Édition du
26 July 2017

لكي نتفادى جيلا من 'الدراويش': دعوة للعصيان 'ضد التلفزيون'

القدس العربي

2010-09-30

توفيق رباحي


– لا أحتفظ في ذاكرتي بأرقام عن النشر والترجمة والقراءة واستهلاك الكتب في الدول العربية منفردة ومجتمعة. لكنني أذكر أنني قرأت مرارا أن ما يترجمه العرب مجتمعون سنويا يقل عمّا تترجمه اليونان وحدها، وما تقرأه اسبانيا منفردة يفوق ما يقرأه العرب مجتمعون (رغم أن اسبانيا مصنفة من الدول التي لا تقرأ، مقارنة بشقيقاتها الأوروبيات، بسبب الأمية الموروثة من عهد الديكتاتور فرانكو).
عندما يفتح المرء صفحات هذا الموضوع، وفي غياب ثقافة وموضوعات ومنتوج القراءة في الدول العربية، يقفز بسرعة الى ذهنه سؤال عن مصدر (أو مصادر) التغذية الروحية والثقافية والفكرية المتبقية للعرب، أفرادا ومجتمعات ودولا.
الجواب جاهز ولا يحتاج الى بحث شاق: التلفزيون (جينا ليها)!
هذه هي الكارثة. شعوب جعلت من وسيلة تسلية وترفيه (وأحيانا عبث) مصدر ثقافتها وعلمها ومعلوماتها. وسيلة لا تكلف شيئا، لا مالا ولا أدنى جهد ذهني أو عضلي، والدنيا علّمتنا أن لا شيء بالمجان.
والأسوأ انه هو مصدر الثقافة والمعلومات الوحيد، نتلقى منه كل شيء وننتظر منه كل شيء. ونحلم أن يعوّضنا عن خسائرنا ومَواطن عجزنا ويؤدي أدوارا تقاعسنا عنها كأن ينتقد حكاما نعجز عن انتقادهم (ولمَ لا الإطاحة بهم).
من يقتنع بهذا الكلام يدرك لماذا يهاجم كثير من العرب قناة ‘الجزيرة’ لأنها غطت الموضوع كذا بالشكل كذا، أو لم تغط الموضوع كذا وهو مهم ومصيري! وفي كل الأحوال هو ليس عتبا أو نقدا على أنها لم تقم بـ’الواجب’ بالطريقة الصحيحة، إنما لأنها لم تقم به بالطريقة التي تمناها أولئك الناس.
أنا من المقتنعين بهذا الكلام وأدافع عنه باستماتة. لهذا كثيرا ما فكرت بأن أطلب من مذيعين مثل فيصل القاسم أن يسنّوا شروطا وبنودا لسير برامجهم.
إذا أخذنا نموذج القاسم، باعتبار أن برنامجه هو الأشهر، كما يقال لنا، فبوَدّي أن أقترح عليه، ضمن هذه البنود أو الشروط، أن يمنع المشاركين في برنامجه من إحضار نصوص ومقالات وأرقام للاستشهاد بها دفاعا عن فكرة ما.
قد يبدو لكم الأمر سطحيا وغير ذي أهمية، لكن تحملوني الى الأخير وسنرى مع بعض.
لم أعد أطيق رؤية ضيف يمسك بيده ورقة، ثم يعدل نظاراته ويبدأ بتلاوة نص معين يعتقد أنه الوحيد الذي وصل إليه، وأنه سيقوّي أداءه في النقاش، فيقول: يا أخي، هذا الكاتب الاسرائيلي فلان بن فلان قال كذا وكذا. وآخر يرد ملوحا بأوراق: هناك صحافي برازيلي نشر مقالا فيه وفيه.. وثالث يزعم مفتخرا أن بحوزته احصاءات خطيرة (هي في الأغلب معلومات موجودة على النت) الى آخره من طرق الجدل.
وهي اقتباسات مبتورة من نصوصها الأصلية على طريقة ‘لا تقربوا الصلاة’. وفي الغالب غير محددة الزمان والمكان، علاوة على الشكوك التي تحوم حول أصحابها ومصداقيتهم، بل يحق للمرء أن يسأل أحيانا هل هذه النصوص موجودة فعلا.
لا أطيق الأمر ليس لأسباب شخصية. لو كانت الأمور كذلك لسهلت، يكفي أن أتحوّل الى قناة أخرى وكفى الله المؤمنين شر القتال، إنما شعور بأن هناك من المشاهدين، وأتوقع أنهم كثُر، يأخذون تلك النصوص والاقتباسات مأخذ الجد طالما أنها ذُكرت في التلفزيون، ولا مصدر آخر لمعلوماتهم لإثبات ما قيل أو نفيه.
أتذكر دائما أن مَن أعرف من عامة الناس يستشهدون في أحاديثهم بما سمعوا وشاهدوا في التلفزيون. وكثيرا ما سمعت من والدتي عبارة ‘قالوا في التلفزيون’. أما الذين نجوا من الأمية، فعلاوة على التلفزيون، يسوّقون لك أفكارهم بـ: حطّوها في الجرنان (الجريدة)!
كما أستطيع أن أُسقطِ تجربة شخصية على هذا الأمر. كنا صبية ومراهقين نلتقي صباح كل يوم قبيل الدخول الى أقسام الدراسة ـ وحتى الجامعة لاحقا ـ نعيد مناقشة ما قيل في التلفزيون الجزائري الليلة الماضية. قد يكون الموضوع رياضيا أو ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا، لا يهم. الذي يهم هو أننا في كل الأحوال كنا نبدأ النقاش من الفكرة أو المعلومة على أنها صحيحة واكيدة، ثم ننطلق.
هذا الذي جعل أجيالا من الجزائريين لُقنت معلومات غير دقيقة (حتى لا أقول كاذبة) وكبرت على أوهام وأساطير (بفضل) التلفزيون. وأستطيع أن أجزم بأن الأمر ينسحب على المجتمعات العربية الأخرى وبأن هناك من هو أسوأ من الجزائر.
كان هذا قبل ربع قرن وأكثر، والجزائريون يستقبلون قناة واحدة تبدأ البث في العصر وتتوقف في منتصف الليل. تخيّلوا الأمر اليوم مع مئات القنوات تدخل بيوت الناس، بعضها بقوة ‘الجزيرة’، وضيوف تُزين أسماؤهم في أسفل الشاشة بألقاب في الدراسات والاستراتيجية والفكر السياسي وغيرها من العبارات الطنانة.
يجب الاعتراف بأن لجهاز التلفزيون مفعولا سحريا في كل المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات التي تقرأ ولديها أشياء أخرى تفعلها في يومها وليلها، فما بالك بمجتمعاتنا. ولن يغيّر من الأمر شيء كوني أكتب وزملائي بهذه الزاوية مئات المقالات محاولين إثبات العكس. هناك واقع أقوى منا جميعا.. واقع أن التلفزيون سلاح رهيب، وهذا أحد الأسباب التي تجعل ‘الجماعة’ تتمسك به حتى الرمق الأخير لأنها تحكم شعوبها به، و’الجماعة’ عندما يطيحون بنظام حكم ما يستولون على مبنى التلفزيون قبل قصر الرئاسة ومبنى وزارة الدفاع.
أسمع بينكم سائلا يسأل: هذا وصف حال.. والحل؟ هناك حلول لكنها تشبه الثورات إذا استطعتم إليها سبيلا. أولها أن يفقد الناس قليلا من الثقة في التلفزيون حتى تتغير علاقة العبودية بينهم وبينه (لأول مرة يبدو لي فقدان الثقة بين جهتين مفيدا). ومن بشائر فقدان الثقة أن لا يصدّقوا كل شيء يقال لهم في التلفزيون (مهما كان اسم المحطة ومجدها). وكي يفقدوا هذه الثقة عليهم أن يدركوا ويقتنعوا بأن التلفزيون أداة تسلية وترفيه، وأحيانا ثرثرة وتهريج وإضاعة وقت بالنسبة لهم، ومصدر ربح ـ مادي أو معنوي أو الاثنين ـ لمن يملكونه ويديرونه. عليهم أن يقتنعوا بأن التلفزيون ليس واحدا من العائلة له الحق في المساهمة بتربية الأولاد (ولا يجب أن يكون)، ليس مدرسة (ولا يجب أن يكونها)، وليس مسجدا (ولا يجب أن يكونه)، وليس حزبا سياسيا (ولا يجب أن يكونه). عليهم أن يتعلموا رفض ومساءلة ما يسمعون ويشاهدون، بما في ذلك ما يرد إليهم في برامج شيوخ الإفتاء. أزيد، ولو بدا ذلك نوعا من الترف، أن عليهم أن يكتسبوا عادة القراءة (حتى لو صعب عليهم أن يجدوا ما يقرأون).
باختصار، عليهم أن يتعلموا الانعتاق وكيف يكونون أحرارا.
قد تبدو هذه دعوة لحالة عصيان وتمرد على التلفزيون. أنا أتمناها بصدق وأحلم بأن أعيش طويلا حتى أرى هذا اليوم، لكنني أجدها أفلاطونية لأن بداخلي شعورا بأن القادم أسوأ، لكن سأكون سعيدا لو تحقق بعض ما فيها مؤقتا.
شخصيا، المسألة محسومة عندي. منذ زمن غير قصير، أغلب فترات مشاهدتي للتلفزيون تكون بالصوت مكتوما، أمر استغربته حرمي المصون في البدء ثم تآلفت معه. أما نشرات الأخبار فقد نسيت منذ متى لم أشاهد واحدة الى نهايتها.. أقوم بجولة عند البداية لمعرفة العناوين، ثم أنصرف غير آسف على شيء.
قلت مؤخرا لمسؤول بصحيفة جزائرية معروفة إن بعض الصحف تشتغل بطريقة سيكون من نتائجها بعد 20 سنة جيل من الدراويش (و’البهاليل’ ـ جمع بهلول ـ للقارئ الجزائري).
أخشى اليوم أن صناعة التلفزيون في العالم العربي هي بصدد تكوين أجيال من ‘البهاليل’ والمشوشين ذهنيا وربما المعتوهين، ما لم تتحقق حالة العصيان لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

الحرب الباردة

– الحرب مشتعلة تلفزيونيا بين السلطتين المغربية والجزائرية وكأننا في ذروة الحرب الباردة. حرب وقودها الناس والمحبة والأخوة بين شعبين قدرهما أن يعيشا هذا العبث الذي لا نرى له نهاية.
اللهمّ إهد هؤلاء القوم وانقذهم مما هم فيه.

الهزيع الثاني من الليل

– التحق الزميل والصديق عمرو عبد الحميد مذيعا لنشرات الأخبار بتلفزيون ‘بي بي سي’ العربي. عندما سألته متى ستكون أولى إطلالاته، أعطاني اليوم ثم أحس بأنه تسرع فاستدرك بعجل: لن أقول لك التوقيت حتى لا تتفرج!
أعرف بالتجربة (ولم أقل له هذا) أن الملتحقين حديثا بالشاشات ‘يُحشرون’ في الهزيع الثاني من الليل، حتى إذا أخطأوا أو ارتبكوا أو ارتعبوا، حدث ذلك والناس نيام.
أنا فعلا نمت تلك الليلة فربما نجا عمرو! لكن السؤال: هل نام سليم عزوز؟

‘ كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’


Nombre de lectures : 790
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • houda
    1 octobre 2010 at 22 h 22 min - Reply

    moi ça fait belle lurette que j’ai déserté la télé, en effet c’est un bourre-cerveau et une perte de temps lamentable, je préfère et de très loin lire que de m’abrutir devant une télé, que des mensonges et de la propagande, toutes les télés sans exceptions, aussi bien nationale que les autres
    il est temps de se ressaisir et choisir soi même ce qu’on veut et pas ce que veut de nous la propagande, c’est un moyen pernicieux de mener les gens en bateau




    0
  • Congrès du Changement Démocratique