Édition du
23 July 2017

الجزائر تحت وطأة المداهنين

اسماعيل القاسمي الحسني

القدس العربي 29 جويلية 2010
لست هنا بمعرض اتهام أحد أو التهجم عليه، هذا ليس من ديدني كما أن هذه الصحيفة الدولية، التي استطاعت بفضل موضوعيتها ومصداقيتها أن تنتزع عن جدارة وأهليه، المكانة الأهم من بين نظيراتها في العالم العربي، حسبما ذهبت إليه فضائية ‘بي بي سي’ استنادا الى تقارير مراكز مختصة؛ تترفع عن الصغائر وتتعفف من اتخاذ صفحاتها ساحة لتبادل الاتهامات الجزافية؛ هذه القناعة بعينها جعلتني أعتذر لبعض القراء والصحافيين من الرد على هجوم أعلنته صحيفة محلية سياسية (بالحرف الفرنسي) الشهر الماضي، على الكاتب ومن ورائه صحيفة ‘القدس العربي’، خصت له الصفحة الأخيرة كاملة، ذهبت إلى اعتبار ان لقب الأسرة التي أنتسب إليها القاسمي الحسني، لا وجود له أصلا وإنما هو اسم مستعار، مثله مثل أسماء أمراء الارهاب، تفسيرا لجرأة الطرح التي تقر الصحيفة ذاتها بأنها مستحيلة في ظل هذا النظام ما لم يتوار صاحبها خلف اسم مستعار، كما سعت لمغالطة الرأي العام وقرائها تحديدا، بزعمها أن الكاتب فلاح بين زوريخ ولندن، وقطعا هو خارج التراب الوطني؛ والحال والواقع يثبتان بطلان هذا الدجل، ولا يسمحان مطلقا لشخصي بالنزول إلى مستوى كهذا، وما للمعنيين من قرائها بالحقيقة، إلا العودة إلى عميد المؤرخين الجزائريين أحمد توفيق المدني، وكذلك محمد علي دبوز وبلقاسم سعد الله وغيرهم ليجدوا ‘القاسمي الحسني’ أشهر من أن تعرف في الجزائر، وأما العبد لله فلا يتأتى له مجادلة من يقول له: أنت لست أنت، وبلدية الهامل (مقر سكناي- محافظة المسيلة) هي لندن، لا جواب لدي إلا: سلام. وعن صحيفة ‘القدس العربي’ فلإدارة تحريرها أهلية تقدير ضرورة الرد من عدمه، وأعتقد أن هذا يكفي كل عاقل. وبالعودة إلى عنوان مقال اليوم، هي إذن ظاهرة باتت تطبع كثيرا من سلوكيات المسؤولين السياسيين والعسكريين، إماطة اللثام عنها أعتقد أنها ضرورة لمراجعة أحد أهم أسباب الأزمات الاصطناعية التي نمر بها، خاصة أن هذا السلوك الظاهرة قد بات معلوما لدى العامة من أمثالي، يلمسونه في عديد من المناسبات، وانعكاساته السلبية لا ريب أنها مدمرة.
أتحدث هنا عن كبار رجال السياسة المدنيين، الذين في جلساتهم الخاصة، وعند استعراض أوضاع البلد، يحملون المسؤولية بالدرجة الأولى لرموز القيادة العسكرية والأمنية، بل ويتجرأون على اتهام كبار ضباطها وقياداتها بالفساد والإفساد، ويذهبون الى أبعد من ذلك بوصفهم بما لا يمكن ذكره، وهنا لست أكشف سرا حول توزيع المواد المستوردة على جنرالات الجيش، فهذا جنرال السكر والآخر الزيت وغيرهما؛ مكمن الخطر لا ينحصر في هذه الصورة المهينة لمؤسسة يفترض أنها رمز وقدوة، وإنما يتعدى إلى تخويف المواطنين من هذه المؤسسة، وشخصيا سمعت من كبار المسؤولين السياسيين، في محاولة لكبح جماح هذا القلم، كلاما يمكن وصفه من دون مبالغة باتهام هذه المؤسسة بالإجرام، مؤكدين لي أنهم يقتلون ويعذبون ويفعلون الأفاعيل التي لا تمر بخيال عاقل، حين يقوم مسؤولون بنشر صورة كهذه بين الناس حول مؤسسة يفترض أنها قائمة على أساس ضمان أمن المواطن وصون كرامته الإنسانية؛ فماذا بقي من ثقة لدى المواطنين في دولتهم؟ لو كان مصدرها رجل معارضة أو ممن خرجوا من مؤسسة الحكم فلربما تفهم دوافعه! هذا الاتهام ما لم يقم على دليل قطعي مرفوض من المعارضة فضلا عن شركاء في الحكم وإدارة شؤون البلد؛ لكن ولأنني رجل متواضع القدرات العقلية حسبت أن هذه الصورة يشهرها رساموها ليلقموا أمثالي حجرا، بيد أن الأمر يتجاوز ذلك، فحين نحاججهم بالسؤال: لم لا تسعون إذن للإصلاح والتغيير؟ بادروا بالرد فورا: وهل تريدوننا أن نقتل أو نسجن؟ لا يا أخي سلامتك وليذهب الوطن إلى الجحيم؛ والملاحظ بأم العين هنا، سواء صحت الصورة التي ينشرونها أم لا، فإنهم حين يلتقون بأفراد الجيش والأمن يظهرون لهم كل الولاء والاحترام والإجلال، حتى ليخيل إليك أنك أصبت بلوثة عقلية اختلطت فيها الصور مع الكلام، فوضى لا تكاد تميز أطرافها.
هذا السلوك لا يختلف كثيرا لدى بعض كبار ضباط الجيش والأمن، هم كذلك من ناحيتهم ينظرون إلى كبار الساسة المدنيين بذات العين، فاسدون ومفسدون، بل ويتهمونهم بأصل الداء الذي أصاب البلد، ويعرضون بين يديك أمثلة حية تراها بعينيك، ويسمعونك الآتي: هذا من أتباع الفيلسوف مالك بن نبي أو هكذا يقدم نفسه، يحسب على أنتلجنسيا الجزائر، كثيرا ما دك المؤسسة العسكرية بمقالات قوية وعنيفة، ها هو إذ عرض عليه منصب وزير ماذا فعل، ولى ظهره لمبادئه وأقبل على متع الحياة، وليذهب الشعب إلى الهاوية، وهاك مثلا آخر، إمام وخطيب جمعة (حاليا رئيس حزب متأسلم معتمد) لطالما هاجمنا بقلمه، ومن على منابر المساجد، يتهمنا بسوء التسيير وسوء الأخلاق، دعي لمنصب وزير، أنظر بأم عينيك الصور التي التقطت له في إحدى دول أمريكا الجنوبية، ألا تجسد تهتك الأخلاق وتنسف القيم الإنسانية فضلا عن الدينية، واستبدل عقيدته بأخرى تقوم على ‘أنا ومن بعدي الطوفان’، أما عن تبديد المال العام فحدث ولا حرج؛ وعن أمثالك ممن يدعون الدفاع عن حقوق المواطن في الصحف، ألم تر إلى ذلك الصحافي الذي لقب بالجان، كان له في صحيفة عمود، جعل منه بحق منصة صواريخ مزلزل دويها، ها هو إذ عرض عليه منصب رئيس إدارة صحيفة صنعت من أجله، اقرأها وأخبرنا هل تجد فيها شيئا مما كان! ثم انظر إليه في سيارات الدفع الرباعي تحيط به مجموعة الحرس الخاص، وإليك مسكنه في إقامة الدولة (المنطقة الخضراء) غرب العاصمة، والأمثلة لا تعد، لسنا نحن من أفسدهم بل هم دجالون وأفسدوا علينا سماع كلمة حق من أحد، ذلك أنه استقر فينا شك نحو كل من يرفعها بأنه يريد مساومتنا بمنصب رفيع ليفعل الأفاعيل.
هذا الواقع الذي أشهد عليه، يعلم المعنيون به أنه ليس وليد خيال، بل حقيقة ما يدور بينهم لكن لا يواجه به أحدهم الآخر، هل يعد استعراضه ضربا من النميمة ؟ قطعا لا، لأن كليهما يعرف ما يقال في مجالسهما؛ إذن ما المراد من طرح هذا الواقع؟ هو لكشف النقاب ولأول مرة عنه في الجزائر، وبالمناسبة هذه الحال لا تختلف عن بقية شركاء السلطة في العالم العربي، ليس للتشويه أو الاتهام أو الدفاع عن أحد، وإنما لأقول لهؤلاء جميعا لقد رسختم في الوعي المجتمعي صورة بائسة وحقيرة تخشى عواقبها، ذلك أن المواطن العادي وهو الطرف الثالث في المعادلة يحمل الجميع المسؤولية، ويراكم بداخله ازدراء الطرفين بالضرورة، قد ينتهي بالطبيعة إلى ثورة ساحقة لا يملك أحد زمامها. أخيرا أقول للذين يعتبرون مقالاتي تحمل إساءة بالغة لصورة الجزائر، مع احترامي لأصحاب هذا الرأي، انه مجانب للصواب، ذلك أن انتقاد سلوك شخصيات عامة، أو سياسة مؤسسات دولة، إنما هو حفاظ على صورة الجزائر، وسعي صادق للفصل بينها وبين من يزعم تمثيلها، فالجزائر أكبر وأعظم، ومع الأسف الشديد لم يولد حاكم بعد الأمير عبد القادر بن محيي الدين من تتشرف الجزائر بتمثيله لها في العالم عن جدارة واستحقاق وشرعية غير منقوصة أو مطعون فيها أصلا.


Nombre de lectures : 718
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique