Édition du
28 July 2017

وان تو ثري.. أوفا لالجيري'؟

القدس العربي 30 جوان 2010
خضير بوقايلة
أستسمح القارئ الكريم أولا في إقحام هذا العنوان الأعجمي، فالمناسبة صيف والعالم كله متوجه لمتابعة آخر مراحل مونديال جنوب إفريقيا فضلا عن أن أذن القارئ العربي صارت متعودة على سماع مثل هذه الكلمات منذ أن اقتطع المنتخب الجزائري لكرة القدم تأشيرة المشاركة في نهائيات كأس العالم مع كل ما رافق ذلك من شحناء وحماس تجاوز الحدود الرياضية.
منذ تأهل الجزائر إلى المونديال قبل حوالي ثمانية أشهر والبلد يصدح ويترنح على وقع ترنيمة (وان تو ثري فيفا لالجيري) ومعناها لمن لم يفهمها بعد وعلى الأقل كما أفهمها أنا (واحد، اثنين، ثلاثة.. تحيا الجزائر)، كل الجزائر صارت تهتز على هذا الإيقاع ولم يبق أحد من كبير القوم إلى صغيرهم إلا ووجد نفسه محشورا في زاوية الرياضة وكرة القدم تحديدا، ولا أحد يمكنه أن يلوم أحدا في هذه الحالة لأن تأهل الفريق الوطني للعرس العالمي جاء بعد غياب قسري للجزائر عن مختلف المنافسات القارية والعالمية الكروية استمر أزيد من عقدين من الزمن، إضافة إلى أن البلد كان يفتقر إلى أي شيء يبعث فيه الفخر والاعتزاز، لا شيء يزرع الابتسامة في وجه الجزائري، البلد في ذيل ترتيب قوائم الإنجازات والتنمية وفي صدارة قوائم الفساد والفشل الاقتصادي والثقافي والسياسي. فكانت مناسبة التأهل إلى كأس العالم فرصة سانحة للجميع ليتعلق بقشة الأمل التي حملها أشبال المدرب القدير المقتدر رابح سعدان. الجزائري يعاني القهر والظلم والفساد ومؤشرات البطالة واليأس والجهل قياسية، ومع ذلك قرر الجميع حكاما ومحكومين إيقاف كل شيء وضبط عقارب الساعة على توقيت المونديال والمشاركة الجزائرية فيه، ونحمد الله أن العرب جميعهم لم يفعلوا ذلك تحت عنوان التضامن مع الممثل العربي الوحيد في جنوب إفريقيا. مشاريع الدولة والنشاطات الحكومية وضعت في الثلاجة وتحول كل الناس من مجرد مشجعين ومناصرين لفريقهم الوطني إلى مدربين وعلماء وخبراء في فنون كرة القدم حتى بدت للناس كأس العالم أقرب إلى الخضر منها إلى البرازيل وألمانيا. حتى فخامة الرئيس اهتز لانتصار الخضر ولم يخف ارتياحه وإعجابه بهؤلاء الشباب الذين نجحوا في توحيد الجزائريين على قلب رجل واحد وفي زرع ابتسامة الأمل في وجوههم البائسة، فكان ذلك دافعا للتفكير في استثمار هذه الموجة العارمة من الفرح لتحقيق مزيد من التقدم والرفاهية للجزائريين، ووصل الأمر بفخامته إلى الدعوة إلى عقد اجتماع وزاري (وما أقلها في هذه الفترة) خصص لدراسة الظاهرة واعتماد خطة أو استراتيجية وطنية لدفع عجلة التنمية في الجزائر تكون الرياضة أو كرة القدم بالتحديد قوامها الأساسي، وبدأت المليارات تتدفق على صانعي الأحلام والمبدعين في ملاعبة الساحرة المستديرة ومداعبة ودغدغة مشاعر الملايين، كل وسائل وإمكانات الدولة المادية والمعنوية مسخرة لحبيب الجماهير محمد روراوة ومن رضي عنه من المدربين واللاعبين والمنتفعين المحظوظين المتسللين من هنا وهناك، وهم الآن يبذلون جهودا مضاعفة لإقناع العالم أن المغامرة يجب أن تستمر وأن اليأس أو التراجع عن هذه الاستراتيجية أمران ممنوعان بعد اليوم وأن الخروج المبكر للمنتخب الوطني الجزائري من المونديال ليس نهاية العالم بل هو فقط محطة ولا بد للقطار أن يواصل المسير، لا، بل هناك من يجتهد لإفهام الناس أن النتائج التي سجلها الخضر في المباريات الثلاث هي نتائج بطولية وأن هناك فرقا بين الخسارة والانهزام وبين أن تكون فائزا وأنت منهزم وأن تكون رابحا وأنت خاسر، ثم يواصل الخبراء في حماقاتهم ليجبروا الناس على التسليم بأن الانسحاب السريع من مونديال الأحلام إنما هو خير للجزائر والجزائريين وأن أشبال رابح سعدان فعلوا حسنا عندما فضلوا التوقف في المحطة الأولى لأن الجزائر ستخسر كثيرا لو أنها تأهلت إلى الأدوار التالية وربما سيكون فوزها بكأس العالم كارثة وطنية، فلنحمد الله إذن ولنشكر غزال وزملاءه على أنهم عرفوا متى ينتصرون ومتى ينهزمون ولا بد أن نهنئهم على انسحابهم في الوقت المحدد والذي فيه مصلحة البلد، فقد لعبوا ثلاث مباريات وغادروا كما غادر الكبار، وبلغة الواقع الذي تعلمناه من الخبراء فإن الفريق الجزائري صار الآن في مرتبة أبطال العالم أو على الأقل اثنين منهم، فمنتخبا إيطاليا وفرنسا هما الآخران خرجا من اللعبة كما خرجنا نحن، لكن خبراءنا لا يزيدون على ذلك أن في سجل هذين البلدين كأس عالم واحدة على الأقل فضلا عن مشاركات عديدة في أدوار متقدمة.
ليست في مقالتي هذه ذرة من الشماتة في مغادرة المنتخب الجزائري لجنوب إفريقيا بعد أن قدم الحد الأدنى من العمل الموكل إليه، مع أنني وقفت جادا يوم انهزام الخضر أمام فريق الولايات المتحدة أتساءل هل ما نراه هو مغادرة للفريق الجزائري أم خروج ثان لفريق فرنسا من المونديال. راودني هذا التساؤل وأنا أستمع إلى كل لاعبي المنتخب الجزائري الذين تداولوا على ميكروفون الجزيرة الرياضية وهم يتحدثون باللغة الفرنسية، وأنا أعلم أن التحدث باللغة الفرنسية في الجزائر ليس محرما ولا عيبا ولا جديدا، فهو ما يفعله عادة كبير القوم ومن وراءه عندما يخاطبون الجزائريين، فلماذا إذن نعيب على اللاعبين أن يخاطبوا قومهم بغير اللغة العربية؟ لست أدري لماذا فكرت في مثل هذا الأمر وقتها ولا أريد أن أستمر في إثارة هذا الموضوع لأن ذلك من شأنه أن يجرني إلى طرح تساؤلات أخرى لست مؤهلا للخوض فيها على غرار لماذا قرر المشرفون على وزارة المنتخب الجزائري لكرة القدم تشكيل فريق كامل من لاعبين يلعبون خارج النوادي الجزائرية المحلية، قد يقول قائل إن هذا هو ما يفعله كثير من المدربين وإن كل المنتخبات القوية والقادرة إنما تستمد قوتها من لاعبين ينشطون في النوادي المعروفة عالميا ولا عقدة في أن يكون اللاعب مسجلا في ناد محلي أو أجنبي إنما المهم أن يكون يحمل جنسية بلده، هذا كلام صحيح فعلا لولا أن هناك فرقا بين لاعب بدأ اللعب في نواد محلية ثم انتقل إلى الخارج بحكم مهاراته وبين لاعب ولد في بلد أجنبي وتدرب وبرز في نوادي ذلك البلد ثم استدعي للعب مع منتخب البلد الذي ولد فيه أبواه أحدهما أو كلاهما، بل قد تستغربون كما استغربت عندما تسمعون أو تقرأون أن عددا من اللاعبين الذين رفعوا راية الجزائر خفاقة في سماء جنوب إفريقيا لم يزوروا في حياتهم الجزائر أو أن أحد اللاعبين الأساسيين في منتخب محاربي الصحراء لم يحصل على جواز سفر جزائري إلا قبل أسابيع من إعلان ضمه إلى التشكيلة وقد صرح بذلك بنفسه وشكر السلطات القنصلية الجزائرية في البلد الذي يقيم فيه لأنها سلمته جوازه الجديد في مدة قياسية يقولون إنها لم تتجاوز خمس دقائق.
مرة أخرى أذكر القارئ الكريم صادقا أنني لست شامتا في خسارة (أو فوز!) المنتخب الجزائري لكرة القدم في مونديال 2010، بل إنني أصلا لم أكن لأحشر أنفي في قضية ليست من صميم تخصصي ولا أهتم بها إلا كما يفعل كثير من الناس، لولا أن هناك من أراد أن يرفع من سقف هذه المشاركة والتأهل إلى كأس العالم ويركنه في صف الإنجازات القومية الكبرى ويقدمها على أهم القضايا التي تشغل بال ملايين الجزائريين ولم يجدوا منها مخرجا ووجدوا في حكاية الخضر متنفسا ومخرجا لهم وهم الآن بعد انقطاع خيط الأمل والأحلام مبكرا يحاولون تمديدها كما يجري التمديد لنظام الحكم عند أهل السياسة رغم الهزائم المتتالية والمتكررة والإخفاق المستمر في قيادة وتسيير شؤون البلد باقتدار. فالقوم اقتنعوا أنهم الأقدر والأكثر تأهيلا لقيادة البلد من غيرهم وأن العناية بعثتهم وأرشدتهم إلى ذلك منذ أن بدأوا يتحركون في مهد السياسة ولا بد أن يبقوا هناك إلى أن ينتقلوا إلى اللحد، وها هم الآن مع معاونيهم يحاولون أن يفهموا الجزائريين أن انهزام فريق كرة القدم ليس انهزاما بل هو أجمل انتصار يهدى للجزائريين وعلى هؤلاء أن يبقوا رؤوسهم مرفوعة لأنهم كسبوا فريقا مثل ذلك الفريق الذي سيقودهم إلى انتصارات أشد وأحلى من الانتصار الباهر الذي تحقق في جنوب إفريقيا. فليكن إذن، وعلينا أن نصرف النظر عن أي كلام عن الانهزام ما دام الأمر في يد أناس لا يعرفون أو لا يكترثون بشيء اسمه الفشل والانهزام، فكل ما يفعلون سواء كان خيرا أم شرا له اسم واحد هو الانتصار والنجاح وخاب من فكر في مخالفة المثل الفرنسي القائل (لن نغير الحصان الفائز)، أو كما قال.
وما دام الانتصار محققا في كل الأحوال، لماذا لم يقتد حكامنا الميامين بأنفسهم ويفرضوا علينا فريقا هرما مثلهم، وليكن فريق جبهة التحرير الوطني الذي طالما تغنينا بأمجاده أو حتى فريق مونديال 1982 الذي هزم المنتخب الألماني (هزمه في تلك المرة بالفوز هدفين لواحد وليس بالخسارة التي تعني الفوز!)