Édition du
22 July 2017

قولوا ما شئتم: تلفزيون بلادي هو الأسوأ!

القدس العربي

توفيق رباحي

2010-09-23

ـ منذ تورطت بهذه الزاوية قبل تسع سنوات ونيّف وأنا ‘أشتغل’ بالحد الأدنى من حيث المشاهدة التلفزيونية. وفي المشرق قالوا: الشاطرة تغزل برجل حمار! ذلك أن ‘الهوائي المقعّر’ الذي بحوزتي لا يلتقط إلا قمرين صناعيين هما ‘هوت بيرد’ و’آسترا’.
الأول مقبول الى حد ما (في انتظار أن تنسحب القنوات التي أشرفها بمشاهدتها من خلاله كي أطلقه أنا أيضا)، أما الثاني فيا خسارة وجوده لولا أنه يسحب لك قنوات تزيد من ثقافتك في الجغرافيا بحيث تعرّفك على دول تجهل وجودها أو اختفت أسماؤها من ذاكرتك منذ أيام المدرسة. بفضله، وفي لحظات الملل والإحباط، أجد نفسي أشاهد تلفزيون سورينام وكوسوفو وبلغاريا والبرتغال وكازاخستان. قليل من العزاء أيضا في كون هذا القمر الصناعي يسحب ‘سكاي نيوز’ البريطانية و’سي ان ان’ الأمريكية اللتين أتمنى أن تختفيا منه كي أجد ذريعة تجعلني أطلّقه بالثلاث.
أحاول أن أغزل بالموجود، والموجود رجل حمار، كما قلت! أفعل مثل صحف الفضائح البريطانية عندما تطلب من قرائها موافاتها بقصص وموضوعات تستحق النشر، مقابل مكافأة مالية مغرية. وتستثير الصحف همم قرائها بإبلاغهم أنهم لن يتحملوا حتى ثمن المكالمة التلفونية: لا تقلق على ثمن الاتصال.. كلّمنا ونحن نعاود الاتصال بك. هكذا تقول نهاية النداء، رغم أن أغلب المكالمات الداخلية أصبحت بالمجان بفعل الاشتراكات المكثفة في شبكات الهاتف الجوال مقابل مبلغ شهري متفق عليه يعطيك كمّاً هائلا من الوقت للثرثرة والرغي، حتى أصبحت اشاهد أناسا مثل المجانين في الشارع يقبضون بالهاتف الجوّال بين الأذن وأعلى الكتف ويتكلمون من دون انقطاع.
وعند هذه الصحف، كلما كانت الفضيحة مسيلة للعرق أكثر، كانت المكافأة المالية أكبر تجعل بنات يافعات يتباهين بفجورهن ويشرحن أدق تفاصيل ما فعلنه في السرير مع الرياضي أو الفنان أو السياسي فلان (آخر الضحايا لاعب الكرة واين روني).
والنتيجة أن هذه الصحف تحفل بالقصص المثيرة والفضائح من كل نوع، بل لن أبالغ إذا قلت إن كل يوم أحد يخرب بيت أو تنتهي مسيرة سياسية أو فنية أو رياضية لشخصية عمومية.
أحاول أن أفعل مثل هؤلاء الناس مع أصدقائي وزملائي وجميعهم يعرفون أنني لا أتردد في طلب موضوع ‘أفتي’ فيه بهذه الزاوية، انطلاقا من إيماني بأن الحياة أخذ وعطاء، فهناك أناس لديهم أفكار لا يجدون مساحة لنشرها، وأناس لديهم مساحات لا يجدون أفكارا تملؤها (في بعض الأحيان مثلي، وليس دائما!!).
الفرق بيني وبين الصحف البريطانية هو انني لا أُسقط رؤوسا ولا أخرب بيوتا، وكذلك لن أدفع مقابلا ماديا، بل أنتظر أن يدفعوا هم لي لقاء أن أنشر أفكارهم.. يعني ‘احنا تع باب ربي’، كما يقول الإخوة التونسيون، نكتفي بـ’سعيكم مشكور’.
الحمد لله على نعمة الحياء، وربما الفقر، ولو أن عليّا كرّم الله وجهه توعد بقتله لو كان رجلا. أنا في هذه الحالة أشكره بدل أن أقتله، وإلا نشرتُ ونشرت هذه الصحيفة ما يمنعكم من إدخالها الى بيوتكم. من أفضال السيد الفقر أننا لم ولن نصل الى مثل ما تصل إليه هذه الصحف التي لا تأخذها في الحق لومة لائم، وفي المقابل لا تتورع عن نشر ما يستحي المرء من قراءته وهو مع ظله.
وكان ثمرة هذا الأخذ والعطاء، هذه الأفكار المبعثرة:

اكتشاف تشاد!

ـ أحد هؤلاء الخيّرين أبلغني بأن دولة تشاد (نعم تشاد كما قرأتم، لا يوجد خطأ) تمتلك قناة فضائية، و’طرّش’ أذنيّ بمحاولة اقناعي بمشاهدتها، لا لشيء إلا لأثبت لنفسي بأنها أفضل من التلفزيون الجزائري.
شعرت بأن هذا ‘الأخ’ يستخف بذكائي متناسيا أنني فقدت الإيمان بالتلفزيون الجزائري وبالذين اختطفوه مثل طائرة في غفلة من ركابها. لذا أمضيت السنوات الأخيرة من عمري أنتقده بدون كلل، رغم أن الضرب في الميت حرام!
كان جوابي أنني لن أُفاجأ إذا ما تأكدت من أن تلفزيون تشاد أفضل شكلا ومضمونا من التلفزيون الجزائري. أنا من المؤمنين بأن هذا الأخير هو أسوأ الموجود، رغم أن أصدقائي والذين يراسلونني من الليبيين والتونسيين والسوريين والمصريين (قبل حرب البسوس وصلح الحديبية) وغيرهم يراسلونني وكل واحد مصرّ على أن تلفزيون بلاده هو الأسوأ.. كأنه سباق نحو القاع. قولوا ما شئتم، أما أنا فمقتنع تماما بأن تلفزيون بلادي هو الأسوأ.. هذا رأيي قبل ويوم وبعد أن اكتشف تلفزيون تشاد (وإن عدتم عدنا).

القناة السرية

ـ صديق آخر أمضى ثلاثة أسابيع سائحا في تركيا، متنقلا بين فنادق الثلاث والخمس نجوم، فجاءني مشتكيا من أنه لم يشاهد القناة التركية الناطقة بالعربية. وهذا الصديق من الذين لا تفوتهم شاردة أو واردة في هذه المهنة الزفت التي نحن فيها، لكن القناة التركية فاتته، ما يعني أنها فعلا غير موجودة، أو أنها تبث من تحت الأرض لتحت الأرض.
تساءل صاحبي لماذا لا يفكر مسؤولو هذه القناة في استغلال فرصة تدفق العرب إليهم فيروجون لقناتهم انطلاقا من بلدهم تركيا، علهم يعرّفون هذه التركية العربية بمن يفترض أنهم مشاهدوها ـ زبائنها ـ الرئيسيون. ثم حكم بأن هذه القناة ليست اخبارية ولا طموح لها في منافسة أية قناة عربية، ‘لكن ان تبقى هكذا تمارس عملها في سرية تامة بعيدا عن أعين العرب فأرى أن زوالها خير من بقائها’.
قولي هو ان هذه القناة التحقت بركب القنوات التي أُطلقت خارج المنطقة العربية الموبوءة تستهدف المشاهد العربي المسكين، فلم تعرف ماذا تريد بالضبط، والأخطر لم تحدد بوضوح هل هي أجنبية ناطقة بالعربية أم عربية ناطقة بلغات أجنبية.
والقائمة هنا تبدأ من لندن وتنتهي في طهران مرورا بموسكو وباريس وواشنطن واسطمبول.

يقول المريب خذوني

ـ زميلة طيبة أبلغتني مستاءة مما فعله مقص التلفزيون الجزائري بمسلسل ‘ذاكرة الجسد’. قالت إنهم مزقوا كل ما له علاقة بالفساد واستغلال النفوذ وسطوة أهل الحكم على ‘شعيب الخديم’.
كدت أرد بأن المسلسل يتطاول على الجزائر الجنة ويختلق مسائل الفساد والظلم و’الحُقرة’ فيها، لكن بقليل من الجد أقول إنهم لم يقصدوا الثمانينات بمقصهم، بل اليوم، لأن المريب يكاد أن يقول خذوني، فمن كثرة ما عاثوا فيها فسادا اليوم، أحسوا أن ‘ذاكرة الجسد’ تفضحهم فندبوا للمسلسل بتلك الطريقة.
آه كم اشتاق الى أواخر الثمانينات.

يقذفن كلمات!

ـ رجل طيب آخر سألني ببراءة: هل تدفع قناة ‘العربية’ لمذيعات برامج المال والاقتصاد بالكلمة؟ سألته لماذا فقال: إنهن يتكلمن بسرعة فائقة وكأن هناك لجنة تحكيم تحصي لهن كم من كلمة في كم من ثانية، ثم تكافئ كل واحدة على قدر ما ‘قذفت’ من كلمات.

مسلسل سخيف

ـ زميل لندني حاول أن يلفت انتباهي الى أن التلفزيونات البريطانية لم تول اهتماما كبيرا لموضوع الجزائريين الذين اعتُقلوا للاشتباه في تخطيطهم لضرب زيارة البابا الى لندن.
اجتهد ثم استنتج أن القائمين على هذه التلفزيونات أيقنوا أن العملية كلها (الاعتقال وما روجت له صحف اليمين) مجرد تلفيقة لرفع قليل من الحرج والضغط الذي أحاط بالبابا وهو في زيارته للندن.
سئلت في مقابلة إذاعية عن الموضوع، فقلت: سيُفرج عنهم قبل أن تحلّق طائرة البابا في سماء لندن مغادرة.. فهذا مسلسل سخيف يتكرر باستمرار منذ بداية الألفية، نحن مللنا منه لكن الواقفين وراءه لم يملوا بعد.
بصراحة، هذه سخافة وظلم وتعد على حياة وحريات هؤلاء الذين في كل مرة يُعتقلون بفضائح ثم يُفرج عنهم لاحقا في صمت، لا اعتذار ولا تصويب ولا اعتراف بالخطأ.
إنها ممارسات تستحق الشجب والإدانة.. بصراحة (وربما وقاحة): فكّوا عن ….ـنا.
كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’


Nombre de lectures : 1260
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Abdelkader DEHBI
    25 septembre 2010 at 7 h 25 min - Reply

    فـي حـد ذاتـه، فـإنٌ مـجـرٌد الـكـلام عـمٌـا يُـسـمٌـى ب « الـتـلـفـزيـون الـجـزائـري » – أكـرمـكـم الله – هـو كـلام فـحـش وإهـدار للـوقـت وضـيـاع للـجـدٌ واعـتـداء عـلـى آداب الـمـجـالـس — وهـذا الـحـكـم الـذي يـبـدوا قـاصـيـا، هـو حـكـم الـجـمـهـور عـلـي الإطـلاق.




    0
  • Lotfi150
    28 septembre 2010 at 12 h 44 min - Reply
  • Congrès du Changement Démocratique