Édition du
24 July 2017

الجزائر: عندما يشكو الساسة من الاوضاع للسفير الامريكي

القدس العربي  21 ديسمبر2010

خضير بوقايلة

مرة أخرى نعيد طرح السؤال على أنفسنا، هل نسعد أم نغضب ونحن نطلع على عوراتنا من خلال موقع ويكيليكس، أم أنها سعادة كالغضب كما كان حال أبي الطيب المتنبي مع مضحكات مصر؟ كلام كثير مما تحمله وثائق الخارجية الأمريكية نعرفه بل لعلنا نعرف أكثر منه، لكن الحلاوة أو المرارة (كل يختار ما يناسب ذوقه) هي أن الكلام صدر عن دبلوماسيين أمريكيين نقلا عن مسؤولين أو شخصيات سياسية محلية لأننا لو قلنا ما نعرفه نحن لقالوا لنا أنتم مجانين أو مفترون أو أفاكون ولعل العاقبة ستكون وخيمة تبدأ بالحبس وتنتهي بالتصفية، أما وقد قاله أسيادنا الأمريكان فلا مجال إذن للتكذيب أو رفع الصوت.
وحتى لا نضيع في تفاصيل الوثائق رأيت أن أتوقف عند وثيقة واحدة وفيها ينقل سفير أمريكا السابق في الجزائر روبرت فورد ملخصا عن فحوى لقاءات أجراها مع عدد من الشخصيات (مسؤولين سابقين، سياسيين في المعارضة، وإعلاميين)، وقد ذكر بالاسم كلا من عبد الله جاب الله المتعاقب على رئاسة حزبين إسلاميين في انتظار الثالث والديمقراطي سعيد سعدي زعيم حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وأيضا أحمد بن بيتور رئيس الحكومة الأسبق، وقد تعمدت جماعة ويكيليكس طمس اسم آخر أغلب الظن أنه اسم صحافي له شقيق ضابط في الجيش، ولعل إغفال اسمه يأتي تعاطفا من جوليان أسانج ورفقائه مع الأسرة الإعلامية خاصة بعد أن ورد في أول وثيقة عن الجزائر اسم صحافية تشتغل في إحدى الجرائد المحلية ولم ير زملاؤها في الجزائر داعيا لإعادة ذكر اسمها في تقاريرهم ربما تضامنا منهم هم أيضا.
لقاء السفير فورد مع الدكتور سعيد سعدي كان بتاريخ 3 كانون الاول/ديسمبر 2007، وقد دار الحديث عن حال الجزائر والفساد الذي يعشش فيها بمستويات مخيفة. فحوى ما دار من الكلام لم يعد خافيا على معظم الجزائريين وغيرهم، لكن الأهم من ذلك الكلام هو ما يمكن التوقف عنده من ملاحظات وتساؤلات حول ما قيل. سعدي كشف للسفير الأمريكي ما سمعه من رئيس جهاز المخابرات الجزائرية الفريق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق. ومن منطلق معرفتي المتواضعة وما يعلمه كثير من الجزائريين عن علاقة سعدي وعدد من رجال السياسة والمال والفن والرياضة بالجنرال توفيق أستطيع أن أجزم أن سعدي لم يخترع للسفير قصة لقائه بالجنرال، أما ما نقله عنه فيبقى نفيه أو تأكيده من صلاحيات صاحب الشأن ونأمل أن نسمع شيئا من ذلك قريبا. يقول سعيد سعدي حكيم الأمراض العقلية إن الجنرال توفيق أقر له أن الأمور ليست على ما يرام سواء ما تعلق بصحة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أو بسلامة البلد بصورة عامة. أما الحل فلا يزال غير موجود ما دام الجنرال معترفا أنه لا يجد بديلا مضمونا وقابلا للاستمرار حتى لا يتزعزع استقرار البلد، لاحظوا هنا أن حضرة الجنرال هو الذي يتكفل بالبحث عن الحل البديل بدل ترك الأمر في يد الشعب، فالشعب طبعا قاصر ولا يحسن الاختيار. وبما أن علاقات ومعارف السياسي المعارض سعيد سعدي متشعبة مع كبار ضباط الجيش فإنه ينقل لسعادة السفير فورد ما يشغل بال عدد منهم بشأن انسحاب المؤسسة العسكرية من الحياة السياسية لكنهم متخوفون أن يؤدي ذلك إلى انقلاب السحر عليهم من خلال محاسبة علنية محتملة على جرائم أو تعسفات ارتكبت ضد المدنيين خلال سنوات الحرب الداخلية التي أعقبت وقف المسار الانتخابي وفرض حالة الطوارئ المعمرة في البلد إلى الآن. والحق أن هاجس المحاسبة والعدالة هذا لا يزال يؤرق المرعوبين منه ويقال إنه كان من المسائل الأساسية التي حسمت الخيار لصالح بوتفليقة بعد أن أخذ على عاتقه الوقوف في هذا الطريق وقد أدى الدور على أحسن وجه.
تضيف برقية السفير أن سعدي لما رفع مسألة الفساد المستشري في البلد إلى الجنرال توفيق اعترف هذا الأخير بالمعضلة، وفي حركة صامتة رفع رأسه أو حاجبيه أو ربما إبهامه أو سبابته باتجاه صورة الرئيس بوتفليقة الرسمية المعلقة فوق مكتبه، ثم أخبر ضيفه سعدي أن للمعضلة امتدادا إلى قمة هرم السلطة. وهنا يضيف السفير تعليقا يشير فيه إلى أن كثيرا من الأشخاص الذين تحدثوا معه يعتقدون أن الرئيس بوتفليقة ليس بالضرورة متورطا في قضايا الفساد، بل الأمر يتعلق بشقيقيه سعيد وعبد الله (لعله يقصد عبد الغني لأننا لا نعلم أن للرئيس أخا بذلك الاسم). هل سمع السفير هذا التفسير من سعيد سعدي أيضا أم أنه فهم كلام الجنرال على هذا النحو أم لعله يريد تحويل الاهتمام عن صاحب الفخامة شخصيا ويقوِّل الجنرال ما لم يقل؟
بعض التعليقات التي قرأتها هنا وهناك عن الموضوع بدت متضايقة من الكلام الذي نقله سعدي إلى السفير الأمريكي بل ممتعضة أصلا من التحدث إلى أجنبي عن قضايا تخص الجزائريين وحدهم، ولا أدري لماذا لم يقل هؤلاء مثل هذا الكلام عندما نقلت وثيقة ويكيليكسية أخرى تفاصيل ما دار من كلام بين صاحب الفخامة الرئيس بوتفليقة والجنرال ويليام وارد قائد القوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) وفيه تحدث فخامته بإسهاب عن علاقة المدنيين بالعسكر وبشّر ضيفه أن الضباط صاروا الآن طائعين طيعين للسلطة المدنية.
ولماذا لا يجد هؤلاء مبررا منطقيا ومقبولا للسياسيين وغيرهم الذين لا يجدون في مؤسسات بلدهم الإعلامية والبرلمانية والسياسية الأخرى حيزا حرا وكافيا لطرح آرائهم وأفكارهم، ولو وجدوا ذلك لما احتاجوا إلى الترحيب بأي منبر آخر يتكلمون فيه ولما وجد الدبلوماسيون فائدة كبرى في استضافة هؤلاء ومفاتحتهم في مسائل داخلية، فما دام الكلام ممنوعا ومحرما بيننا فلماذا نغضب أو نتضايق عندما ينتقل إلى الخارج؟ وفي هذا الخصوص لا بد أن نتساءل إن كان الجنرال توفيق هو الآخر لم يجد مجالا للتحدث في موضوع الفساد الممتد إلى أعلى المستويات مع المعني الأول بالأمر مباشرة فأطلق هواجسه على صدر سعيد سعدي أم أنه أراد أن يصل الكلام إلى الأمريكيين والفرنسيين وغيرهم من الدبلوماسيين والسياسيين الغربيين الذين يقيمون مع سعدي علاقات ودية. أم لعل سعيد سعدي نفسه أراد تصفية حساباته مع حليفه السابق بوتفليقة فراح ينشر النميمة لدى الدبلوماسيين بين فخامته ورئيس جهاز المخابرات، علما أن سعدي كان قد رضي بالمشاركة في أول حكومة شكلها الرئيس بوتفليقة في فترته الأولى أواخر سنة 1999 وقد قال فيه أحسن الكلام لدى الأجانب قبل أن يتراجع وينسحب من الحكومة مستغلا أحداث منطقة القبائل وقمع السلطات لمتظاهري تلك المنطقة التي ينتمي إليها زعيم التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وتأتي برقية ويكيليكس الآن لتؤكد للرأي العام أن الذي طلب (طلباتك أوامر!) من سعيد سعدي الالتحاق بصف الرئيس لم يكن الرئيس نفسه بل شخص آخر له مكانة وتأثير خاص لدى سعدي وغيره من كثير من زعماء ما يسمى بالمعارضة الجزائرية!
تساؤلات أخرى كثيرة تتعلق بالجنرال توفيق (على افتراض أن ما رواه عنه سعدي كلام صحيح حتى إشعار آخر) لعل أهمها هو سبب الاكتفاء بإشارة صامتة إلى صورة الرئيس، هل هو خوف منه أم ماذا؟ وماذا يسمى العلم بالشيء والسكوت عنه، والأمر هنا لا يتعلق بأي مواطن عادي بل برجل يوصف بأنه الرجل الأقوى في هرم النظام الجزائري؟ هل هناك مبرر أكثر من فساد الشخص أو محيطه لتغيير المنكر أو التدخل لتغيير فاعليه، أم أن التدخل يكون في أمور غير هذه؟ والأغرب في كل هذا أن صناع الرؤساء يعلمون بأدق تفاصيل الفساد في مؤسسات الدولة ولا يتحركون، بل إنهم يباركون استمرار الفساد ولا يجدون حرجا في القفز على الدستور وتعديله من أجل السماح للرئيس بالخلود في الحكم، علما أن الحديث مع سعدي كان قبل تعديل الدستور وتمكين الرئيس بوتفليقة من فترة ثالثة.



Nombre de lectures : 891
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • still
    22 décembre 2010 at 21 h 59 min - Reply

    : » »نحن نطلع على عوراتنا من خلال موقع ويكيليكس
    مقولة صحيحة فقط إذا افترضنا أن مسؤولينا هم عوراتنا.




    0
  • Sami
    22 décembre 2010 at 22 h 19 min - Reply

    Au lieu d’avoir un état après une longue colonisation et bcp de sacrifices, on a fini par avoir un systeme que personne ne peut définir , expliquer, ou vraiment comprendre!!! Pourquoi, un directeur de département même pas d’un ministère peut contrôler tout un pays, tout un état , et même toute une soit disante opposition qui travaille pour lui
    Ce phénomène est unique, et doit être étudié pour tirer les leçons de cette expérience tragique que vit et qu’a vécu l’Algérie




    0
  • Congrès du Changement Démocratique