Édition du
24 July 2017

جزائر الانتصار والانكسار.. من العشرية الدموية الى الفساد

القدس العربي

اسماعيل القاسمي الحسني

7/9/2010


مضى قرابة نصف قرن من الحرية الشكلية على الشعب الجزائري، منذ 5/7/1962 كانت بدايتها نذير شؤم عليه، حيث قام جيش الحدود بقيادة الرئيس هواري بومدين، ممنيا أحمد بن بله بالانقلاب غير الشرعي على الحكومة المؤقتة، واستلم فعلا الأخير الرئاسة، وقام بتصفية بعض قيادات الثورة المباركة، ممن رفضوا التحلل من البيان الموحد والمفجر للثورة، الذي يرتكز أساسا على بناء دولة مدنية حديثة إسلامية ديمقراطية، كان من أبرز ضحاياه الشهيد الرمز محمد شعباني، لكن أحمد بن بله لم يهنأ طويلا بالحكم، واقتضت طبيعة اعتلائه سدته، الانقلاب عليه سريعا من قبل من مناه، ليتربع على عرش الرئاسة العقيد الهواري بومدين نفسه عام 65، اتسمت حقبة حكمه قرابة 14 سنة، بالتبعية المطلقة والعمياء للمعسكر الاشتراكي، كما عرفت اغتيالات أبرز أقطاب المعارضة عسكرية كانت أم فكرية داخل الوطن وخارجه، لعل من أخطرها قدرا الفيلسوف الإسلامي العالمي مالك بن نبي (حسب شهادة أصدقائه)، كلها مقيدة طبعا ضد مجهول إلى الآن، تجدر الإشارة هنا أن الرئيس الحالي للجزائر كان وزيرا للخارجية حينها وبزعمه الرجل الثاني في تلكم المرحلة، وبناء على شهادة أهم عناصر مجلس الثورة العقيد أحمد بن شريف ، المساهم بدوره في تنفيذها اعتمدت سياسة هواري بومدين على ضرب – مرحليا – أربع ركائز للمجتمع الجزائري للتحكم فيه، الأولى وضع يد السلطة الحاكمة على جميع ممتلكات الشعب، حتى يبقى رهينة توجهاتها، وتم ذلك بتأميم جميع ممتلكاته ففضلا عن المصانع والأراضي والعقارات، طالت حتى المواشي والبهائم، والثانية ضرب مدارس العلوم الدينية سواء التقليدية (الزوايا) التي كان لها الفضل حسب المؤرخين، في الحفاظ على هوية الشعب وقوة عقيدته، والمنتج الرئيسي لأهم قادة المقاومة من أول يوم للاحتلال، أشهرهم طبعا الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة والشيخ بوعمامة والحداد والمقراني وفاطمة نسومر وغيرهم كثير، ولم تسلم كذلك المعاهد الدينية الحديثة التي تأسست مباشرة بعد الاستقلال، سعيا لتطوير التعليم وتحقيق النهضة العلمية، والملاحظ هنا حين أوصدت هذه الأبواب أوائل السبعينيات، فتحت بشكل غير مسبوق وميسر سبل الهجرة إلى أرض الحجاز لاستيراد مذهب جديد، ليسهم فيما بعد وبتخطيط بالغ الدهاء في تفجير الجزائر من الداخل. المرحلة الثالثة بعد تشويه الرموز الدينية والعلمية والتشهير بها تم تفتيت البنية المجتمعية، حيث كانت من قبل تعتمد على النظام القبلي، والذي لازال لدى جيران الجزائر أهم عامل لضمان السلم المدني، وكما علق لي أحد جنرالات الجيش منذ فترة قصيرة، أردنا أن نجعل الناس سواسية، فانتهينا إلى كارثة 40 مليون دولة داخل الجزائر، المرحلة الرابعة والأخيرة، تشجيع دور اللهو والفساد لتدمير القيم والأخلاق التي كان يتميز بها الشعب، جدير هنا بالذكر أنه من اليسير جدا وإلى اليوم استخراج سجل تجاري لممارسة نشاط بيع الخمور وفتح الحانات والمراقص، وعصي على المواطن نفسه استخراج سجل لفتح مقهى أو قاعة شاي فضلا عن المصانع الإنتاجية؛ محصلة هذه السياسة إلى غاية وفاة قائدها كارثة على جميع الأصعدة وبكل المقاييس، يضاف إليها اختلاق صراع دموي مع المغرب، والذي كان ضرورة للنظامين على حد سواء للتغطية على التدمير الذاتي الداخلي، كانت خلاصته غلق الحدود بين الشعبين، وتوتر العلاقات مع بقية الدول المجاورة واضطرابها؛ والمحصلة دين تجاوز 25 مليار دولار مع أن الفترة شهدت أسعارا خيالية للبترول نتيجة حروب الشرق الأوسط.

الرئيس الشاذلي بن جديد

عام 79 استلم الشاذلي بن جديد (عسكري) الحكم، وشرع في تغيير هذه السياسة الكارثية، لعل أول مؤشراتها تحرير السياسيين السجناء، على رأسهم أحمد بن بله، وإعادة الهيبة والمكانة التي تليق بالرموز الاجتماعية والدينية والسياسية، ثم بادر في تحرير الشعب ذاته الذي كان ممنوعا من مغادرة الوطن، وفي أحسن الأحوال في أصعب الظروف، كما غض الطرف عن ألسنة الناس، التي كانت عليها رقابة لصيقة في كل مكان، فسمعنا في عهده النكات والانتقادات في الشارع وفي المقاهي، هذا سلوك من قبل يذهب بصاحبه إلى ما وراء الشمس، كما ألغى قانون الثورة الزراعية وأعاد للشعب ممتلكاته ، ثم تقدم خطوة أخرى يحسبها كثير من المتابعين أنها بتخطيطه، وهي فتح مجال النشاط السياسي وحرية الرأي والصحافة الحرة، ولأول مرة تشهد الجزائر دستورا يقر حرية المواطنين في تأسيس أحزاب سياسية وجمعيات مدنية مستقلة، ولأول مرة كذلك يمنع على رئيس الجمهورية الترشيح لعهدة ثالثة؛ كما شهد تحسين العلاقات مع الجوار بفتح كل الحدود بين الشعوب المغاربية، كانت ثمرته تأسيس قواعد اتحاد المغرب العربي الكبير، واختصارا يجمل تقرير نشرته صحيفة ‘الخبر الأسبوعي’ معتمدا الأرقام الرسمية، بأن مرحلة حكم الشاذلي بن جديد تميزت على من سبقها ولحقها كذلك في تجسيد البنى التحتية والمرافق الضرورية، فقد فاقت عددا انجاز المدارس وكل المؤسسات التعليمية بما فيها الجامعات، يضاف إليها المستشفيات ولأول مرة يتم انجاز الطريق السيار والأنفاق، وعلى عهده انطلق مشروع المترو لولا الانقلاب الذي حدث على هذا الحكم. مع الملاحظة أن الجزائر تعرضت لضائقة مالية خطيرة نتيجة انتكاس أسعار البترول منصف الثمانينيات.

الانقلاب ودوامة الجحيم

حراك المجتمع الجزائري وإطلاق طاقاته الإبداعية، أثار مخاوف الغرب والأنظمة العربية بشكل قوي وعلى حد سواء، فالنتيجة الحتمية لو قدر له النجاح، على الصعيد الاقتصادي بلوغ الاكتفاء الذاتي في مدة وجيزة، ما يعني غلق واحدة من أهم الأسواق الاستهلاكية للمبيعات الأوروبية، بل قد تذهب الجزائر إلى منافستها بالتصدير في الساحة الإفريقية؛ لكن الأخطر على الصعيد السياسي وهو التابع بالضرورة للأول، ذلك أنه رصد أيامها الاهتمام الجاد للشعوب العربية بالتجربة الجزائرية، ومتابعة دقيقة لتطوراتها، ما فسر استعدادها القبلي والآلي لاقتفاء أثرها لو نجحت، ما يعني بكل وضوح تهاوي الأنظمة العربية تباعا، ومكمن الخطر هنا في تلكم التي تحمي الكيان الإسرائيلي باتفاقيات ومعاهدات.

