Édition du
26 July 2017

استحالة التغيير الديمقراطي عند العرب

القدس العربي اللندنية

GMT 0:15:00 2010 الأربعاء 7 يوليو

خضير بوقايلة

كم زيارة أخرى سيبرمجها نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن وربما الرئيس أوباما نفسه إلى المنطقة الخضراء قبل الإعلان الرسمي عن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؟ المتفائلون سيذكرون عددا من واحد إلى مائة بينما سيقول آخرون إن الديمقراطيين سيغادرون البيت الأبيض وسيعود الجمهوريون قبل أن يتفق أهل العراق على بقاء المالكي أو إحلال علاوي مكانه. أربعة أشهر من الانتظار وأعداد لا تحصى من القتلى والجرحى ومزيد من اليأس في نفوس العراقيين، ومع ذلك فإن آخر هم السياسيين هناك هو مستقبل البلد واستقراره.
غادر نائب الرئيس الأمريكي بغداد من دون تحقيق أي تقدم أو اختراق في الشلل الذي أصاب العملية السياسية منذ انتخابات آذار/ مارس الأخيرة، زيارة التقى خلالها أطراف العملية السياسية وحاول تحريك الجمود الضارب في البلد بسبب أنانية سخيفة وحسابات لا علاقة لها أبدا بالمشروع الديمقراطي الذي حمله الأمريكيون على ظهر دباباتهم. لا أدري لماذا لم يفكر جو بايدن في إقحام زوجته جيل في عملية الوساطة مع أنها رافقته في رحلته الأخيرة، فقد كان بإمكانها الاجتماع بزوجات حكام المنطقة الخضراء وإقناعهن بضرورة وضع حد للجمود السياسي الضارب في البلد، فمن المعروف عربيا أن الزوجات هن اللائي يقفن عادة وراء أزواجهن ويجبرهن على التشبث بالكرسي لما فيه من خير عميم ومصلحة أكيدة، وإذا لم تكن هذه هي حال أهل العراق فإن الزوجات قادرات أيضا على التأثير على أزواجهن أكثر مما يقدر أي مسؤول أمريكي أو أي سياسي أو فرد آخر من أفراد الشعب.
وإذا لم تنفع هذه الوسيلة (الحريمية) فإن آخر حل مجد هو أن يرتدي أوباما درعه ويركب حصانه وينطلق في غزوة أخرى إلى الديار لإسقاط حاكم بغداد الجديد وعليه أن يفعل ذلك عند كل نهاية فترة حكم هذا الحاكم أو ذاك، فقد تأكد أن العرب طينة واحدة وصدام حسين لم يكن أبدا شذوذا عن القاعدة. وإذا أراد الأمريكيون المضي قدما في مشروعهم الديمقراطي في العالم العربي عليهم أن يعدوا العدة اللازمة لذلك ويخصصوا ما يكفي من العدة والعتاد لخوض الحرب كل خمس أو أربع سنوات، الفترة التي تستغرقها فترة الحكم الديمقراطي، وإلا فعليهم أن يدعوا أهل المنطقة الخضراء يحكمون وفق المنطق العربي السائد.
لماذا يخلف الشبل أباه ويعمِّر القائد حاكما لجماهيره ويهرم المشير والفريق والعقيد في كرسي الحكم ويلجأ هذا الحاكم وذاك إلى خلع مواد من الدستور حتى يضمنوا عدم خلعهم من مناصبهم، لماذا يفعل حكام الجمهوريات والجماهيريات العربية هذا وتريدون من الوافد الجديد نوري المالكي أن يترك كرسيه لغيرهم وهو لم يقض فيه ثلث المدة التي قضاها أحدث قائد عربي في الحكم؟ المالكي يريد أن يكون مثل الحكام العرب، لا شيء يفرقه عنهم، فهو وصل إلى الحكم بعد عملية تسمى انتخابات نزيهة وشفافة ونظيفة ولا بد له أن يبقى حيث هو حتى يتوفاه الله أو ينقلب عليه من هو أقوى منه فيُقتل أو يُسجن أو يُنفى من الأرض أو يقرر الحلف المقدس الأمريكي البريطاني الإطاحة به. من حق نوري المالكي أن يستمر في الحكم وأن يحرق البلد بمن فيه إذا رأى أن رحيله بات وشيكا، أما الحديث عن الديمقراطية وعن النموذج الجديد للحكم في البلاد العربية الذي تغنت به المفقودة كوندوليزا رايس فهو كلام لا يختلف كثيرا عن أغنية إحلال السلم في أفغانستان وتخليص أهل البلد من طاغوت طالبان، فلا المدافع سكتت ولا الديمقراطية حلت ولا الرئيس المستورد من أمريكا على ظهر الدبابة اكتفى بسنوات حكمه وأقر بفشله وترك البلد لمن يختاره الشعب رئيسا له.
لكرسي الحكم سحره ومنطقه في العالم العربي، سحر ومنطق لا يمكن لأي خبير أو سياسي محنك في الغرب الديمقراطي أن يفهم تفاصيلهما. سحر يقلب الحلم إلى حقيقة ويحوّل مآسي الشعوب إلى حياة أشبه بحياة جنات النعيم، ومنطق قاعدته الأساسية تقول إن مغادرة الحكم جريمة أعظم من الخيانة العظمى ولا أحد بإمكانه أن يحل مكان القائد أو يقدر على تحقيق ما يجود به الرئيس المفدى من عظيم إنجازات.
لا يهم أن تستمر أزمة الشعب العراقي وأن يستيقظ العراقيون كل يوم على أخبار الموت والدمار والعنف الطائفي والأعداد المتزايدة من المرضى والفقراء والمتشردين والفارين من بلدهم، ولا يهم أبدا أن يبقى العراق في عداد البلدان الضائعة لسنوات وسنوات، بل لا يهم أن لا يبقى لبلاد الرافدين أي أثر أو تأثير في منظومة الحياة الدولية ما دام القائد الحكيم المحنك السيد جواد نوري المالكي رئيسا للوزراء رغم الداء والأعداء. كل ما يهم حاكم المنطقة الخضراء هو أن يبقى محتفظا بلقبه، فهو الأجدر والأحق بحكم أهل العراق ولو قرروا بعد ذلك غير ذلك، المهم أنه تربع على العرش وبعد ذلك ليس من حق أحد أن يزحزحه واحمد الله يا شعب العراق على أنه لم يقرر منع الانتخابات وتجميد البرلمان وسجن أو نفي أو تصفية خصومه.
أما الجامعة العربية وجيران العراق فليس عليهم أن يتحرجوا يوما وهم يستيقظون صباح مساء على أخبار ضياع بلد عربي عزيز وانزلاقه يوما بعد يوم في دهاليز الفوضى والجهل وعدم الاستقرار. لا شيء سيئا يجعل العرب يتحركون لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد، وكأن لسان حالهم يقول لماذا يجب علينا أن نتدخل في قضايا داخلية لبلد آخر ونحن نرفض من الآخرين أن يتدخلوا في شؤوننا الداخلية مهما بلغت من سوء ولماذا علينا أن نحاول إقناع المالكي بترك الكرسي لمنافسه علاوي الذي حصل على مقاعد أكثر في الانتخابات ونحن نستنكر ونقف بالحديد والنار في وجه كل من يفكر في اختزال أيامنا في الحكم.
فليهنأ العالم إذن وأمريكا في المقدمة بأن الأخ نوري المالكي لن يقتنع لا بالنصائح الأخوية ولا بتدخلات الأصدقاء ولا بالحسابات والمناهج الديمقراطية الأخرى، لا شيء من كل هذا يجعله يعلن أنه قرر التنحي وترك مكانه عن طيب خاطر لشخص آخر غيره، إنها طبيعة الحكم في بلاد العرب التي لا يأتيها التغيير لا بالدستور ولا بالانتخابات ولا بالإرادة الشعبية بل بالقوة والدم والنار. فمتى ستكون إذن الزيارة الأمريكية القادمة إلى بغداد؟


Nombre de lectures : 835
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique