Édition du
27 July 2017

..Too little too late ثورة الوزير على التلفزيون الأسير

القدس العربي

توفيق رباحي

2010-10-07



ـ بحثت طيلة الأيام الماضية في أرشيف الدول والحكومات، شخصيا ومستعينا بمن استطعت، عساني أجد وزير إعلام (أو غيره) يعتذر لشعبه عن برامج قدمها تلفزيون بلاده (الذي هو المشرف ولو نظريا عليه)، إلا الوزير الجزائري.
وزير الإعلام الجزائري، ناصر مهل (وهو صحافي سابق ترقى في المناصب داخل وخارج البلد) هو صاحب الاعتذار الفريد من نوعه. انتقد الوزير التلفزيون، ثم ذهب الى حد الاعتذار من الجزائريين عمّا قدّمه الأخير خلال شهر رمضان من برامج وانتاجات قال انها رديئة، ورأيي أنها مهينة والاعتذار خسارة فيها (ما رأي الصحف والصحافيين الذين نظموا مسابقات واستفتاءات لأفضل عمل تلفزيوني؟).
وأرفق الوزير اعتذاره بكلام ـ نشرته الصحف الجزائرية ـ يشبه الدعوة الى ثورة (في وعلى) التلفزيون الجزائري. لم أقرأ في كلام السيد الوزير أنه (أو الحكومة والسلطة ككل) يتحمل أي مسؤولية ـ ولو معنوية بحكم أنه حديث عهد بالمنصب ـ في القاع الذي نزل إليه التلفزيون.
أود بأن اذكر أنني كتبت الأسبوع قبل الماضي في هذا المكان أن التلفزيون الجزائري هو الأسوأ بين أقرانه، فثارت ثائرة مداحي البلاط فأمطروني برسائل العتب وحتى الشتم (بأسماء مستعارة طبعا)، حجتهم ـ دائما ـ أنني أهاجم الجزائر وأسيء لها لأنني أنتقد التلفزيون الجزائري. أنصحهم جميعا، خصوصا الذين هرب منهم قطار العمر وقطار الفُرص، الآن بأن يتشجعوا ويوجهوا نسخا من تلك الرسائل الى وزير الإعلام، لأنه هو أيضا شتم الجزائر وأساء لها بانتقاده التلفزيون طالما أن هذه الجزائر الكبيرة اختُزلت في ذلك التلفزيون الكسيح.
كان لا بد لي من هذا القوس. والآن لا أعرف هل أقول لسعادة الوزير شكرا على أنكم تذكرتم بأن هناك شعبا كاملا مقصيا من تلفزيون يعيش بضرائبه وثرواته، أم أنت (أنتم) السبب، أم ‘فاقوا’، أم ‘أنت متأخر بحربين’ (كما كتب جزائري في إحدى المدونات)، أم سبق إليها غيرك، أم أعطنا حلولا لا وصف حال، أم ماذا تنتظر لتفعل شيئا، أم هل هذا رأيك أو رأي السلطة ككل، أم أعيدوا للجزائريين تلفزيونهم يصلح حاله تلقائيا.. أم ماذا؟
هناك من يقول إن الوزير فعل ما فعل بعد أن ‘غسله’ صاحب الفخامة في اجتماع عمل ثنائي جمعهما مؤخرا.
على أية حال، مهما كان السبب، لن أعتبر ما بدر من الوزير موقفا شجاعا يستحق التنويه، هذا تحصيل حاصل لأن منتقدي التلفزيون هم 35 مليون جزائري يتقدمهم مدير التلفزيون ذاته والعاملون به. اسألوهم وستسمعون منهم دروسا في ما يجب أن تكون عليه الحال. لكن هناك قوة غيبية سحرية تشل الجميع وتمنع الإصلاح. أستطيع أن أشبه التلفزيون بالبلد ككل: هناك اجماع على تردي أحواله، لكن لا أحد يفعل شيئا معلوما ملموسا لإصلاح الحال. وعندما ألتقي وزراء ومسؤولين سابقين أسمع منهم نظريات رائعة في الحكم، وشكاوى من ‘الآخرين’ تجعلني أيأس من الانسان ذاته.
يعرف الجزائريون أن التلفزيون هو أول وأقوى أداة حكم. عندما تحدث إضرابات أو احتجاجات شعبية، تواجهها السلطة بقوات مكافحة الشغب في النهار وبنشرة أخبار التلفزيون في المساء. لذا يتندرون بالقول إن المناسبة الوحيدة التي يتذكرون فيها وجود حكومة وسلطة هي نشرة الأخبار. ويتردد بين الواعين والمسيسين منهم أن بداية نشرة الثامنة هي لحظة التفاف كل المسؤولين حول هذا الجهاز في انتظار مفاجآت تكون قد فاتتهم في النهار.
هذا هو واقع الحال في العشرين سنة الأخيرة، وربما من قبل. ويعرف كثير من الصحافيين والمهتمين أنه عندما ‘تشعل’ الحرب بين جماعة ‘الفوق’ ينعكس ذلك في التلفزيون. ويعرفون أن تغطية (لا تعجب، أو عدم تغطية) نشاط وزاري يمكن أن تكلّف مسؤول الأخبار كرسيه بسهولة، وقد حدث هذا. ويعرف المسؤولون والصحافيون أن إهمال نشاط وزير ما ـ تلفزيونيا ـ قد يعني حلول أجله في المنصب. ويروي عاملون في غرفة الأخبار قصصا طريفة عن وزراء ومسؤولين يتصلون بمسؤولي الأخبار توددا من أجل تغطية نشاط في اليوم التالي، أو للشكوى من ‘تهميش’ نشاطهم ذلك اليوم (ويحدث أن يتصل الوزير شخصيا وليس مساعدوه لأن الموضوع من الأهمية والقداسة بحيث يتطلب تدخل سيادته!). كما يحتفظون في ذاكرتهم بحكايات وزراء ومسؤولين يتصلون للشكوى لأن تغطية نشاطهم ذلك اليوم تمت من دون صوت، مثلا، أو كانت عشرا أو عشرين ثانية أقل من نشاط الوزير الآخر. ويروي صحافيون تلفزيونيون بمرارة كيف أن مسؤولين يتجاهلون وجودهم تماما ويتجهون الى مغازلة حامل الكاميرا. ويروي صحافيون أيضا كيف أن مصورين لؤماء أوهموا أكثر من مسؤول بأن الكاميرا تشتغل بينما هي مطفأة تماما، فراح سيادته يبتسم ويدلي بتصريحات مظفرة. وقد حضرت شخصيا، بصفتي صحافيا، نشاطات حكومية ووزارية تأخرت كثيرا لأن فريق التلفزيون تأخر في الوصول بسبب زحمة السير في العاصمة.
والأهم: لا يتردد العاملون في التلفزيون ومسؤولوه في القول إن أمور هذا الجهاز تعالج من أعلى سلطة في البلد، أمس واليوم وربما غدا.
لهذا كله، لا أحد سيطلب من الوزير ناصر مهل أكثر من طاقته، وطاقة الوزراء في الجزائر محدودة وأحيانا منعدمة، خصوصا في موضوع التلفزيون الذي يدار من أعلى المقامات فلا يد لوزير إعلام عليه (ووزراء الإعلام منذ 1992 يثيرون الشفقة، لأنهم مجرد ‘خضرة فوق عشاء’).
التلفزيون الجزائري يعيش مرحلة ما بعد التكلس. ورداءته فاقت التصور على مدار الأيام والشهور والسنة، لكن سعادة الوزير انتقده خلال رمضان. يا ترى هل لدى الوزير من الوقت ما يسمح له بمشاهدة الفضائيتين الجزائريتين بعد أخبار الثامنة؟
أنا على يقين من أنه لو شاهدهما مرتين في الأسبوع، نصف ساعة كل مرة، لاعتذر للجزائريين ما قدره مياه البحر وحبات الرمل.
أقولها كجزائري ـ بالجزائري ـ لا كاتبا أو ناقدا: سيدي الوزير.. التلفزيون الجزائري راهو يبهدل! هذا أقل ما يمكن قوله.
ولأن على قدر أهل العزم تأتي العزائم، فالمصيبة في كل شيء (خصوصا نشرات الأخبار)، شكلا ومضمونا، وليست فقط في برامج معينة.
عندما أسير في شوارع المدن الجزائرية وأحيائها، أذهل لذلك العدد الهائل من ‘الهوائيات المقعرة’ المعلقة في الشرفات والسطوح وكل مكان حتى تكاد تحجب أشعة الشمس. في كل مرة أسأل نفسي: هل عميت أعين الحاكمين عن هذه المناظر؟ ألا يمرون من هنا؟ ما رأي أحدهم كلما شاهدت عيناه ما أشاهد؟ أليست هذه المناظر إدانة صريحة لسطوهم على التلفزيون المحلي؟
وحتى لا نظلم الناس، مهم التذكير بأن المشكلة ليست في مسؤول قسم معين أو رئيس مصلحة داخل التلفزيون، ولا حتى في المدير العام، فلا داعي لكباش فداء أخرى في الثورة التي يعد بها سعادة الوزير. المشكلة في السلطة التي استحوذت على هذا الجهاز لكي تحكم به الجزائريين ولكي تثبت لنفسها أنها موجودة، فجعلت منه أسيرا لديها. يكفي أن تعيد هذه الأخيرة التلفزيون للمجتمع، بمن في ذلك خصومها والمختلفون معها، ليتصالح الجزائريون مع تلفزيونهم. ولن يضر هذه السلطة أبدا أن تعيد التلفزيون للمجتمع لو كانت تعلم. العكس هو الصحيح.
ربما تستحق برامج رمضان الاعتذار عنها، لكن ما يتسحق فعلا الاعتذار الحقيقي للجزائريين، عملية السطو التي تعرض لها تلفزيونهم فأُخذ منهم عنوة في غفلة منهم.
لنذهب أبعد قليلا ونحلم بأن هذا حصل فعلا. قناة واحدة لـ35 مليون شخص ثلاثة أرباعهم دون الثلاثين من العمر! كيف سترضيهم وتحقق طموحاتهم وتشبع رغباتهم؟
خلاصة الكلام أن إصلاح المشلول لم يعد يفيد أو يكفي، لأن الموعود من سعادة الوزير، حتى وإن صدق، ينطبق عليه القول الانكليزي: Too little too late. ما يقابله بالفرنسية:Trop peu trop tard . إذا أردتم بالجزائري: مات الحوت وصلى عليه البونيط!
الجزائر بحاجة الى فتح المجال أمام الاستثمار الخاص والأجنبي. لكن هذا هو الكلام الذي يرفض الحاكمون مجرد سماعه، ما يجعل ثورة الوزير الموعودة ‘زوبعة في فنجان’.
يا سيدي، إن هموم وتطلعات الجزائر والجزائريين لا تكفيها 700 قناة تلفزية، فبربكم لماذا تصرّون على حشر الناس مع كريم بن سالم؟

ما لم يقولوه نيابة عني

ـ بدا قارئو نشرات الأخبار والتقارير الصحافية في كثير من التلفزيونات العربية شبه منتشين ومتحسرين في الوقت ذاته وهم يذيعون أنباء الانتخابات الرئاسية في البرازيل، لأن الرئيس المنتهية ولايته لولا دوسيلفا سيغادر الحكم رغم شعبيته الجارفة داخل بلاده وخارجها.
كم تمنيت أن يتجرأ أحد فيقول نيابة عني ما خطر ببالي: رغم صداقاته مع الكثير من الديكتاتوريين العرب وغير العرب، فات داسيلفا أن يعدّل الدستور بما يتيح له الترشح لولاية ثالثة أو للاحتفال بعيد ميلاده الخامس والثمانين بعد المئة وهو رئيس بلاده (ولا بأس لو احتاج لحفاظات بامبرز).
كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’


Nombre de lectures : 1223
6 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Tijani
    8 octobre 2010 at 19 h 12 min - Reply

    !مقال رائع, شكراً




    0
  • houda
    8 octobre 2010 at 19 h 41 min - Reply

    très belle plume, on se régale en le lisant
    voilà le vrai journalisme




    0
  • houda
    8 octobre 2010 at 19 h 44 min - Reply

    analyse profonde, critique caustique, style attrayant
    un plaisir de le lire




    0
  • Si Tchad
    8 octobre 2010 at 21 h 56 min - Reply

    Voilà un journaliste qui ne mettra jamais les pieds dans un studio de l’ENTV car il ne fait pas partie de l’Abrutigencia…

    Si Tchad




    0
  • Sami
    9 octobre 2010 at 9 h 14 min - Reply

    C est peu rien dire plus ! Allah yebarek !!
    Un vrai jurnaliste, j ai le grand plaisir et meme l’honeur de lire votre article
    Merci bcp




    0
  • Chérif
    9 octobre 2010 at 22 h 32 min - Reply

    Quoi dire, hum !!!
    Quand j’entends :
    – Farik’ina El watani el djazairi , (Notre E.N Algérienne) ???,comme s’il y’a plusieurs;
    – TAWAJJAHA ila Dimach Essourya – Syrte Alibiya ,comme s’il éxiste une autre damas ou une autre syrte,ainsi que
    – Strasbour(GUE avec un » gue « appuyé),la honte me couvre à tel point que je perds le nord !




    0
  • Congrès du Changement Démocratique