Édition du
24 July 2017

نداء لمن يهمه الأمر: لنرفع الحصار عن "غزة الجزائر"

الخبر الاسبوعي 11 اغسطس 2010

لو عاش الكاتب الفرنسي « فيكتور هوغو » إلى غاية هذه السنة، لكتب جزءا رابعا لروايته العالمية « البؤساء » التي ألفها سنة 1862 ولاشك أنه سيكون أروع بكثير من الأجزاء الأولى، لأنه بالتأكيد سيكتبه بكثير من أحاسيس الحزن والأسف والتعجب والقلق، وستختلط عليه الأوصاف وتذهب به إلى عمق التناقضات التي تعيشها إحدى أفقر بلديات الجزائر. بالتأكيد لو عاش هذا الكاتب البارع، لكتب بأسلوب مميز، بل ربما اخترع أسلوبا جديدا في أدب الرواية، يعبر به عن حالة « البؤس » التي تعيشها « الجازية » الكائنة بأم البواقي، وفاز بجائزة نوبل دون منافس، أو لا، ربما سيعتزل الكتابة، لأنه لن يجد الكلمات التي يعبر بها، وستخونه موهبته وتحوله إلى كاتب مفلس.

نأسف أن فيكتور هوغو لم يولد في زماننا، ونأسف أكثر أنه لا يوجد في بلادنا كاتب بارع بحجمه، بمقدوره تأليف مخطوط عن الأسطورة « الجازية »!!

ترددت كثيرا قبل أن أكتب مقدمة هذا الربورتاج المتواضع، ولن أخجل في إخباركم أنني أجلت كتابته لأكثر من شهر بعد زيارة بلدية « الجازية » بأم البواقي، ليس لانشغالي بمواضيع أهم، فالجازية أهم مما نكتبه، في السياسة والثقافة والفن والرياضة، بل لأنني متأكدة أنني مهما وصفت ومهما أطلت في الكتابة، لن أوفي هذه المنطقة من جزائرنا التي أطلقوا عليها « جزائر العزة والكرامة » حقها، وأجزم أنني لن أساهم في تغيير حالها لمجرد نشر الربورتاج على ظهر صفحاتنا. ولا أريد، ومن ورائي إدارة تحرير جريدتنا « الخبر الأسبوعي »، أن أخادع سكان هذه البقعة المنسية من جزائرنا أو أكذب عليهم، فأعدهم أن رياح التغيير ستهب عليهم في هذه الصائفة الساخنة، لأننا التفتنا لهم بدل سلطات هذه البلاد ونقلنا صورة الجحيم الذي يعيشونه. عليهم أن يعلموا أن كل كلمة أكتبها تحمل صرخة طفل جائع من أطفال الجازية، وأم جفّ الحليب من أثدائها من أمهات هؤلاء الأطفال، فهذه شهادة يسجلها التاريخ.

تنقلت إلى دائرة عين البيضاء بولاية أم البواقي شهر ماي الماضي وكان يوم خميس حار، رافقني صديق من أبناء المنطقة المثقفين، وواحد من الأوفياء لها، وهو من ساعدني على التنقل وإنجاز بعض الأعمال التي جئت من أجلها، ونبهني إلى ضرورة التنقل إلى بلدية الجازية، والتعرف على أوضاعها عن قرب. ومن كثرة ما رواه لي في العاصمة عن معاناة سكان « الجازية »، نجح في رسم صورة لها في مخيلتي قبل أن أزورها في اليوم الموالي، فازدادت الصورة وضوحا، وأشكر له كل الجهود التي بذلها معي وأنا في عين البيضاء، أو كما يسميها أهلها « البيضا ».

بعد صلاة الجمعة مباشرة، توجهنا إلى بلدية الجازية، ودار حديث بين صديقي وسائق سيارة الأجرة التي أقلنا إليها، حول جريمة قتل تعرض لها سائق سيارة كلوندستان، وجدت جثته مرمية في طريق خارج عاصمة الولاية، وهي الجريمة التي نقلتها العديد من الجرائد وأخذت حيزا كبيرا من حديث الشارع البيضاوي.

كنت أنصت لكلام السائق، وفي نفس الوقت أنظر إلى السماء التي اسودت فجأة، وبدأت تزخّ بعض المطرات، وبدأت أتخيل « الجازية » التي سأحل بها بعد أقل من سويعة، واخترت مسبقا عنوانا لما سأكتبه عنها، وقلت في نفسي سبحان الله، فكأنما السماء تبكي حال هذه المنطقة، أو أنها تبشر بخير سيحل عليها، ودعوة الله أن يتحقق ذلك، فإذا بالسائق يردد هذه الجملة « المطر خير، خير إن شاء الله »، وكأنه فهم ما كان يدور في رأسي، فأجابني.

لعنة الجميلة تحل على الجازية

ولحسن الحظ أن مرافقي معروف في المنطقة، ويحترمه الجميع ويكنون له الكثير من المحبة، فلم يمانع السائق انتظارنا حتى أنهي مهمتي، حتى أنه لم يشأ أخذ أجرته لولا إصرار صديقي.

تبعد الجازية التي وصلناها في حدود الرابعة ب60 كم شرق عاصمة الولاية أم البواقي، وتتربع على مساحة 19860 هكتار، وهي كما تقول الأسطورة تحمل اسم امرأة جميلة وبالغة الذكاء، فتنت رجال المنطقة، وتزوجت ضد إرادتها ملكا رومانيا هدد بإبادة قبيلتها لإنقاذ قومها، بينما كان القائد الهلالي « دياب » مجنونا بها، فقام بعدة انتهاكات للثأر من هذا الزواج. ربما لعنة هذه الزيجة لحقت بالجازية وظلت تطارد سكانها إلى غاية سنة .2010 ذلك ما وقفنا عليه لما تحدثنا إلى بعض شبابها، وأطفالها، وشيوخها، الذين التفوا بنا معتقدين أننا مسؤولين محليين، جئناهم لإحصائهم ضمن قائمة الشبكة الاجتماعية، وهو ما لم يخفه عنا شاب في الخامسة والثلاثين، لما تعرف على هويتنا، وراح يسرد مأساته، فهو لم يحصل إلى اليوم على منصب عمل وليس له أي مدخول مادي يعيل به عائلته الفقيرة. يقول ابن الجازية: « كلنا بطالون، ونعرف حال بعضنا، إلى درجة أننا نعلم ما يوجد في قدر كل بيت، لا يوجد أي مشروع يتيح لنا فرص شغل، أنصحكم بالتجول في المنطقة وستكتشفون ذلك بأنفسكم »، وأضاف: « لا نملك سوقا، ولا حلاقا، ولا طبيبا أو محاميا، ولا محلات تجارية، نحن نتنقل إلى البلديات المجاورة لنحلق رؤوسنا، حتى محلات الرئيس الجاهزة لا نعرف متى ستوزع ومن سيستفيد منها، فكلنا في حاجة إلى عمل وكلنا فقراء… »، وعقب عليه شيخ قائلا: « أبناؤنا دون مستقبل، كلهم بطالون، إنني أرى أطفالنا يسيرون على نفس الدرب، نحن لا نملك شيئا ولا أدري لماذا، هل نحن جزائريون أم لا؟.. ».

الوجوه العابسة لسكان هذا الدوار السائر ببطء شديد في طريق التنمية، تدل على أنهم يعيشون حالة غبن لا توصف، ففي هذه البقعة المنسية التي رقيت في التقسيم الإداري الأخير سنة 1984 إلى بلدية، تجتمع كل مميزات الحياة البدوية البسيطة، وكل مظاهر التخلف التي عاشها أسلافنا في الحقبة الاستعمارية، لولا أن راية العلم الوطني ترفرف على مقر البلدية، ففيه من الأطفال والشباب من يتنقل مشيا على الأقدام عدة كيلومترات، لجمع الحطب من الغابات المجاورة الممتدة على مساحة 9600 هكتار، إما لتحويله فحما وإما لاستعماله خشبا في البناء، خاصة أن قساوة البرد في شتاء هذه المنطقة كانت قبل توصيل غاز المدينة وحتى مع توفره الآن في أغلب البيوت، تفرض توفر الحطب للتدفئة، فليس بمقدور أغلب عائلات الجازية البطالة دفع ثمن فاتوة الغاز.

وغاز المدينة ومعه الطرق المعبدة والأرصفة المبلطة حديثا هما، كما وصفها أحد شبابها اليائس، من مظاهر الاستقلال التي لم ينعم بها السكان إلا في السنوات الأخيرة، لا تعبر أبدا عن برامج التنمية المحلية التي استفادت منها الكثير من بلديات الوطن الفقيرة والغنية، فعلى حد قوله، التنمية تعني إنشاء مشاريع تخلق مناصب شغل وليس تزيين المحيط وواجهة القرية، لتغطية الشمس بالغربال كما يقال.

وجوه محروقة

تصدق كلام هذا الشاب حين ترى وجوه أطفال الجازية التي أحرقتها أشعة الشمس، وتقاسيمها التي تعبر عن كل شيء سوى عن ملامح البراءة، وأجسامهم الهزيلة، وثيابهم الرثة والقديمة، لأنهم أطفال يحملون هموم أمهاتهم وآبائهم، فكثير منهم يتقاسم معهم مسؤولية جلب الحطب من الغابات المجاورة، تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي أيام البرد القارص، مثلما يتقاسمون معهم الجوع ويرثون معهم اليأس من الغد المنتظر.

صورة أطفال الجازية لا تختلف عن صور الأطفال الذين نشاهدهم في الأشرطة الوثائقية القديمة باللون الأبيض والأسود، عن الثورة الجزائرية، والله قد يخيل للناظر أنه في سنوات الخمسينيات، في إحدى « المداشر » التي أبادتها فرنسا الاستعمارية، وتركت الأطفال جياعا، يتامى ومشردين…

لقد طلبت من مرافقي أن يصفعني حتى أستفيق من هذا الكابوس، فنظر إليّ بحسرة وألم، وعلق على ملاحظتي قائلا: « إن عجلة الزمن تشتغل وتعود إلى الماضي في الأفلام الأمريكية فقط، وما تشاهده عينك هو الواقع، إنك هنا بالجزائر ».

تصوروا أن بعض الأطفال الذين اقتربت منهم وسألتهم عن الدراسة، أجابوني أنها لا تعني لهم شيئا، وأعتقد أنهم يفضلون ثقل الحطب على ثقل محافظ منظومة بن بوزيد، فالأفضلية هنا للدفء وما قد يدره الحطب من مال لأسرهم الفقيرة.

في الجازية، يسكن الكثير من المواطنين بيوتا طوبية وزعتها عليهم البلدية، هي في الحقيقة أشبه بالبيوت القصديرية التي تحاربها الدولة في المدن الكبرى كالعاصمة. ورغم أن المنطقة رعوية بدرجة أولى، إلا أن السكان لا يحترفون الرعي، رغم أن أراضيها لا تنتج إلا تبنا، خاصة أن ولاية أم البواقي هذه السنة سجلت إنتاجا وفيرا في الأعلاف، والقمح والشعير، والمتجول فيها قبل موسم الحصاد يشاهد بأم عينه غزارة هذا الإنتاج الفلاحي.

برنامج أممي غير ملموس

صنف خبراء الأمم المتحدة الجازية سنة 2000 من بين أفقر بلديات الجزائر، وأنجزوا خبرة حول الوضع الاجتماعي للسكان، بوصاية من وزارة التضامن الوطني، شملت ثلاث مشاتي هي مشتة « الجازية »، « هنشير ولد عرامة » و »الفرن »، ووضعوا على أساسها برنامج عمل مداه خمس سنوات.

وبحسب أبناء الجازية، البرنامج لم ينعكس على ظروفهم المعيشية التي تزداد سوء، فبينما يقولون إنهم لم يرو شيئا من هذا البرنامج، يقول السيد شوية طه حسين، نائب بمجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الولائي بأم البواقي لعهدتين، وطبيب التكوين، في اتصال هاتفي به، إن الجازية استفادت من الكثير من البرامج ذات الصلة بتحسين الأوضاع المعيشية، وقطعت بفعل هذه المشاريع الكثير من الأشواط، بدأت بسياسة فك العزلة عنها، عن طريق شق الطرقات المؤدية إليها وتعبيدها (وهذه حقيقة وقفنا عليها)، وتوصيل غاز المدينة، مع إعفاء المواطنين من دفع مساهماتهم المالية كما هو معمول به في كل مناطق الوطن.

وقال السيناتور في تصريحه إن هذه البلدية ذات الطابع الريفي تتجه بفضل هذه البرامج لتصبح شبه حضارية، وهو ما يجب أن تصبح عليه في المرحلة الحالية، وتدأب السلطات المحلية على تحقيقه، حيث وفرت أكثر من 300 سكن ريفي و30 سكن جماعي في الحصة الأخيرة التي استفادوا منها، زائد السكنات الاجتماعية والسوق البلدي ومدارس ومتوسطة. كما حرص المتحدث خلال عهدته في المجلس الشعبي الولائي على إنشاء مركز صحي وتوفير سيارة إسعاف، وسيارة رباعية الدفع لرئيس البلدية الحالي، للتنقل بين المواطنين ومعرفة انشغالاتهم، مؤكدا أن المير دائم الاحتكاك بالمواطنين، ويعرف همومهم واحدا بواحد.

ويفهم من كلام السيناتور الذي تحدثنا إليه، في غياب رئيس البلدية الذي لم نتمكن من محادثته لأنه كان في عطلة، أن الجازية تغيرت كثيرا، ومشكلها الأهم هو البطالة المتفشية بشكل كبير. وهنا، عاتب شوية طه حسين الكثير من الموطنين الذين يبحثون عن الكسب السهل، لأنهم تخلوا عن المشاريع المصغرة التي استفادوا منها لتربية الأبقار والأغنام، وباعوا ماشيتهم لاقتناء درجات نارية للتنقل أو أمور أخرى تعد كماليات بالنسبة لهم، ولا علاقة لها بتحسين المستوى المعيشي.

وإذ يعترف السيناتور بحجم مشكل البطالة الذي صنفه المواطنون الذين تحدثنا إليهم في مقدمة مشاكلهم، إلا أنه وضح أن بعضا من إطارات الجازية تم توظيفها في جهات أخرى، مضيفا أن المنتخبين المحليين واعون بكل الأوضاع ويعملون على تحسينها قدر المستطاع، ولم تعد الجازية منطقة منسية كما يعتقد أبناؤها.

قبل أن أعود أدراجي إلى عين البيضاء، أنصت كثيرا لانشغالات السكان وخاصة فئة الشباب، الذين تبدو ملامح الفقر المدقع على وجوههم وهندامهم، ورأيتهم يائسين من حالهم، هم لا يتحدثون لا في السياسة ولا في الرياضة ولا عن أي شيء آخر، لا يجتمعون ليتناقشوا حول أوضاع البلاد، فقط لأنهم جياع متشردون في جازيتهم، تائهون بين الماضي الاستعماري وجزائرهم المستقلة التي لا يتمتعون فيها بكرامتهم وعزتهم، وصدق أحدهم حين أطلق على الجازية تسمية « غزة الجزائر »، وطلب مني أن أدعو كل الجزائريين لتنظيم قافلة لفك الحصار عنها. فهل يتحقق ذلك؟

كريمة بوعباش


Nombre de lectures : 1781
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique