Édition du
30 March 2017

أحداث الجزائر.. ماذا بعد الشغب واللهب؟

www.z-dz.com

بقلم: بشير حمادي – 11/01/2011

ماذا يحدث بين شباب الجزائر وحكامها؟ لماذا يعبر الشباب في الجزائر دوما عن مطالب مشروعة بوسائل غير مشروعة؟

gligne

هل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والمتعلقة بمواجهة ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، والتي امتصت غضب أطفال وشباب الجزائر تمثل حلا لأزمة  لا علاقة لها بالزيت والسكر؟

ولماذا لا يتم الإهتمام الجاد والتكفل بقضايا الشباب، وهم يمثلون أكثر من ثلثي أفراد المجتمع، والشريحة الأسرع إلى الغضب والعنف، والأميل إلى الثورة والتغيير في أي مجتمع حتى وإن كانوا يمثلون أقلية فيه؟

لا أعتقد أن هناك مكابرا يدعي أن مطالب الشباب من أحداث أكتوبر 1988 إلى الأحداث الأخيرة ليست معقولة أو مشروعة مهما كانت الأسباب والخلفيات ومهما كانت طبيعة الفاعلين والمحركين لها، ومهما كان المستفيدون منها.

ولكنني أعتقد أن مطالب شباب أكتوبر 1988 في العمل والسكن والخبز الأبيض كانت مشروعة.

وأعتقد أن مطالب الإسلاميين في الإعتراف لهم بدور في المجتمع، وحقهم في تولي مسؤوليات أوكلها لهم الشعب كانت مشروعة.

وأعتقد كذلك أن مطالب العروش المتمثلة أساسا في الإعتراف للأمازيغ بتميزهم الثقافي واللغوي وحتى العرقي كانت مشروعة.

مثلما أعتقد أن مطالب الشباب اليوم في العمل والسكن والمعيشة الكريمة في بلد يفتخر بوفرة مالية تسيل لعاب البلدان المتقدمة مشروعة.

لكن هل الوسيلة المستعملة لتحقيق المطالب، أو للضغط على السلطة لإجبارها على منحها أو العمل الجاد على تجسيدها مشروعة؟

بمعنى هل كان لجوء شباب أكتوبر إلى العنف، وحرق المؤسسات التي ترمز للدولة، وحتى محلات المواطنين، والسرقة والنهب مشروعا؟

هل كان لجوء الإسلاميين إلى التكفير، والإنتقال من العنف اللفظي إلى العنف المسلح مشروعا؟

وهل كان استعمال العروش للعنف ضد رموز السلطة بدءا بالدرك الوطني وانتهاء بأبسط مواطن عابر للمنطقة يعاني من حقرة  وظلم أشد مما يعانيه شباب العروش مشروعا؟

وهل حرق المؤسسات العامة والخاصة والمحلات ونهبها من قبل شباب وأطفال اليوم مشروعا؟

إن الحركات الشبانية خاصة خلال العقود الثلاث الأخيرة ترفع مطالب مشروعة، لكنها تستعمل وسائل غير مشروعة، وهي بذلك تسقط فيما أباحه ميكيافيللي » الغاية تبرر الوسيلة » وما رفضته كل المجتمعات المتحضرة، فالغاية النبيلة لا تبرر اللجوء إلى الوسيلة القذرة لتحقيقها.

لكن هناك من يرى أنه إذا لم يكن هناك من خيار بين وسيلة مشروعة وأخرى غير مشروعة، فاستعمال الوسيلة غير المشروعة قد يؤدي لاحقا إلى وضع يساعد أو يوفر الوسيلة المشروعة.

ومادام الشباب مقتنعا بتحقيق مطالبه أو بعض منها بوسائل غير مشروعة، ومادام النظام لا يوفر أدوات التغيير المشروعة، فسيظل الشباب يلجأ إلى وسائله التي يراها مشروعة قياسا بلا مشروعية ما يفعله النظام وما يلحقهم من ضرر نتيجة ذلك، وهذا ما يستحق النقاش بعد أن هدأ الغضب وانطفأ اللهب.

إذا سلمنا بأن مطالب الحركات الشبانية السالف ذكرها مشروعة، والوسيلة المستعملة لتحقيقها غير مشروعة، فكيف يمكن التوفيق بين المطالب المشروعة والوسيلة المشروعة، أي التعبير عن المطالب بطريقة منظمة وسلمية، ودون تخريب للممتلكات عامة أو خاصة، أو ترهيب أو اعتداء على مواطنين أو سلبهم ممتلكاتهم، وحتى بعض حقوقهم المتمثلة في العمل والتنقل في أمن وسلام ودون التعرض لأي خطر.

أعتقد أن التعبير المشروع عن حقوق مشروعة كما يتمناه كل واحد منا من أبسط مواطن إلى رأس الدولة، لا يمكن أن يتحقق إلا في مجتمع يقر الحقوق المشروعة لمواطنيه، وفي مقدمة هذه الحقوق الحق في العمل وأجر عادل يكفل له ولأسرته حياة كريمة، والحق في الكرامة والحماية والمساواة أمام القانون، والحق في تكوين التنظيمات المعبرة عنه من أحزاب ونقابات وجمعيات المجتمع المدني، والحق في المشاركة في الحكم مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارهم بكل حرية وديمقراطية، والحق في حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع والتظاهر…الخ.

