Édition du
26 July 2017

الجزائر.. نهاية التصالح على المصالح

www.z-dz.com

بقلم: عمار نعمي – 14/01/2011

عمار نعمي

حوادث الشغب الأخيرة تؤكد مرة أخرى أن مشكلة الجزائر ليست مع مناهج نظام الحكم ولا مع رجاله، ولا مع توجهاته، وذلك بعد أن أفرغ الأداء الحكومي هذا النظام من مناهجه ورجاله وتوجيهاته فأضحت المشكلة مع النظام ذاته.

gligne

مع نظام حكم لم تعد آلياته قادرة على استيعاب تناقضاته الداخلية ولا على تجديد رجاله عبر تصفية الحسابات الشخصية، ولا على تطوير مناهجه لتمديد عمر المراحل الإنتقالية وخاصة مرحلة الإنتقال من الإقتصاد الموجه إلى الإقتصاد الحر من جهة، ومرحلة الإنتقال من الأحادية إلى التعددية الحزبية من جهة أخرى.
مع ذلك فان القدرة على السباحة في مستنقع الزيت الممزوج بالسكر تثبت أن أنصار الوضع القائم داخل النظام وخارجه، وبفضل المصالح المشتركة بين الراشين والمرتشين، والفاسدين والمفسدين، والتي تقتضي إبقاء الحال على  حاله مهما كان الثمن، ماتزال لديهم الإمكانيات الضرورية للتكيف مع المستجدات الخطيرة، وتجاوز خلافاتهم المرتبطة بنسب الفوائد، وهوامش الربح، وتقاسم سوق الموارد الأساسية، للتصدي موحدين لمقاومة وإجهاض أية محاولة جادة للتغير، من خلال التحرك في أفق النظام، وعبر أطروحات الإصلاح والمراجعة والتعديل، لقطع الطريق على أي حراك سياسي أو اجتماعي، بتحديد أفقه في اعتبار إحداث التغير هدفا نهائيا للتجديد والتحديث، وينطلق من وضع علامة استفهام كبيرة حول النظام ذاته.. علامة استفهام ضرورية لتجاوز وضع قائم أنتجه عهد بائد.
علامة استفهام أفق التغيرإذن، مغاير تماما لما قبل 1999، وحول هذا الأفق تدور معركة وقودها تارة الحليب والبطاطا، وتارة أخرى الخبز والعدس، وتارة ثالثة الزيت والسكر.. معركة بين المطالبين بالتغيير والمتفاعلين معهم من جهة، والخائفين منه والمتحالفين معهم من جهة أخرى، أي بين الأغلبية الساحقة والمسحوقة المتضررة من الأوضاع السائدة والتي لها مصلحة حقيقية في إحداث التغيير، ولكنها لم تجد بعد من يؤطرها ويوحد صفوفها، والأقلية النافذة المتشبثة بالوضع القائم حفاظا على امتيازاتها وريوعها وحاوياتها وبواخرها وفواتيرها وصكوكها، والتي لم تعد ترى في السيد الوزير  بن بادة وربما في الوزير الأول، بل في من يعين الوزير الأول الرجل المناسب لحماية هذه الإمتيازات والإحتكارات، ولذلك فلا مانع عند ملوك الزيت و السكر وأمراء الحليب و الخبز من تغير أي شخص مهما كان منصبه بشخص آخر كيفما كان إنتماؤه في إطار نفس النظام.
حوادث الشغب الأخيرة، في أسبابها، الظاهر منها والباطن، وفي سياقاتها، الواضح منها والغامض، في نتائجها التي بدأت تتبلور بسرعة، ماهي في نهاية تحليل سوى ترجمة حقيقية أو تطبيق فعلي لعقد تواطؤ ضمني بين الحكومة والمواطن. فالحكومة تفعل ما تشاء والمواطن يفعل ما يشاء، الحكومة تدعي أنها تنظم الإنتخابات والمواطن يدعي أنه ينتخب، وتدعي أنها توفر مناصب الشغل ويدعي أنه يشتغل، وتدعي أنها تقدم أجورا ويدعي أنه يقدم عملا، وتدعي أنها ساكتة عليه ويدعي أنه ساكت عليها، وعندما تجاوزت الحكومة كل الحدود  تجاوز المواطن كل القيود…
رفضت الحكومة الإعتراف بحقيقة الأجور، فرفض المواطن الإعتراف بحقيقة الأسعار، ولا يمكن أن تستقيم معادلة الأسعار والأجور لا حاليا ولا مستقبلا إلا باعتراف متبادل، واحترام تام لبنود عقد التواطؤ بين الطرفين، لأن السلطة أو الحكومة لم تفهم بعد أنه يستحيل على الجزائر أن تدخل اقتصاد السوق أو إقتصاد المنافسة والتنافسية، أو الإقتصاد الحر  قبل تحرير و تنظيف الذهنيات الملوثة بشوائب نظام الإحتكار والربح والرعاية والرعونة. فلا يمكن لحكومة عاجزة عن توفير دفاتر الصكوك أو الطوابع الجبائية، ولا أقول عاجزة عن مراقبة حركة الموانئ ببواخرها وحاوياتها، ولا عن مراقبة التحويلات المصرفية والسجلات التجارية، لا يمكن لهذه الحكومة أن تقنع ولا أن تفرض على التجار إستعمال الصكوك والفواتير في تعاملاتهم. ومن المضحكات المبكيات أن الحكومة وبهذا الأداء تتطلع إلى تكريس ثقافة إقتصاد السوق في الجزائر، ثقافة أساسها الشفافية والكفاءات وتكافؤ الفرص والمنافسة الشريفة.

من المضحكات المبكيات أن الحكومة العاجزة عن توفير استمارة شهادة الميلاد للمواطن البسيط تحلم بامكانية إدخال السوق الجزائري إلى عهد شهادة « الإيزو ».

حوادث الشغب الأخيرة، أكدت مرة أخرى، أن منجزات حكومة التحالف الثلاثي ومنذ ولادته لم تكن سوى قائمة طويلة وعريضة من الدسائس والمؤمرات الداخلية والبينية، ومن الأخطاء وسوء التقدير، وحتى الذين كانوا ينتقدون الحزب العتيد وتناقضاته، والتجمع ومفارقاته، وحمس وخلافائه، لم يكونوا يتصوروا أن يصل الأداء الحكومي لهذا التحالف إلى هذا المستوى من الضعف والرداءة والإبتذال.
لقد أخطأ كل من إعتقد أن الأمر يتعلق بكوكتيل سياسي لذيذ يتشكل من عصائر الوطنية والديمقراطية والأصالة، فمع تعاقب السنين، وتتالي العهدات، ثبت بمال لايدع مجالا للشك، أن الأمر يتعلق بهجين سياسي حكومي غريب، الإستراتجية ولا قواسم مشتركة تجمعه..
هجين حكومي متطفل تتصارع وتتنافس عناصره مع إقتراب كل  استحقاق إنتخابي على من يخدم أكثر البرنامج الجاهز، برنامج أرباح الزيت والسكر والحليب والفرينة.
كل زمن رجاله، الإلزامي الجزائري، فرجاله يصلحون لكل زمان ومكان، يصلحون لزمن الثورة الزراعية والتسير الإشتراكي للمؤسسات، يصلحون لزمن الكابس وسوق الفلاح، ولوناكو، وأيضا لزمن كوكاكولا وسيفيتال وجيزي، يصلحون لزمن شرح خطاب الرئيس وللرئيس ألف خطاب وخطاب، ولزمن تطبيق برنامج  الرئيس إن كان له برنامج. هؤلاء الرجال هم الدين قتلو الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في الجزائر.
حوادث الشغب الأخيرة، هل هي صورة من صور تجليات الصراع الخفي بين الفاسدين والمرتشين من زعماء الرداءة والبيروقراطية والديموقراطية من جهة، والمفسدين،  المرتشين من زعماء احتكار التموين واحتقار المواطنين من جهة أخرى؟ هل هي مشهد من مشاهد تجليات وخوف كل منهما من دنو ساعة
المحاسبة  والمراقبة ؟ أم هي صورة ومشهد تجليات ارتباك أباطرة الفساد في الجهتين بعد إدراك الراشي والمرتشي أن الإعتماد على كثافة حوادث الشغب قد لا يكفي لحجب الرؤية على مشاهدي تبادل كرة النار بينهما ؟
الإستمرار في لعبة تبادل كرة نار الأسعار قد يؤدي هذه المرة إلى تعطيل دور عقد التواطؤ بين المواطن والحكومة ونهاية عهد اسكت عليً نسكت عليك فما هي إرهاصات عهد ما بعد عقد التواطؤ؟
لعنة المشاغبين  الغاضبين بدأت تطارد الراشين والمرتشين، فما هي دلالات هذه اللعنة؟  وما هو مدى هذه المطاردات؟


Nombre de lectures : 621
UN COMMENTAIRE
  • Sami
    14 janvier 2011 at 20 h 31 min -

    Tres tres bon article !!
    Je vous salue … Baraka Allaho Fik




    0
  • Congrès du Changement Démocratique