Édition du
20 July 2017

المثقف ومعركة الحرية : من إميل زولا إلى جوليان أسانج

مسعود ديلمي


القدس العربي 16 ديسمبر 2010*

« الرأي العام هو الذي يحكم العالم وعليكم أنتم أن تحكموا الرأي العام »، هذا ما كتبه فولتير (1694-1778) الأديب الفرنسي الشهير في رسائله إلى صديقه العالم الرياضي والفيلسوف دالمبار D’Alembert أحد مؤسسي الموسوعة الفرنسية. ويلخص هذا القول دور المثقف وعلاقته بالسلطة والشعب، وكان هذا في مرحلة بداية دخول أوربا الحداثة التي أسست لسلطة المثقف. ولكن ما معنى كلمة مثقف؟ الإجابة عن هذا السؤال أعطيت في نهاية القرن التاسع عشر (1894) أثناء قضية ألفرد دريفوس Alfred Dreyfus (1859-1935) الضابط الفرنسي ذو الأصل اليهودي الذي اتهمته قيادته بالعمالة لألمانيا، ولكن دافع عنه الصحافي والكاتب إميل زولا Émile Zola (1840-1902) بعد ما رأى أن القيم الإنسانية كالحرية، والحقيقة، والعدالة، وحقوق الإنسان، أصبحت مهددة في الحياة العامة، فلقد كتب مقالا شهيرا بعنوان « إني أتهم » كلفه سنة من النفي إلى لندن، ولم تنتهي القضية إلا بعد ما بُرِّئ هذا الضابط ورُدَّ له الاعتبار. إن حادثة الضابط دريفوس كانت البداية لظهور المثقفين في السياسة الحديثة كأساتذة للتفكير، وفي الطليعة يقودون الشعب ويوجهون الرأي العام، ويستدعون الأقوياء (رجال السلطة والمال) إلى محكمة القيم باقتدار وشجاعة دون هوادة، ويحرضون على الثورة من أجل تحقيق العدالة، يحمون الضعفاء ويقولون الحقيقة حتى ولو أدى بهم ذلك إلى معارضة السلطة في بلادهم. ومنهم من فضل المنفى على العيش تحت سلطة دكتاتورية مثل الأديب الفرنسي فيكتور هيجو (1802-1885) الذي غادر وطنه عندما استولى لويس فيليب نابليون الثالث على السلطة في فرنسا عام 1848، ولم يعد إليها إلا بعد وفاة هذا الأخير. وساهمت أعمال هؤلاء المثقفون بكل توجهاتهم الإيديولوجية في تسريع بناء الحداثة ابتداءً من نهاية القرن التاسع عشر.

إن وقوف المثقفين في وجه السلطة الظالمة مطالبين بالعدل هي التزام سياسي، وتخليهم عن هذا الالتزام يلغي عنهم صفة المثقفين. وإن النقد السياسي لا يعني المعارضة الآلية ولكنها تساؤل ومواجهة النظام مع خطابه وممارساته من جهة، والقيم الديمقراطية من جهة ثانية؛ فنقد السلطة ضروري لأنه يمكن أن يكون عملا منقذا لها من السقوط في الطغيان. ولقد تطور مفهوم النقد مع العلوم الاجتماعية، وليس من الصدفة أن يتخرج معظم المثقفين الفرنسيين من هذه العلوم، فنقدوا النظام نقدا سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، مما سمح لهم ببناء إستقلاليتم عن السلطة بالاستعمال الحر للعلم، بعد ما فهموا أن السياسة لا تتلخص فقط في كيفية عمل البرلمان، ولا في التسيير الحكومي أو في إيديولوجية الأحزاب، بل السياسة تعني أيضا حماية وتطوير الحقوق والحريات الضرورية التي تُأسس الديمقراطية، وتحفظ التلاحم الاجتماعي بإشاعة الحوار، وقبول الاختلاف باحترام مواقف الآخرين…

ولأن السياسيين ” يضنون أنهم مسؤولون عن كل شيء، ومن واجبهم معرفة كل شيء، وعندهم إجابة لكل شيء“ كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ميشال كروزيي  Michel Crozier، لذا يحاول المثقفون تطوير أنواعا جديدة من السلطة المضادة، مثل الخبرة الاجتماعية والاقتصادية التي تستفيد منها قيادات الأحزاب (في الدول التي بها حياة حزبية فعلية) والشركات الكبرى، لأن انتخاب الممثلين السياسيين لا يلغي تمثيل المجتمع بوسائل وطرق أخرى، واقتراح حلول لمشاكله تأتي من غير السياسيين أيضا بعد ما أصبحت الديمقراطية تقبل بنقد مؤسسات المجتمع المدني، والتي اكتسحها المثقفون، وخاصة الاختصاصيون، والذين يسميهم عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو Michel Foucault ، « المثقفون المهنيين »،  فيدلون بآرائهم في كل القضايا التي تهم المجتمع، وضد بعض برامج السياسة العامة المختلفة للدولة، مثل توقيع 19 مؤرخا من كبار المؤرخين الفرنسيين لعريضة بعنوان « الحرية للتاريخ » ضد القوانين التي تحدد عمل ومجال البحث التاريخي أو مثل نداء الأطباء ومساعديهم لأجل رفع العقوبة عن إجراء إنهاء الحياة الاختياري أو ما يعرف بالفرنسية الأتنازي l’euthanasie…الخ