فهل هذه الحريات والحقوق وغيرها المكفولة قانونا في الجزائر، مضمونة لأصحابها في الواقع؟

الحقيقة أن معظم هذه الحقوق معلقة، ولم يبق للمواطن من حريات سوى حرية « النباح » في بعض وسائل الإعلام ليس على « أسيادنا » بل على الحرمية الصغار، وعلى الممارسات غير الأخلاقية لمواطنين مقهورين أو مكبوثين أو مرضى، كالزناة  والعاقين والمخمورين أو المسطولين، وسراق الهواتف النقالة والأحذية من المساجد، وما يسد الرمق أو يلبي حاجة بسيطة…

والتنظيمات المفترض أنها تعبر عن شرائح المجتمع ومطالبه هي الأخرى إما مدجنة أو معلقة،  فالأحزاب والنقابات والجمعيات التي حبل بها النظام في مرحلة سابقة وولدت في المخابر كلها داخل « الخم » حركتها محدودة في الزمان والمكان، والفتات الذي يرمى لها لتقتات منه تحدده الأجواء السياسية للنظام صعودا ونزولا، فتقل أو تشح في الظروف العادية، وتزداد في مواسم الحصاد السياسي، بحسب « الستربتيز » السياسي والأخلاقي الذي تمارسه أمام صناعها، وأمام الشعب ودون حياء، وبعضها لا يمثل حتى عائلته.

أما التنظيمات التي تشذ عن قواعد الطاعة فهي معلقة منذ مطلع التسعينيات، وكل ما يشتم منه رائحة المعارضة الحقيقية، والقدرة على التعبير عن المطالب المشروعة والحقيقية لشرائح واسعة من المجتمع، وبطريقة سياسية سلمية مشروعة، توضع ملفاته في الثلاجة أو في أدراج مغلقة، ذلك أن تكوين التنظيمات « المناوئة » بمختلف أشكالها وألوانها السياسية لم يعد مقبولا لدى طبقة سياسية أثرت ثراء فاحشا من المال العام وأحكمت سيطرتها المطلقة على المؤسسات السياسية.

فهذه الطبقة وإن بدت زمرا متناحرة إلا أن تقاسم الريوع والفساد يوحدها في مواجهة أي خطر قد يعريها أو يمس بمصالحها، وقد تذهب إلى أبعد مما يتصوره عقل في الدفاع عن نفسها ومصالحها.

أعتقد أن المجتمع أي مجتمع لا يمكنه أن يكون متوازنا إذا كان يمارس تنمية بمفهومها الشامل غير متوازنة، وينتهج سياسة غير متوازنة، حتى وإن توفرت له الوفرة المالية، ويفتح ذراعيه لثراء فاحش وغير متوازن لا بين الأفراد ولا المناطق إلى درجة أن الحكومة « تشكو هذه المرة من متعامل اقتصادي أضحى يشكل بديلا للسلطات العمومية في فرض إجراءات أو آجال مفرطة لتموين البائعين الموزعين بالجملة، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بمواد أساسية ».

وإذا كان هذا المجتمع غير المتوازن يدير ظهره لأبسط الحقوق الأساسية وللمطالب المشروعة للمواطنين والشباب منهم خاصة، فهو مجتمع مترنح، وهو دوما أقرب إلى السقوط.

لقد قلت بعد أحداث أكتوبر 88: « لقد خرج الأبرياء والأغبياء إلى الشوارع مطالبين بالخبز الأبيض والعمل الأبيض، والحياة الكريمة فمنحهم الأذكياء والأوصياء ديمقراطية إسمنتها مخلوط بالدماء، أساسها جثث وأسوارها جماجم تحمل بداخلها كما هائلا من الحقد الأعمى وسقفها ما يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.

وقد تشكلت ـ بعد ذلك ـطبقة جديدة من الأثرياء والمستبدين الذين يضعون أحذيتهم على أفواه الملايين يسدونها حتى لا تنطق بكلمة حق أو تقول كلمة آه. طبقة تريد من الضعفاء والبسطاء أن يكونوا كالحمير تحملا، وكالكلاب وفاء. طبقة جاءت ليخدمها الناس لا لتخدم الناس… وساد الناس رعب من الإسلاميين الذين يدعون للجهاد حتى في بطون الحوامل..

ورعب من اللائكيين الذين يجاهدون في أجساد العذارى و »العذاريات »، ويدعون إلى استئصال من يخالفهم الرأي والفعل، ورعب من السلطة التي تدعو إلى مواجهة القوة بالقوة والخارجين عنا لقانون بالخروج عن القانون.

ورعب من المجهول وكل مجهول مرعب »!

وحتى لا يظل الشباب خاصة جانحا إلى الشغب واللهب وأداة في يد العابثين بعواطفه وآماله ومطالبه المشروعة في مجتمع مترنح فلابد من توفر المؤسسات والتنظيمات التي تمكن مختلف الشرائح الإجتماعية من التعبير الحر والمشروع عن مطالبها المشروعة. ودون توفر هذه، فسيظل الشباب غير المؤطر يلجأ إلى الوسائل الفوضوية وغير المشروعة لتحقيق مطالب مشروعة، وسيؤدي ما نسميه اليوم شغبا ولهبا ومطلبا اجتماعيا بسيطا، وليس سياسيا ـ مع تكراره ـ إلى انفجار حقيقي، يأتي على الأخضر واليابس، ولن تنفع معه قوة

الدولة، لأن المواطن الضعيف هو الأقوى عند المواجهات الكبرى.

فاعتبروا وتدبروا يا أولي الألباب قبل فوات الأوان إن كنتم تعقلون


Nombre de lectures : 2688
PAS DE COMMENTAIRES

Congrès du Changement Démocratique