Édition du
26 July 2017

حين يسحب الأمير عبد القادر ظلاله من بلاط السلطة الجزائرية


اسماعيل القاسمي الحسني

2011-01-02 القدس العربي


أزمة السيولة في الجزائر التي امتدت منذ شهرين الى اليوم، والله أعلم بآجال نهايتها، ذكرتني بما حدث مباشرة بعد الانقلاب المشؤوم عام 1992، بل استدعت مجموعة من أشرطة الذكريات تداعت الي، حين سمعت الوزير الأول (مجازا) يعترف بهذه الأزمة بين يدي ما يسمى ظلما مجلس الأمة؛ ومن عجائب عقول هذا الزمان التي أكلها صدأ السلطة، وتآكلت قدرتها نتيجة تكلسها، حين تشير باستهجان الى بعض الجزائريين الذين شوهوا صورة الجزائر، سواء لدى السفير الأمريكي أو عبر وسائل اعلامية، من دون تمييز بين صورة السلطة وصورة الجزائر، فشتان بين الثرى، كما يقال، والثريا، ولتبسيط الأمر من دون قياس، فلا أحد يمكنه أن يشوه صورة الاسلام، فهو الدين الحنيف الكامل، وانما من يفعل فانما يشوه صورة المسلمين، ومن لم يستطع التفريق بين الأمرين، فما عليه الا مراجعة المصحة العقلية فالعيب قطعا على ذلكم المستوى؛ ليس لأحد على وجه الأرض أن يشوه صورة الجزائر، كائنا من كان، فهي شعب وتاريخ وأمجاد وبطولات وشهداء وفسيفساء ثقافية بديعة، وهي الكثير مما لا يمكن حصره، أما السلطة الجزائرية فهي حفنة من البشر محدودة العدد تقوم بسلوكيات يمكن انتقادها، وإن كانت تستحق الاستخفاف فلا علاقة لها مطلقا بصورة الجزائر وانما بصورة أصحابها وتنتهي حدودها عندهم لا أكثر وما أضيقها من حدود لو عقلوا. وخفيف العقل سفيه الرأي من يتوهم في نفسه أنه يمثل الجزائر، أبعد من ذلك كل الجزائريين لا يمثلون الجزائر وانما يمثلون جيلا من الشعب الجزائري له محاسنه وعليه مساوئه. ولست أجد في المنطق والعقل اهانة للجزائر أحقر من اعتبار أن السلطة الحالية تمثلها، فضلا عن أحد رموزها، ما أصغرها من صورة، مع علم أصحابها أنهم بالكاد يمثلون أنفسهم.

المهم، لا حاجة للتذكير بأن سك النقود تقليد تعارفت عليه المجتمعات البشرية، مذ وضعت لنفسها مجموعة قيم يقف عندها، التزاما واحتراما، المنتسبون اليها، ويعتمد ساسة المجتمعات وعلماؤها بشأن النقود تضمينها رمزا من رموز الأمة، مجمعا على مكانته وشأنه، حتى يبقى راسخا بقيمه لدى أفراد المجتمع، وركنا قويا وعزيزا في بنية الشخصية المجتمعية، حتى أنها لدى البعض تكاد تحل محل الأنا الجماعي، ما يمس هذا الرمز حتى يستجيب جميع أفراد المجتمع تلقائيا للدفاع عنه، والأمثلة بهذا الشأن كثيرة، وما على القارئ الا النظر في الأوراق النقدية لدى الشعوب والأمم، ليرى بأم عينيه بعض هذه الحقائق؛ بالنسبة للجزائر، ومباشرة بعد استقلالها سكت على أوراقها النقدية صورة لشخصية جزائرية بامتياز، أصبحت في ما بعد شخصية عالمية، انها صورة الأمير عبد القادر بن محيي الدين، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، هذا الرجل الذي جمع فيه المولى ما تفرق في غيره، من عبقرية وعلم وقوة وحكمة وغيرها زينها نسبه للعترة النبوية الطاهرة، لا يتأتى حصر فضائله في بضعة سطور، ولكن إن جاز لي القول أختصر، فهو من مواليد عام 1808 بويع على حكم الجزائر عام 1832، قاد مقاومة باسلة ضد الاحتلال الفرنسي على امتداد 17 عاما هزم خلالها 19 جنرالا فرنسيا، أكد فيها عبقرية في الخطط العسكرية تدرس إلى اليوم في الكليات المختصة عبر العالم، بموازاة هذه المقاومة أسس أركان الدولة الحديثة الجزائرية، تميزت بحنكة إدارية وقدرة بناء عالية وشبكة علاقات دولية كشفت عن دبلوماسية متمرسة وقوة فائقة على إثبات الذات، فسك النقود وبنى المصانع ورفع الأسوار وشق الطرقات وكون جيشا قويا، وأنشأ وزارات وكل ما يقتضيه بناء دولة حديثة، كل هذا والفتى الأمير لم يبلغ بعد عقده الرابع، وحين جرت به المقادير للمنفى اختار دمشق الشام، ليس اعتباطا وإنما عملا بوصية السادة الأوائل من آل البيت، التي مازلنا نحتفظ بها مخطوطة ملخصها: إن ضاق بكم الأمر في المغرب فعودوا الى بلاد الشام. وكأنما يتراوح جناحا هذه الأمة على العترة، ان ضاق بهم المشرق فروا الى المغرب، وهناك أثبت الأمير أنه رجل أمة ولم يتخل عن الجهاد ولم يركن إلى الدعة والسكينة، بل وقف في وجه تفتيت الخلافة العثمانية التي كان يسعى إليها من تعتمدهم بعض الأنظمة اليوم رموزا، فكان أبعد رؤية وأعمق نظرا، وصدق أهل سورية النصيحة حين استنصحوه في هذا الأمر، خلاف ما ذهب إليه بعض من جزيرة العرب ومصر، ووقف في وجه لورنس العرب ومخططاته الجهنمية، كما ورد في مراسلاته، التي سأعود إليها يوما إذا أمد الله في الأعمار، ولم تكشف بعد طمسا لسيرة هذا العملاق؛ ثم كان رجل الإنسانية حين دحر الفتنة التي كادت أن تقضي على المسيحيين من دمشق إلى جبل لبنان، وسجل بفهمه العميق للدين الإسلامي موقفا انحنت دونه هامات الرجال من رؤساء وملوك وشخصيات احتراما وتقديرا، مع كل هذا كان الرجل صوفيا طرقيا بامتياز، فقيها ضليعا وأديبا مفوها وشاعرا فحلا وكاتبا خلف مجموعة من العناوين مشرقة طار صيتها في الآفاق، هذا باختصار شديد بعض خصائص الأمير عبد القادر، فلا خلاف حول اعتباره رمزا للجزائر فهي تتشرف به أكثر.

لكن هذه الخصائص التي يفترض أن تبنى عليها شخصية المجتمع الجزائري، وتكون مرجعيته الرئيسية وقدوته في الحياة وميزانه الذي يعتمده، باتت تشكل على ما يبدو خطرا على سلطة اليوم، فما كان منها بعد انقلاب 1992 إلا أن سحبت صورة الأمير عبد القادر من نقود الدولة الجزائرية، ولعل في ذلك خيرا لصورة الأمير نفسه، حتى لا يصيبها دنس السياسة المعاصرة، لقد استبدلوا صورة الأمير بصور مجموعة من البهائم، ثيرانا وبقرا وحميرا أكرمكم الله؛ لهذا تذكرت قول الشاعر محمود درويش ووجدتني أقول: لقد سحب الأمير ظلاله من بلاط السلطة الجزائرية حتى لا تعلقها وساما.. عافانا الله وإياكم من الخبل والسفه.

‘ فلاح جزائري


Nombre de lectures : 1381
4 Commentaires sur cet article
  • benaicha
    3 janvier 2011 at 23 h 58 min -

    baraka allah fik bruder hadihi hiya al hakika




    0
  • Sami
    4 janvier 2011 at 1 h 13 min -

    Un article tres tres puissant !!!
    Je vous salue Mr kassimi, c est ca la verite malheureuse !!
    Ce qui s’est passe apres 1992 etait une guerre contre tout ce qu est algerien, commancant pa l , image de El Emir Abdelkader
    Vous nous avez rapplle d une verite tres malheureuse , mais tres significative !! Ils ont enleve el Emir et ont met des animaux !! Wel fahem yafham
    Et il nous disent qu.on est independant!!




    0
  • Djamel Eddine U
    4 janvier 2011 at 13 h 16 min -
  • M.J.
    6 janvier 2011 at 13 h 52 min -

    Il faut se méfier des « vérités » à visées colonialistes de propagande et de division formulées notamment dans certains ouvrages « scientifiques » tel que le livre cité dans le lien ci dessus.

    Le gouvernement Turc agissait au nom de l’Islam et la population algérienne dans sa grande majorité l’acceptait en tant que tel sauf résistances épisodiques dues à des abus caractérisés et qui avaient lieu aussi bien au sud qu’à l’Ouest et qu’a l’Est ou au nord




    0
  • Congrès du Changement Démocratique