما ما.


Nombre de lectures : 1599
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique