Édition du
30 March 2017

جبهة التحرير الجزائرية.. من 'المؤامرة العلمية' إلى تصحيح 'التصحيحية' تاريخ من الدسائس والمؤامرات الداخلية

2010-11-17 القدس العربي

كمال زايت



يعتبر حزب جبهة التحرير الوطني حالة خاصة واستثنائية بين الأحزاب الجزائرية الأخرى، فهذا الحزب تأسس على أنقاض جبهة التحرير التاريخية التي أعلنت حربا على المستعمر الفرنسي ونجحت في توحيد كل التيارات السياسية التي كانت موجودة على الساحة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، لتصل إلى تفجير واحدة من أبرز الثورات في العالم.
وبعد الاستقلال انتقلت الجبهة من حرب التحرير إلى معركة البناء والتشييد، كما يقال في الأدبيات الرسمية والحزبية. وأضحت هي الحزب الحاكم والوحيد، وهنا اختلفت الأمر، وانقسمت الآراء بشأنها، فالبعض رأى أن مهمتها انتهت مباشرة عند إعلان الاستقلال والبعض الآخر كان مقتنعا بأن دورها كان متواصلا للحفاظ على مكاسب الاستقلال وحماية الدولة الفتية من التهديدات والأخطار التي كانت تحيط بها من كل ناحية.
وخلال فترة ‘الأحادية’ السياسية والاشتراكية أصبح الحزب كل شيء، فأمينه العام هو رئيس الدولة، والوزراء هم أعضاء مكتبه السياسي، ومن لا ينخرط في الحزب لا يمكنه تولي أي مسؤوليات في مؤسسات الدولة بموجب المادة 120 من القانون الداخلي للحزب آنذاك. ورغم ذلك فإن الكثير من رموز جبهة التحرير الوطني يؤكدون أن الجبهة لم تكن الحزب الحاكم آنذاك، وإنما كانت الجهاز الذي تدار الدولة من خلاله.
وبصرف النظر عن هذا الجدل، فإن الأمور تغيرت ابتداء من عام 1989 عندما تم إقرار التعددية السياسية في البلاد، ولم تعد جبهة التحرير لا الحزب الحاكم ولا الواحد، بل إنها أضحت في نظر الشعب المسؤولة عن مآسيه وهمومه وإخفاقاته خلال سنوات الاستقلال، وأفل نجم الحزب وأصبح محل انتقادات وهجومات كل الأحزاب، وحتى المسؤولين في الدولة في تلك الفترة.
ولم يكن غريبا أو مفاجئا لأحد أن الجبهة خسرت أول انتخابات محلية خاضتها في عهد التعددية عام 1990، والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المحظورة)، وهو الحزب الذي استثمر أكثر من غيره في حملة تحميل جبهة التحرير كل المسؤولية فيما جرى من قبل.
وجاءت الانتخابات البرلمانية التعددية الأولى في تاريخ الجزائر، والتي كانت مقررة في شهر حزيران/يونيو 1991، وهي انتخابات سبقتها توترات عديدة خاصة وأن الصراع كان كبيرا بين الإسلاميين وكان على أشده، ودخل هؤلاء في إضراب عام شل البلاد في ربيع عام 1991، وتوترت الأوضاع ولجأت السلطات إلى القوة وتدخل الدرك لإخلاء الساحات العامة التي اعتصم بها الإسلاميون لعدة أيام.
وتقرر عقب ذلك إعلان حالة الحصار وتأجيل الانتخابات إلى آخر السنة، وكان الموعد الجديد هو 26 كانون الأول/ديسمبر، وكان الكثير من خبراء التوقعات يؤكدون أن التقسيم الإداري والنظام الانتخابي الجديد الذي يعتمد على القائمة النسبية سيعطيان الأغلبية لجبهة التحرير على حساب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولكن العكس هو الذي حصل وحصد الإسلاميون أغلبية المقاعد في الدور الأول فاضطر الجيش للتدخل وإلغاء نتائج الاقتراع، ودخلت البلاد في دوامة عنف وأزمة سياسية تبعتها أزمات اقتصادية وأمنية.
وحاول حزب جبهة التحرير الوطني في هذه الفترة، التي كان يقوده فيها عبد الحميد مهري وهو واحد من أبرز الشخصيات التاريخية، أن يخرج من عباءة السلطة، وأصبح أقرب إلى المعارضة، خاصة عندما قبل المشاركة في ندوات الحوار بسانت إيجيديو الإيطالية في 1994، والتي شاركت فيها أحزاب جزائرية بمن فيها ممثلون عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
لكن مواقف مهري من الوضع الجديد الذي أفرزه قرار الغاء الانتخابات في كانون الثاني/يناير 1992 جلب له الكثير من المشاكل والخصوم. وتعرض مهري إلى انقلاب داخلي في 1996 سمي آنذاك بـ’المؤامرة العلمية’، جعله يرمي المنشفة بعد السيناريو الذي أعد بإحكام لإزاحته من الأمانة العامة للحزب، ونفذته قيادات مثل بوعلام بن حمودة وعبد القادر حجار. واضطر مهري إلى الاستقالة مرغما عندما أدرك بأن إرادة إبعاده قوية. وحسب الكلمة التي ألقاها أمام اللجنة المركزية، والتي نشرها قبل أيام فقط، فإنه رمى المنشفة عندما رأى أن الكثير من المناضلين تعرضوا لضغوط حتى يوقعوا عريضة سحب الثقة منه، وأن هناك من ثبت على موقفه، وهناك من رضخ خوفا على مصالحه.

موضة ‘التصحيحية’

عندما أعلن عبد العزيز بوتفليقة عن نيته الترشح للانتخابات الرئاسية التي جرت في 1999، اختار أحد أعضاء المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني ليكون مدير حملته الانتخابية، وكان هذا العضو وزيراً سابقاً ومحامياً اسمه علي بن فليس.
بعد فوز الرئيس بوتفليقة بالانتخابات اختار بن فليس ليكون مدير ديوانه بالرئاسة، ثم كلفه بتشكيل الحكومة عندما استقال أحمد بن بيتور بعد أشهر من تعيينه على رأس الجهاز التنفيذي ليصبح بن فليس هو الذراع اليمنى للرئيس. وبما أن بوتفليقة لم يكن يحمل بن حمودة في قلبه، فقد فهم هذا الأخير أنه لم يعد مرغوبا فيه، لذا قرر أن يرمي المنشفة، وأن يخرج من الباب قبل أن يُخرج من النافذة، وأصبح بن فليس هو الأمين العام للحزب، والذي فاز في 2002 بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية والمحلية.
ولكن مع اقتراب عام 2003 بدأ علي بن فليس يرسم خططا مستقبلية، ورأى أن الوقت مناسب للترشح في انتخابات الرئاسة التي كانت ستجرى في 2004، وهو ما فجر صمام العلاقة بينه وبين الرئيس بوتفليقة، الذي كان يريد الترشح لولاية ثانية، فوقع الطلاق بين الرجلين، وغادر بن فليس رئاسة الحكومة، وهو يعلن عن تحوله وحزبه إلى المعارضة.
بعد أيام قليلة من وقوع هذا الطلاق، ظهرت حركة تصحيحية داخل حزب جبهة التحرير، تعارض الأمين العام علي بن فليس، وتدعو إلى إعادة الحزب إلى مكانته الحقيقية، أي ‘بيت الطاعة’، وقادت هذه الحركة بعض الوجوه المعروفة مثل عبد العزيز بلخادم، الذي قال ‘: لا يجب أن تكون الجبهة ظهرا يركب، ولا ضرعا يحلب’، مشددا على أنه لا يريد أي منصب، وأنه لا يطمح ليكون أمينا عاما للحزب، لكن تطور الأحداث لم يؤكد صدق كلامه.
وجرت الانتخابات الرئاسية التي جرت في نيسان/ أبريل 2004 بما لم يشته علي بن فليس ومن وقفوا معه، فجاء فوز الرئيس بوتفليقة مدويا، الأمر الذي جعل بن فليس يستقيل من قيادة الحزب، ليدخل من كانوا يسمون بـ’التصحيحيين’ من الباب الواسع، إذ تولى بلخادم الأمانة العامة وأعلن حربا على أنصار الأمين العام السابق.
ورغم أن بلخادم أحكم السيطرة على الحزب في المؤتمر الذي عقد في 2005، واعتقد أن الأمر استقر له، لكن الأمور تحركت مجددا بعد رفض أنصار الأمين العام السابق لعب دور الضحية، مؤكدين أنهم لم يرتكبوا أي جرم بمساندتهم لبن فليس، وأنهم وقفوا إلى جانب الشرعية، وهذا لا يستحق لا ندما ولا عقابا.
وآخر زلزال ضرب حزب جبهة التحرير الوطني هو ما أضحى يعرف بـ’تصحيح التصحيحية’، إذ ظهرت مجموعة من قيادات الحزب الذين كانوا سابقا ركائز الحركة التصحيحية، وأعلنوا تمردا على الأمين العام عبد العزيز بلخادم، رغم أن هذا الأخير لا يزال يوصف بأنه رجل ثقة بالنسبة للرئيس بوتفليقة. ويقود هذه الحركة الجديدة شخصيات مثل وزير التكوين المهني الهادي خالدي، والوزير السابق محمد الصغير قارة، وكذا المجاهدين الأسبق صالح قوجيل وعبد الكريم عبادة. بدا هذا التمرد غريبا منذ أول وهلة، لأن الواقفين وراءه أشخاص كانوا من أشد المدافعين عن بلخادم وسياساته ولم يسبق أن اعترضوا أو احتجوا لا خلال المؤتمر الثامن الجامع الذي عقد في 2005 ولا في المؤتمر التاسع الذي عقد منذ أشهر.
وبرر أصحاب هذه الحركة انقلابهم على القيادة بـ’التجاوزات الكثيرة’ التي عرفها الحزب في الفترة الأخيرة، والتي يرون أن الأمين العام ومن معه مسؤولون عنها مباشرة، وهو ما جعلهم يطالبون برأس بلخادم.
الغريب أن قيادات مثل الوزير الخالدي وقارة لم يتحرجا من الدخول في ملاسنات مع الأمين العام و’رجل الرئيس’، وكأنهم لا يخشون ردة فعل هذا الأخير، في حين تحدثت بعض الصحف عن أن الرئيس بوتفليقة هو من يريد ذهاب بلخادم من على رأس الحزب، وهو الخبر الذي سارع ‘التصحيحيون’ الجدد إلى تكذيبه، مؤكدين أن الرئيس غير معني بما يجري في الحزب.
الشيء الذي عزز الشكوك بشأن خلفيات هذا التمرد الجديد، هو أن أصحابه لم يتراجعوا خطوة إلى الوراء، حتى لما أعلن بلخادم عن تحويلهم إلى لجنة التأديب، إذ أصروا على المواصلة وذهبوا إلى حد استئجار مقر ضخم بضواحي العاصمة لاستقبال بيانات التأييد والمساندة. والقضية لا تزال مفتوحة على كافة الاحتمالات.


Nombre de lectures : 1256
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • khaled
    19 novembre 2010 at 16 h 48 min - Reply

    La première photo: Sans courage
    La deuxième photo: C’est indépendant de mes volontés
    La troisième photo: Cordoba est dans mes plans… 🙂

    Et moi…je rapportes….




    0
  • Congrès du Changement Démocratique