ومنذ بروز المثقفين كقوة فاعلة في المجتمع الغربي (الفرنسي بالتحديد) ظل الانقسام واضحا بين اليمين المسيحي المحافظ واليسار الشيوعي، وكانت الأحداث السياسية هي التي تبرز الفروق، مثل ما جرى أثناء غزو ايطاليا لأثيوبيا حيث قام 64 مثقفا من اليمين بإمضاء عريضة لصالح موسوليني، وقابلها مجموعة من مثقفي اليسار بعريضة مناهضة لهذا الاحتلال. وبفرنسا كانت مجموعة من المثقفين الفرنسيين اليمينيين أثناء الحرب التحريرية في الجزائر تدافع عن « الجزائر فرنسية »، لكن كانت هناك أيضا مجموعة من المثقفين اليساريين المناهضين للاستعمار، ومنهم جون بول سارتر مؤسس الفلسفة الوجودية، والذي ناضل ضد تعذيب المناضلين الجزائريين في نهاية الخمسينيات. وكان هذا الأستاذ الجامعي في أيّار (مايو) 1968 ضمن طليعة الطلبة بجامعة السوربون وبشوارع الحي اللاتيني بباريس ضد سياسة الرئيس شارل ديغول صاحب التاريخ المجيد. وفي تشيكوسلوفاكيا سابقا قاد الأديب فكلاف هافل المعارضة ضد النظام الشيوعي، فساهم في تأسس نظام ديمقراطي، وأصبح على إثر ذلك رئيسا لجمهورية التشيك بعد فك ارتباطها مع سلوفاكيا.

وكان هذا الانقسام الإيديولوجي أكثر حِدّةً أثناء الثمانينيات والتسعينيات في الوسط العلمي والثقافي الفرنسيين، ولكن اليوم، لوحظ رحيل بعض المثقفين اليساريين إلى اليمين بعد ما انتخب ساركوزي رئيسا للجمهورية، ومن أشهرهم أندري غليكسمان André Glucksmann، و برنار كوشنار، فوافقوا توجهاته السياسية والاجتماعية حول عدة قضايا مثل القضية الفلسطينية، واحتلال العراق، والتقارب مع أمريكا، والعولمة، والحد من الهجرة… وإن ركزنا هنا على المثقف الفرنسي فلأنه يعتبر نموذجا في الحضارة الغربية، نظرا لما يحدثه من حركة في الحياة العامة، وتأثيره في الأحداث المحلية والدولية، فجعل الواقع الفرنسي يموج بالحراك الاجتماعي الدائم.

وأصبح المثقف يتجاوز في نضاله حدود الدولة التي ينتمي إليها إلى العالم أجمع بعد ما سهل له ذلك تطور وسائل الإعلام وشبكة الإتصال في العشرية الأخيرة والتي ألغت الحواجز في إطار العولمة. كما أدى هذا التطور إلى انتقال النقد من عند المثقفين إلى المواطنين العاديين أنفسهم بعد ما وجدوا في الانترنت وسيلة تعبير لأرائهم وأداة تجنيد لا مثيل لها في قضاياهم. وأيضا بعد ما أخذت جمعيات المجتمع المدني الدفاع عن القيم والقضايا المصيرية محليا ودوليا.

وها هو جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس وأتباعه يحدثون نقلة نوعية في عالم الصحافة بنشرهم الوثائق السرية للدبلوماسية الأمريكية في السنوات الأخيرة مما أحرج كثير من قادة الدول، فكشف نفاقهم، فعرف الناس الفرق بين ما يعلنون عنه وما يدور في كواليسهم. ويرى البعض أن هذا العمل الذي قام به موقع ويكيليكس يؤرخ لمرحلة جديدة من الديمقراطية التي يصوغها عالم الانترنيت بأن جعل الحقيقة في متناول أي شخص يريد أن يطلع عليها وهو في بيته. وإذا كان ويكيليكس هو موقع صحفي يساعده مجموعة من الهايكرز المنتمين للعديد من الدول، والذين يطلق عليهم المفسدون الإفتراضيون لأنهم يستعملون قدراتهم الخلاقة في غير موضعها، لكنهم هنا يناضلون من أجل تجسيد الشفافية وبث الحقيقة، وجعل المادة الخبرية في متناول الناس أجمعين دون وسطاء. وتذكرنا هذه العملية بأنه يوجد في عالمنا العربي شباب من هذا الصنف، متمرسون في استعمال شبكة الانترنيت، لكنهم يصرفون قدراتهم الخلاّقة في ما لا ينفع الأمة، بل دخلوا في حروب مع بني جلدتهم  بتدمير المواقع الإلكترونية لخصوم مفترضين، ووقع هذا بين مصر والجزائر العام الماضي، وبين المغرب والجزائر في الأسابيع الأخيرة. ووصفت بعض صحف هذه الدول بالعمل البطولي لهؤلاء الشباب. وهكذا يجد بعض مثقفي العرب لأنفسهم معارك يحققون فيها انتصارات وهمية مثل الظمآن يحسب السراب ماء، بينما تتراجع القضايا المصيرية للأمة إلى حد الضياع. فهل يعي المثقف، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، دوره وما ينتظر منه بدولنا العربية المتخلفة فيأخذ العبرة مما يراه في العالم من أحداث ومواقف؟


Nombre de lectures : 1723
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • khaled
    21 décembre 2010 at 16 h 26 min - Reply

    Nous d’abord et ensuite les honnêtes de ce monde.
    C’est encore un sujet qui fâche, mais qui pour moi c’est tranché.

    Je vous laisse avec un poeme sublime:

    إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
    وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
    وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
    فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
    كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
    وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر




    0
  • Congrès du Changement Démocratique