، فالسياسيون يرون أنفسهم الأقدر والأجدر بحكم الجزائر أبد الدهر لأنهم كانوا هناك عندما غادرت فرنسا ووضعت حرب التحرير أوزارها، فكيف غاب عنهم أن فريق جبهة التحرير يقدر على مقارعة الكبار في القرن الواحد والعشرين قرن الجابولاني والفوفوزيلا مثلما يفعل الآن أهل جبهة التحرير في عهد الأنترنت والتكنولوجيا الحديثة؟ ثم ما دام الانتصار مضمونا في حالتي الفوز والخسارة والأهم بالنسبة إلينا هي المشاركة فلماذا اختار القائمون على وزارة كرة القدم الجزائرية أن يلجؤوا إلى اقتناء لاعبين من الخارج بأسعار باهظة مثلما تقتني المرأة العاملة طعام أهل بيتها من رفوف المعلبات الجاهزة حتى تقدم طعاما لذيذا أو مقبولا في أسرع وقت ولا تهم أن تكون التكلفة أغلى أو أن يقال إنها لا تشجع البضاعة المحلية؟ أثار آخرون مشكلة فرض لاعبين فاشلين للعب كرئيسيين بدل لاعبين آخرين مقتدرين ومهرة، وهنا أيضا لا بد أن نرد على هؤلاء بأن اللاعب الفاشل أو الماهر غير مهم عندما نؤمن بمنطق الهزيمة التي تتحول بقدرة قادر إلى انتصار، وأيضا بأن سياسة فرض اللاعبين لا تختلف كثيرا عن فرض الحكام والحكومات، فالذي يستطيع أن يفرض رجلا مثل أبو بكر بن بوزيد وزيرا لأكثر من 15 سنة على أكثر من أربعة رؤساء متعاقبين يمكنه بسهولة أن يقرر أن لاعبا مثل عبد القادر غزال جدير بأن يكون لاعبا أساسيا مهما أثبت فشله وعجزه، ومرة أخرى أكرر قول الخبراء إن الحديث عن الفشل ممنوع في قاموسنا.
الحناجر بحّت والأجساد تعبت على مدى أشهر طويلة من الصياح والرقص على إيقاع معزوفة (وان تو ثري.. فيفا لالجري)، أما الآن وقد انتهت المسرحية وانطفأت الشعلة فلم يبق لنا إلا أن نطلق لحن المعزوفة الجديدة وحفاظا على الذوق العام فإنها لن تكون مختلفة كثيرا عن الأولى إلا في كلمة واحدة، معزوفة قد لا تعجب كبار القوم لكنها لا بد أن تعزف الآن ولا بد أن نبحث لها عن جواب لأن انهزام وخسارة فريق كرة قدم لن يرقى ولن يقاس أبدا بخسارة وضياع بلد. فلنردد جميعا (وان تو ثري.. أوفا لالجيري؟)، ولمن لم يفهم هذا اللحن الأعجمي أقول إن معناه (واحد، اثنان، ثلاثة.. الجزائر إلى أين؟).

كاتب وصحافي جزائري
kbougaila@gmail.com


Nombre de lectures : 1955
3 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • khaled
    30 juin 2010 at 20 h 55 min - Reply
  • Djamel Eddine U
    1 juillet 2010 at 3 h 05 min - Reply

    Tres bonne logique avec humour. Baraka Allahou fike




    0
  • samir
    1 juillet 2010 at 7 h 48 min - Reply

    bilan d’une algerie en pleine agonie:
    les recettes hors hydrocarbures de l’année derniere pour l’algerie…60 millions de dollars trés loin derriere la tunisie avec 1.5 milliards de dollars et à des années lumieres du maroc avec 2.5 milliards de dollars..voila ou va l’algerie et on continue à faire l’autruche…vraiment pas de quoi être fiere d’être algerien aujourd’hui




    0
  • Congrès du Changement Démocratique