كان لابد إذن من وقف هذا المسار، وهنا جاء دور تلكم الفئة التي تشبعت في عهد الرئيس الهواري بومدين بالفكر الوهابي، ثم جندتهم الولايات المتحدة عن طريق علماء الخليج، للتدريب الميداني في أفغانستان بحجة الجهاد ضد السوفييت، تحركت آلتهم بقوة غير مسبوقة ولا مبررة بحال من الأحول تطالب بإسقاط الرئيس، ولمعرفة دهاء الغرب ومدى خبثه، نقف على مفارقة موثقة تدعو للدهشة، يعترف الناطق الرسمي باسم هذا التيار رابح لكبير لقناة ‘الجزيرة’، بأن حزبه كان على تواصل مع مكتب لوزارة الداخلية الفرنسية وبشكل غير رسمي، الأخير كان يوهم هذا الطرف بالوقوف إلى جانب الديمقراطية والتعددية، ويوحي له بأنه مع الطرف الأقوى شعبيا ولا يتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، وهذا يعني في قاموس السياسة، أن فرنسا تدعم مطالب هذا التيار وعلى استعداد للتعاون معه، وفي المقابل كانت فرنسا الرسمية تخوف القيادة الأمنية والعسكرية من صعود هذا الحزب، بل ذهبت عبر تقاريرها الإعلامية للمطالبة بوقفه وان استدعى الأمر استعمال القوة، بحجة أن العالم الغربي المتحضر لا يقبل بوجود دولة دينية خاصة بحجم الجزائر، منسوب الاحتقان بلغ أعلى درجاته، الرئيس الشاذلي بن جديد رفض الانصياع لضغوط الأنظمة العربية والغربية لوقف المسار الانتخابي، بل أبدى استعداده للعمل مع الفائز وتعهد بإعلان نتائج الانتخابات بكل نزاهة وشفافية، وذلك الذي شهد عليه العالم، اقتضى هذا الموقف إذن الدخول في المواجهة بقلب النظام عام 92، والدخول في حرب أهلية دامية.

تجدر الإشارة هنا، التذكير بالشهادة التي قدمها الرئيس الحالي للجزائر، مفادها أنه استقبل وفدا عن جبهة الإنقاذ قبل الانقلاب، ولم يتفق معهم على شيء سوى ضرورة قلب النظام، غير أنه في شهادة أخرى يصف هذه العمليــــة باللاشرعية، وذهب أبعد من ذلك حين زعم لو أنه كان شابا حين تلك الأحداث لحمل السلاح وصعد إلى الجبل.

دخلت الجزائر مرحلة بالغة الخطورة، ونجح المخططون أيا كانوا في جعل الكل ضحية والكل إرهابي، وباختصار اتسمت هذه العشرية الدموية بالتالي: بين 150 الف إلى الضعف قتيل، أي ما يعادل حسب جريدة ‘الشروق’ شهداء فلسطين من عام 48 إلى 2000 ، من أخطر الحالات اغتيال احد مخططي ومفجري الثورة المباركة، الرئيس محمد بوضياف، وذلك علي يدي من استقدموه حسب شهادة زوجه التي أدلت بها لقناة ‘الجزيرة’، وكتاب شقيقه عيسى بوضياف ( التحضير لأول تشرين الثاني/ نوفمبر)، فضلا عن شهادة بعض ضباط المخابرات الفارين إلى الخارج،والدافع لقتله على المباشر كان اكتشافه للمغالطة التي أوقع فيها وعزمه على مواجهة وتصفية من تسبب فعلا في إدخال الجزائر هذه الطاحونة الدموية العمياء؛ يضاف إليه تصفية نخبة من كبار المفكرين كالجيلالي اليابس ومحمد بوخبزة، وكبار ضباط الجيش والمخابرات كالجنرال الطاهري، ونخبة من الاعلاميين والشخصيات الوطنية العامة ؛ ومن 24 ألف إلى 38 ألف مفــــقود؛ تدمير البني التحتية بشكل واسع قدرت خسائرها ما يزيد عن 200 مليار دولار، ليفتح الباب واسعا أمام الشركات الأجنبية فيما بعد، هجــــرة ما يفوق 200 ألف من الأدمغة العلمية حسب تقرير جامعة الدول العربية، فضلا عن تعطل جميع مؤسسات الدولة، وإفراغها من جميع صلاحياتها، وتقييد الحريات العامة وحالة الطوارئ المستديمة إلى الآن ؛ لعل هذه الأرقام الموثقة تعبر بما لا يدع مجالا للشك عن الأهداف المتوخاة من ذلكم الخيار الدرامي، الذي تحملت مسؤوليته علنا حفنة من قيادات عليا في مؤسسة الجيش، وقيادات سياسية معارضة بحد زعمها.

الحرب التدميرية الثانية

لم تنكسر شوكة الشعب الجزائري، الذي ضل صامدا أمام المجازر التي ارتكبت في حقه،والتي تنزل إلى مصاف جرائم ضد الإنسانية، بتواطؤ ملحوظ من قبل وسائل الإعلام الدولية إلا فيما ندر، وصمت مطبق من قادة العالم الحر والمتمدن، بيد أن توقع ارتفاع أسعار النفط مع بدء حرب الخليج الثانية، فتحت شهية رأسماله، الذي شرع في الضغط على القيادات، حتى يتأتى له نهب أموال هذه الدولة الفتية والجريحة، بحجة إعادة بناء ما تهدم وإطلاق مشاريع تنموية واعدة، انتهت إلى توافق لم يكن مفاجئا بالنسبة للمتابعين بين القيادة العسكرية وأبرز قيادات جبهة الإنقاذ ومباركة من وراء البحار، على تولية الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، حيث بدأت مؤشرات هذه المرحلة بنهب 7 مليارات دولار حسب تصريح الحكومة، أو 18 مليار دولار بتقديرات غربية، على يد خليفة عبد المومن المسجون حاليا في بريطانيا، وتحركت آلة الفساد والرشوة، وتهريب الأموال بشكل غير مسبوق، حيث تذهب بعض التقديرات إلى الادعاء بتحويل ما قيمته 300 مليار دولار، وتبديد ما يزيد عن 200 مليار دولار، ذلك أن الأرقام الرسمية تشير أن مداخيل الجـــــزائر خلال هذه العشرية قاربت تريليون دولار، لا يوجد لها ابسط أثر على أرض الواقع، غير ما يسمى مشروع القرن، وهو الطريق السريع بمسافة 1200كلم، لم يتم انجازه من عشر سنوات، أي بمعدل 100كلم في السنة، وبغلاف مالي تضاعف ثلاث مرات عن المبلغ الأصلي، يضــــاف إلى هذا الفساد الذي بات متداولا بشكل فاضح في وسائل الإعلام الدولية، كان آخره ما طال شركة سوناطراك التي تعد أهم وأخطر ركــــائز الاقتصاد الجزائري. كان لا بد من تغطية شرعية لاستمرار سياسة النزيف المالي لإعادة احتلال الجزائر وحشر شعبها في زاوية لن يتأتى له أبدا التفكير في الانعتاق من التبعية المعيشية للعالم الغربي، فاقتضى الأمر ضرب الدستور في مقتل، بعد عملية استفتاء أشبه بالكرنفال، كان نتيجتها إلغاء المادة التي تمنع على الرئيس الترشيح لأكثر من عهدتين، واستبدلت بمدى الحياة؛ وهنا نقف على واقع الجزائر الحالي التعيس والبائس.

الانتصار أو الانهيار

لن تفتح ليلة القدر على الجزائر، ولن يرسل الله أنبياء ورسلا لإنقاذ شعبها، وأما الأجنبي فجرائمه قد رآها الأعمى فضلا عن البصير في العراق وأفغانستان، ما من سبــــيل للخروج من هذه الحرب الضروس والشرسة، إلا بنزول الوطنيين المخلصين، من كل الفئات والنخب وبشكل سلمي وحضاري إلى الشارع للمطالبة بتغيير الوضع بشكل قاطع وجذري، وما لم تتكاتف القوى الحية في المجتمع بمن فيها خيرة رجال الجيش والأمن، لكنس هذه الطبقة السياسية المترهلة، المسؤولة باعترافها عن إغراق البلد في بحر من الدماء وأوحال الفساد، أقول ما لم يسارع هؤلاء إلى حركة تغيير عملية، والتي قطعا ستكلل بالنجاح إذا خلصت النوايا من جهة، وأقنعنا العالم الغربي بأن مصالحه مضمونة في حدود ضمان مصلحة الجزائر، وهذه قاعدة واقعية وممكنة، وإلا فلا عذر لنا ولا ريب أن القادم أعظم مما مضى بكثير وساعتها لن ينفع ندم… ولن يغني القول حينئذ الصيف ضيعت اللبن.

‘ فلاح جزائري


Nombre de lectures : 1031
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Djamel Eddine U
    10 juillet 2010 at 3 h 16 min - Reply

    Bravo ! Excellent analyse




    0
  • Congrès du Changement Démocratique