Édition du
25 July 2017

الازمة الامنية الجزائرية.. حلول حمار الطاحونة

الازمة الامنية الجزائرية.. حلول حمار الطاحونة!

خضير بوقايلة’

2010-09-14 القدس العربي

السلطات الجزائرية حائرة في كيفية التعامل مع أزمتها الأمنية، مرة باستعمال أشد الأسلحة فتكا ومرة بالتلويح بسيف الحجاج الذي لم يغادر يوما غمده ومرة بإقرار قوانين عفو وصفقات تصالح مع المسلحين، سياسات متناقضة رغم إصرار الحكومة على أنها متكاملة، وسياسة التخبط والارتباك لا يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى طريق مسدود. آخر حلقة في مسلسل المصالحة المكسيكي الجزائري كانت الإعلان عن نداء تبناه الأمير السابق للتنظيم الجزائري المسلح الجماعة السلفية للدعوة والقتال حسان حطاب ومجموعة من رفقائه إضافة إلى أحد مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، النداء يدعو علماء ومفكري الأمة إلى تبني ما أسموه (المبادرة الشرعية السلمية الحضارية) وهي عبارة عن دعوة إلى من تبقى من حملة السلاح في الجماعات الإسلامية المسلحة المختلفة إلى الانخراط في (هدنة دائمة) ومراجعة الذات مقابل ضمان عودتهم إلى أحضان المجتمع واستعادة ما ضاع منهم من حقوق، كما يدعو النداء (علماء الأمة المحمدية في عامة الأقطار والديار الإسلامية) إلى تبني المبادرة والمساهمة في إنجاحها.
وحتى لا يتهمني أحد بإثارة الفتنة أو معارضة مساعي السلم والمصالحة العديدة والمتعددة في الجزائر أقول إنني أؤيد هذه المبادرة حتى قبل أن يعلن عنها ولو أنني رُزقت صفة الانتماء إلى علماء الأمة المحمدية لما تأخرت لحظة واحدة في تأييد المبادرة والتشهير لها في كل منبر يتاح لي. لكن مع ذلك دعونا نذكر القارئ الذي أعياه تسارع وتناقض ما يجري على الساحة السياسية والأمنية في الجزائر ببعض الحقائق ومنها أن مسار المصالحة والوفاق الوطني لم يكن أبدا محل إجماع داخل دواليب الحكم في البلد، وهذا ليس ادعاء مغرضا مني بل هو اعتراف صريح كثيرا ما ردده صاحب الفخامة رئيس الجمهورية الجزائرية لعل آخرها ما قاله بمناسبة إطلاق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية قبل خمس سنوات عندما أكد أن ما ورد في الميثاق المعروض على الاستفتاء الشعبي كان أقصى ما يمكن أن يقدم في الموضوع ثم اعترافه بتعرضه لضغوط يومية من جماعة الحل والربط بسبب التنازلات التي قدمها ضمن الميثاق لعناصر الجماعات المسلحة. والرئيس بوتفليقة ليس وحده الذي تعرض لضغوط بسبب محاولته تبني سياسة مصالحة وعفو عن المتشددين والإرهابيين، كما أن استمراره في منصبه فترة وثانية ثم ثالثة لم يكن ليكون لولا حسن تعامله مع أصحاب القرار، فقد حاول في البداية الظهور كمحترف في لعبة التوازنات قبل أن يتراجع شيئا فشيئا لتحول حليفا قويا مع الطرف الأقوى. الحقيقة الثانية هي أن السيد حسان حطاب الأمير السابق للجماعة السلفية للدعوة والقتال وأحد مؤسسيها البارزين كان قبل خمس سنوات أو ربما أكثر قد انخرط في مسعى المصالحة الوطنية التي أقرتها السلطات وقد مر بمرحلة الكتمان ثم مرحلة الظهور بعد أن قرر وريثه على رأس الجماعة النشاط تحت المسمى الحداثي الجديد للعمل المسلح فتحولت الجماعة السلفية إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وهي تسمية يبدو أنها أعجبت الكثيرين وأرعبت آخرين كثيرين أيضا. والسيد حسان حطاب لمن لا يعرف موجود بين أحضان السلطة منذ ثلاث سنوات على الأقل، وضعه قد يكون مشابها لوضع أصحاب الأعراف، لا هو في بيته يأكل الطعام مع أهله وأصحابه ويمشي في الأسواق ولا في السجن مع كثير من زملائه وتلاميذه وأزلامه. لو سألتم وزير العدل عنه (هو يرفض الخوض في هذا الموضوع أصلا) لقال إنه رسميا ملاحق من طرف العدالة ورأسه لا زال يساوي الملايين لمن يقبض عليه أو يدل عنه وفي كل دورة للمحاكم الجنائية يرد اسم السيد حسان حطاب ضمن قائمة المطلوبين للعدالة بتهمة الإرهاب وأمام اسمه توضع ملاحظة (في حالة فرار)، مع أن الجميع يعلم أن مهمة الرجل في الجبال انتهت فعلا وهو يقيم معززا مكرّما في مكان آمن تحت حماية رسمية من عناصر الأمن. هل تجدون لهذا تفسيرا آخر غير التناقض والتخبط في كيفية التعامل مع الملف الأمني؟ رجل لا يزال ملاحقا من طرف قضاء بلده بتهم الإرهاب والقتل والحرق والتفجير وقيادة تنظيم مسلح وفي نفس الوقت تسخر له سلطات نفس البلد أفضل وخيرة رجال الأمن فيها لحمايته والسهر على أمنه وتوفير إقامة لائقة وفاخرة له ولمقربيه، ومع ذلك لا تبدو السلطات المعنية محرجة بهذه القضية، والسيد حطاب ليس وحده، بل هناك آخرون في نفس وضعه، ملاحقون من طرف القضاء بتهم خطيرة ويعيشون بأمان في ضيافة الدولة، لعل أبرزهم الرجل الثاني السابق في تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال السيد عماري صايفي المدعو عبد الرزاق البارا (المظلي) نسبة إلى صفته السابقة في الجيش الجزائري.
مبادرة السيد حطاب الأخيرة التي أعلن عنها عشية عيد الفطر المبارك لم تسرب عبر موقع جهادي ولا عبر قناة الجزيرة ولا عبر صحيفة محلية خاصة، بل أعلن عنها عبر أثير الإذاعة الرسمية الجزائرية التي بثت نص النداء بالصوت كما تلاه أحد (تائبي) الجماعة، ولمن لا يعرف كيف يسير الإعلام الرسمي في الجزائر نقول إنه يشبه كثيرا الإعلام في كوبا أو في الاتحاد السوفياتي سابقا، وهذا معناه أيضا أن نداء مثل هذا لا يمكن بثه في الإذاعة الرسمية ثم عبر وكالة الأنباء الحكومية لو لم يكن نداء مباركا (وهذا أقل وصف يمكن إطلاقه) من طرف جهات الحكم في البلد، وقد تردد بعد ذلك أن الحكومة ممثلة في وزارة الشؤون الدينية سارعت إلى إعلان تأييدها للمبادرة المباركة وقررت أن تخصص خطب يوم الجمعة القادم وتلك التي تليها لهذا الموضوع حتى يحدث حوله الزخم المطلوب لعل من بقي من المسلحين يثوبون إلى رشدهم ويلعنون الشيطان ويجنحون للسلم.
لماذا سمحت السلطات بنشر هذا النداء على منبر رسمي كالإذاعة الوطنية ووكالة الأنباء الرسمية؟ لا نسأل عن صاحب المبادرة الأصلي هل هو السيد حطاب ورفقاؤه أم السلطة فهذا سؤال لا يجدي نفعا، ما دام هناك إقبال وتجاوب رسمي مع النداء، لكن من حقنا أن نسأل السلطة أو أصحاب الحل والعقد هل هم جادون في أمر المصالحة وهل هم يبغون فعلا حلا نهائيا لأزمة العنف المسلح الذي ينخر البلد منذ عشرين عاما؟ لا أقول كما يقول بعض المعارضين إن الأزمة سياسية وحلها سياسي ولا بد من بسط رداء الحوار والمشاركة في حل الأزمة إلى جميع الشركاء السياسيين الحقيقيين في البلد، لكني أبقى مع مبادرة السيد حطاب وأسأل لماذا فضل رجال الحكم بث النداء عبر الإذاعة ولم يشركوا معهم التلفزيون الذي هو أشد تأثيرا من الراديو ومن وكالة الأنباء؟
لماذا لم يأمروا مدير التلفزيون فيوجه الدعوة إلى السيد حسان حطاب وزملائه الموقعين على البيان للحضور إلى استوديو التلفزيون أو يتنقل فريق من المؤسسة الإعلامية الحكومية الرسمية إلى مقر إقامة السيد حطاب وهي ليست بعيدة بالمناسبة، فيفسحون لهم المجال لإطلاق مبادرتهم ومناقشتها والإجابة على ما يمكن أن يطرح من تأويلات حولها، ولا بأس أن يكون ذلك بحضور وزير الشؤون الدينية ولا بأس أيضا أن يتم ذلك على حلقات متواصلة تمتد ما لزم لها من الوقت؟ ثم ما جدوى مثل هذه المبادرة وقد سبقتها مبادرة سابقة من نفس السيد حسان حطاب قبل سنة أو أقل ولم يلمس الجزائريون من ورائها شيئا يذكر، على الأقل فيما يخص إطلاق سراح هذا البطل المغوار وتمكينه من حريته ومن جواز سفر جديد ليكون عبرة محفزة لزملائه الذين ما زالوا مترددين أو خائفين أو منتظرين؟ لماذا تدعو مبادرة السيد حطاب الأخيرة علماء الأمة المحمدية في عامة الأقطار والديار الإسلامية لحشد مساعيهم وإطلاق فتاواهم من أجل إفهام الشباب المغرر بهم أن العمل المسلح في بلد كالجزائر ليس من الجهاد في شيء، وقد سبق لعلماء كبيري الشأن في هذا المجال الجهادي أن أعلنوا رأيهم وأفتوا بحرمة جهاد الجماعة السلفية وأخواتها ومن هؤلاء يمكن أن نذكر المرحومين ابن عثيمين وابن باز والألباني؟ بل لماذا قررت السلطات هذه المرة السماح بالاستنجاد بعلماء الخارج وهي التي تصر في كل مرة على التأكيد أنها ترفض أي تدخل خارجي في شؤون البلد الداخلية والأزمة الأمنية داخلية ومحلية محضة؟ وإذا كان هذا هو الاختيار الأخير وقناعة السلطة فلماذا لا ترفع من مستوى طلب التدخل فتطلب مثلا من الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن يعين مبعوثه للسلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل وسيطا بين السلطة والتنظيمات المسلحة في الجزائر فينتهي بنا المطاف إلى مشاهدة مفاوضات مباشرة بين الطرفين قد تفضي إلى سلام نهائي وحقيقي في الجزائر؟ أيضا إذا كانت السلطة مقتنعة بجدوى مبادرة السيد حطاب ووزنه ورفقائه داخل أوساط الجماعات المسلحة النشطة فلماذا لا تعينه رسميا وسيطا بينها وبينه فترفع عنه المتابعة القضائية أولا ثم يكلفه صاحب الفخامة بحقيبة وزارة المصالحة الوطنية أو وزارة مكافحة الإرهاب أو كلتيهما معا، فنرى وزيرا متمرسا سابقا في العمل الإرهابي يبذل حياته من أجل تكريس السلم والمصالحة في الجزائر؟
الجزائر جربت حلولا كثيرة لمعالجة الأزمة الأمنية، القمع الشامل وقانون الطوارئ ثم المصالحة المحتشمة وغيرها من أنصاف الحلول، وقد فشلت كلها في إعادة سلام شامل إلى ربوع الجزائر. فإذا أراد أحد الآن أن يطرح حلا أو مبادرة جديدة فلا بد أن تكون على أسس واضحة وشفافة ومختلفة تماما عن الحلول الترقيعية والمنحازة الأخرى وإلا فدعوا المسألة للوقت ولمن يأتي من بعد ويملك شجاعة كافية لرد الاعتبار إلى نفوس الجزائريين الذين سئموا وكادوا ييأسون من المبادرات والحلول التي تحاك من وراء حجاب ولا أحد يعلم منتهاها ولا مبتغاها، وقد صارت كما يقال كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح.

‘ كاتب وصحافي جزائري
kbougaila@gmail.com


Nombre de lectures : 1244
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique