Édition du
27 July 2017

الجزائر وفرنسا.. علاقة زوجية على أحسن ما يرام!

القدس العربي 19 اكتوبر 2010

خضير بوقايلة

أمس الثلاثاء كان الموعد الرسمي لإعلان ميلاد مؤسسة ذاكرة حروب التحرير في الجزائر والمغرب وتونس، وهي المؤسسة التي نص عليها قانون 23 شباط/ فبراير 2005 في مادته الثالثة الخاص بتمجيد الاستعمار وذكر فضائله على الشعوب والبلدان التي خضعت له، فالاستعمار حسب واضعي القانون لا يعني أن فرنسا كانت تهلك الحرث والنسل فقط بل كانت لها مهمة نبيلة يستحق الذين ساهموا فيها الإشادة والتمجيد. فكرة مؤسسة الذاكرة لم تحظ بإجماع لدى الفرنسيين، فقد عبر عدد كبير من المثقفين خاصة عن استهجانهم لهذه الفكرة التي لا تساهم حسبهم أبدا في حماية الذاكرة الجماعية للتاريخ الفرنسي المعاصر ولا في التأريخ لهذه المرحلة الحساسة للبلد، فكتابة التاريخ كما يراها هؤلاء هي مهمة المؤرخين وهناك من المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث ما يكفي لتأدية هذه المهمة على الوجه الأكمل وبعيدا عن المهاترات السياسية.

الجزائر من جهتها لم تخف غضبها أو على الأقل استياءها من قانون تمجيد الاستعمار ولكن ذلك لم يمنع البرلمان الفرنسي من المصادقة عليه رغم محاولات الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك تخفيف وطأة ذلك بتأجيل عرض مشروع القانون ثم مناقشته في غرفتي البرلمان. وكرد فعل على تلك الخطوة الجريئة قررت بعض الأحزاب والناشطين الجزائريين رد الصاع صاعين، وتجسدت الفكرة بعد أكثر من أربع سنوات من صدور القانون الفرنسي من خلال مشروع قانون تقدم به نواب في حزب جبهة التحرير الوطني وبعض الأحزاب الأخرى ينص في جوهره على تجريم الاستعمار وربما أيضا مطالبة الفرنسيين بتعويض الجزائريين على الجرائم الفظيعة التي ارتكبوها ضد المدنيين على مدى أزيد من قرن من وجود قوات الاحتلال الفرنسي على الأراضي الجزائرية. لكن بما أن الجزائر ليست فرنسا والبرلمان الجزائري لا يشبه في شيء السلطة التشريعية في فرنسا فإن فرنسا أمنت شر الصاعين الجزائريين بمساعدة كريمة من السلطات الجزائرية.

ولم تكن تنقص مشروع قانون تجريم الاستعمار الجزائري أية شرعية، فقد أعده النواب وقدموه لرئيس مجلس الشعب عبد العزيز زياري وفق ما تنص عليه صلاحياتهم الدستورية، لكن هنا أيضا لا بد أن نعلم أننا نتحدث عن الجزائر البلد الذي يكون فيه احترام القانون والدستور آخر اهتمامات الحكام.

صحيح أن فرنسا لم تخف انزعاجها من صدور قانون في الجزائر يجرم مستعمر الأمس، وقد شدد كثير من السياسيين والشخصيات الفرنسية على أن مثل هذه القانون من شأنه أن يزيد العلاقات بين البلدين توترا، ولعلهم كانوا يقولون هذا وفي قرارة أنفسهم اعتقاد تام أن حكام الجزائر يملكون من الحكمة ما يؤهلهم لتفادي أي انزلاق من هذا النوع، وقد كانوا عند حسن الظن، إذ منذ البداية خرج رئيس الحكومة أو الوزير الأول بالتعبير الرسمي الجديد أحمد أويحيى ليقول إن اقتراح النواب لمشروع القانون لا يعدو أن يكون مزايدة سياسية، وهي أول رسالة إلى فرنسا وإلى النواب الحالمين بممارسة حقهم الدستوري في التشريع أنه لا مكان لمثل هذا القانون. ومع إصرار النواب (النوايا) على فرض مشروعهم على الحكومة لدراسته في مجلس الوزراء ثم إعادته إلى البرلمان للمصادقة عليه أبدت الحكومة نوعا من التراخي والليونة حتى حانت ساعة الحسم وكان ذلك بعد مرور الأجل القانوني الذي يمنحه الدستور للحكومة للرد على النواب (مرة أخرى لا قيمة للدستور عندما يتعلق الأمر بسلطة الحاكم). وقد جاء الرد الحاسم والنهائي للنواب على لسان رئيسهم في الغرفة السفلى عبد العزيز زياري الذي أكد على أن هناك مقترحات وردت في مشروع القانون تم رفضها (ولن تُقبل اليوم ولا غدا بسبب سياقاتها غير المناسبة وتصادمها مع صلاحيات رئيس الجمهورية الذي يحدد السياسة الخارجية، كما أن الاعتبارات الدبلوماسية والقضائية وعلاقات الدولة ومصالحها تتعارض مع طرحها) ومن لم يعجبه هذا الكلام فليختر له حائطا يندب عليه حظه أو ينطح فيه رأسه كما يقول الجزائريون. وهذا من شأنه أن يبين للجزائريين وللنواب أولا أنه لا قيمة لهؤلاء ولا لمبادراتهم وأن مهامهم تنحصر فقط في رفع أيديهم بالموافقة على مشاريع ومخططات الحكومة ثم مدها ليقبضوا مقابل ذلك نهاية كل شهر. وهل هناك من طريقة أخرى للتعامل مع نواب وصل معظمهم إلى ذلك المنصب بالغش والاحتيال إلا هذه؟

فرنسا ماضية في تطبيق نصوص قانون تمجيد الاستعمار من دون أن تلتفت إلى السخط الشعبي الجزائري، فما يهمها هو الموقف الرسمي وولاء هذا أمر مفروغ منه.

وقد كان بعض المحللين والمعلقين يكتبون أن الجزائر غاضبة على الأم فرنسا بسبب قانون تمجيد الاستعمار وغيره من بعض المسائل الخلافية وتوقعوا قرب حصول قطيعة كبرى بين البلدين، مع أن الواقع وتجربة سنوات طويلة أثبتت أن وصف حالة الشعور الجزائري تجاه فرنسا بالغضب غير دقيق ولا صحيح، وقد أشرت إلى هذه المسألة قبل عدة شهور وكتبت أنه حتى لو كانت هناك حالة تنافر بين الجزائر وفرنسا فإنها لا تعدو أن تكون سحابة خلاف عائلي سرعان ما تنقشع لأن العلاقات العائلية تكون في العادة أقوى من أن تصل إلى القطيعة. وقد أكدت ذلك أول أمس الاثنين وزيرة العدل الفرنسية ميشيل آليو ماري بمناسبة زيارة عمل إلى الجزائر، فقالت إن العلاقات الثنائية التي تربط فرنسا والجزائر أشبه بعلاقة زوج وزوجة تعارفا منذ زمن طويل بحيث لم يعد بإمكان أي طرف الاستغناء عن الآخر مهما تأرجحت العلاقات بينهما. صورة معبرة فعلا، مع أن معالي الوزيرة لم تخبرنا من هو الزوج ومن الزوجة ومن الذي يسيطر على الآخر سواء بحق القوامة أو بالقوة. ولم يفت الوزيرة مام (التسمية الفرنسية المختصرة لها) بالمناسبة أن تعرب لمن يهمه الأمر عن إشادتها برمي مشروع نواب الجزائر الخاص بتجريم الاستعمار في مزبلة التاريخ وحثت بالمقابل الجزائريين على التوجه إلى المستقبل حتى لا يبقوا حبيسي التاريخ والماضي وعقده، أما الفرنسيون فلا حرج في أن يلتفتوا إلى الماضي ويستعيدوا متى شاؤوا ولو كان في ذلك إحراج أو إهانة وإساءة للآخرين، ولعلها تدرك أن هؤلاء الآخرين يحفظون بيتا من الشعر يقول عجزه (ما لجرح بميت إيلام).

أما الكلمة النهائية فقد وردت على لسان صاحب الفخامة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قال عقب جلسة استقباله للوزيرة الفرنسية، والتي دامت ساعة ونصفا وفق أحد التقارير، إن العلاقات بين الجزائر وفرنسا (على أحسن ما يرام)، قالها بالفرنسية طبعا وترجمتها الرسمية كما وردت آنفا تكفلت بها وكالة الأنباء الجزائرية الحكومية. فهل بقي بعد كل هذا لأي جزائري أن يطمع يوما في أن تستعيد الجزائر حقها في أن تكون شريكا كاملا عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع فرنسا؟ وهل بقي أحد يصدق أن الجزائر تغضب فعلا على فرنسا أو أن فرنسا تكترث لأي شعور غضب صادر عن الضفة الجنوبية للبحر المتوسط أو هل تعتبر ذلك فعلا غضبا؟

وأخيرا أليست هذه مناسبة لكثير من الجزائريين ليذكروا وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بخير ويقولوا معه إن العلاقات الجزائرية الفرنسية لن تعود سوية وطبيعية ما لم يرحل جيل الثورة من الحكم في الجزائر، وجيل الثورة ليس بطبيعة الحال أولئك الشهداء فهؤلاء قد قضوا وهم عند ربهم يجازون ولا أولئك المجاهدين الذين انتهت مهمتهم بعد الخروج الرسمي للاستعمار من الجزائر فعادوا مواطنين عاديين أو ربما أقل من ذلك، بل جيل الثورة هنا هم الذين احتكروا الوطنية عندهم وعند من أرادوا مثلما احتكروا بينهم مقاليد الحكم يتداولونها بينهم لأن الجزائر أصابها العقم مباشرة بعد أن ولدوا هم ووصلوا إلى الحكم.

كاتب وصحافي جزائري


Nombre de lectures : 1005
3 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Sami
    23 octobre 2010 at 19 h 28 min - Reply

    Ils ont dit: « ils ont vendu le pays »une fois , mais maintenant je pense qu’il est plus juste de dire qu’ils ont pas seulement vendu le pays, mais ils ont vendu le peuple, sa jeunesse, sa patrimoine, ses valeurs, et tout ce qui est bon en Algérie.




    0
  • mourad
    24 octobre 2010 at 11 h 06 min - Reply

    Pourquoi ils sont autant complexé devant ces français? ils se sentent comme des supplétifs, toute leurs arrogances, leurs mépris, insolence et désinvoltures envers leurs peuples, s’estampent devant un sarko ou une Aliot-Marie. leurs pouvoir et leurs argent, leurs suffit juste pour mater les algériens, pour montrer leurs orgueil et leurs outrecuidances. piètre personnages…




    0
  • khaled
    26 octobre 2010 at 15 h 45 min - Reply

    Je ne parle pas de Boutef. Mais tous ses collaborateurs, ceux qui lui ont dit qu’ entres présidents, il doit y avoir une certaine mesure de retenue.

    Je ne suis pas vulgaire et je ne peux être vulgaire….mais une fille de joie ne peut cacher son vice.
    Au crépuscule d’un age qu’est inéluctable….notre foi est de dire je suis heureux quand mon voisin est heureux




    0
  • Congrès du Changement Démocratique