Édition du
22 July 2017

إذن هي المواجهة.. فليتحمل قادة أجهزة الاستخبارات مسؤوليتهم

القدس العربي 19 ابريل 2011
إسماعيل القاسمي الحسني

يجد المرء نفسه ملزما بالترفع عن تحليل خطاب رئيس الجمهورية الجزائري، الذي ألقاه يوم 15/04 بعد سنتين من الصمت المطبق، لا لسبب سوى أنه جاء معبرا بشكل فاضح عن عدم الوعي السياسي بالمرحلة الحرجة التي تمر بها الأمة عموما. وبدا صاحبه خارج مجال التغطية تماما، فاقدا لميزان تقدير التطورات المتسارعة على ساحتها، فضلا عن ظهوره في حالة صحية متدهورة لا تسمح بأي حال تصور أن لصاحبها القدرة على الحكم.
بغض النظر عن هذا وذاك فالمقدمة سخرها الرجل لعد انجازاته خلال العقد الماضي من حكمه، على أنها شيء يستحق الذكر، ومن دون التوقف عند المن المبطن في الخطاب، فإنها إذا قيست بمقدرات الشعب الجزائري وثروات وطنه تحسب تخلفا عجيبا، وعلى سبيل المثال لا الحصر فمشروع الطريق السريع 1200 كلم (الذي يحلو للقائمين عليه وصفه بمشروع القرن) لم يتم انجازه كاملا خلال 11 عاما بتكلفة تزيد عن 18 مليار دولار، وفي المقابل أنجزت مثلا تركيا 5200 كلم خلال خمس سنوات بتكلفة لم تتجاوز 9 مليارات دولار.
أما الحديث عن المصالحة الوطنية فليس هنا مقام التعليق عليه، ذلك أن الملف ثقيل ومعقد وخطير، ولعل عنوانه الأبرز أن الشعب كان ضحية تواطؤ مسبق ومخطط له بين قادة المؤسسة العسكرية والأمنية حينها وقادة الجماعة التي كانت توصف وقتها بالإرهابية، وها هم رؤوسها اليوم يجلسون في الصف الأول مع رجال الدولة في المناسبات الرسمية، وكلا الطرفين اعترف في تصريحاته ومؤلفاته بأنه كان على تواصل إبان الفتنة التي اصطنعوها لقهر الشعب، والحيلولة بينه وبين بناء دولة مدنية ديمقراطية، وكل هذا كان بعلم الرئيس الحالي وتشجيع منه باعترافه، ومساعدة وتغطية من الأنظمة الغربية.
والمصالحة هاته التي يمن بها علينا، جاءت بعد أن استفرغا أهدافهما وأعادا الجزائر ثلاثة عقود إلى الوراء في كل الميادين، ليفتح الباب مرة أخرى لشركات الدول التي ساهمت أو أسهمت بتغطيتها لهذه الجريمة النكراء، وتم ولا يزال نهب خزائن الجزائر بشكل لم يعرف له مثيل وبجرأة مقززة. وأما الزعم بتكوين لجنة من الخبراء وبعد التشاور يحال اقتراح تعديل الدستور إلى البرلمان أو استفتاء شعبي، فقد نسي المسكين أن يلتفت إلى قراره السابق بتعديل مادة العهدة الرئاسية التي هبطت على البرلمان بصيغة مرسوم رئاسي فلم تتجاوز مدة المصادقة عليه بضعة أيام، أما للتراجع عنها فتستوجب تكوين لجنة، ومعلوم لدينا أن المتحكمين إذا أرادوا قتل قضية كونوا لها لجنة، ومجمل القول بشأن الخطاب انه خاو من كل أمر جدي ويفيض بقول الشاعر: سين وسوف وأفعال مضارعة .. في الريح ننشرها حينا ثم نطويها.
وتعالوا معي إلى الكلام الجد، كلام الرجال الرجال، لقد بات مستقرا لدى الوعي الشعبي في الجزائر أن السلطة الفعلية تعود أساسا للأجهزة الأمنية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات والمؤسسة العسكرية، وما دور باقي المؤسسات إلا صندوق بريد يتلقف من خلاله الشعب رسائلها، وهذه القناعة تأكدت لدى المتابعين والمختصين وكبار المفكرين في الخارج كذلك، ولعل تعليق المفكر العربي الكبير عزمي بشارة في قناة الجزيرة على خطاب الرئيس يكفي مثلا على ذلك، حين أشار لهلامية النظام وسلطة الظل في الجزائر، راجيا أن يكون مضمون الخطاب مطابقا لإرادتها وتوجهاتها، ذلك ما يسفر عنه مستقبل الأيام.
لقد أكد لي عقيد من جهاز الاستخبارات، مباشرة بعد كلمة الرئيس، أنهم يعملون جديا على إحداث التغيير بطريقة تعتمد السلاسة والواقعية، تستجيب لتطور المجتمع ووعيه السياسي، يضع خططها رجال أكفاء علميا يتمتعون بمهنية عالية، وأنهم يسترشدون بآراء الكتاب والمفكرين والشخصيات الوطنية المعروفين بنزاهتهم، مستدلا في ذلك على الإشارة التي وردت في خطاب الرئيس بوجوب ضخ دماء جديدة لتطبيق الإصلاحات التي وعد بها، ما يعني تغيير الحكومة بشكل جذري، وأنه ليس صحيحا على الإطلاق بأن الأجهزة الأمنية هي المتحكمة، بل كثيرا ما ترفع تقاريرها للرئيس الذي يرمي بها في سلة المهملات، ويقرر خلاف ما تنصحه به، وضرب لي بعض الأمثلة عن موظفين سامين قام بتعيينهم في مواقع بالغة الحساســــية، من دون الالتفات لعدم مصادقة جهاز المخابرات على ملفـــــاتهم لما تحتويه من وثائق تدينهم قضائيا وأخلاقيا وماليا. وراح الرجل في ذات السياق يبرهن على أن الشعب الجزائري مر بالمرحلة التي تمر بها الشعوب العربية عام 88، وتمكن من استرجاع حرية التعبير وقطع الطريق على سجن المعارضين السياسيين وما إلى ذلك، وإن لم ينف ما حدث بعدها من انقلاب 92 وما ترتب عـــــنه من سقوط أعداد فلكية من الضحايا (150 ألفا الرقــــم الرسمي وضعفه تشير إليه تقارير منظمات حقوق الإنسان المستقلة)، غــــير أنه يصر على أن ذات القيادات الأمنـــية والعسكرية التي كانت مسؤولة عن ذلكم الخــيار البائس، وهي إلى اليوم أي بعد عقدين تتولى قيادة هذه المؤسسات، باتت على قناعة راسخة بوجوب التغيير.
أكتفي بهذا القدر من كلام العقيد اختصارا، وأقول: متى استقام ظل سياسة ما وعود قادتها أعوج؟ هذا مناف للمنطق مجانب كليا للصواب، لو كان الأمر كما استعرضه العقيد لقدم هؤلاء القادة استقالتهم، وحولوا مسؤولية الإصلاح لجيل جديد، بيد أن المعلوم لدى عامة الشعب أن رأس جهاز الاستخبارات في عقده الثامن ويعاني أمراضا مزمنة مثل الرئيس تقتضي تنقله لمستشفيات فرنسية وأمريكية، كذلك الحال بالنسبة للقيادة العسكرية التي كشفت وثائق ويكيليكس غرقها في مستنقع الفساد.
ثم أليس من الضحك على الناس الادعاء بأن هناك تعددية حزبية في الجزائر؟ أهذه أحزاب أم جمعيات معلبة صنعها النظام وحدد أدوارها؟ يوهمنا اليوم بأنه سيفتح معها مشاورات لتعديل الدستور. بالمختصر المفيد نحن لا نؤمن بها كلها من دون استثناء، لأنها أضفت شرعية على نظام غير شرعي، وحتى أقرب الصورة أكثر لجهاز الاستخبارات الفت انتباههم للأحزاب المتعددة المعتمدة قبل ثورة الشعب التونسي، أين هي وما وزنها الحقيقي اليوم؟ وليقس ما لم يقل، ومن هزال الفكر وضحالة العقل أن يفصل بين الإصلاح السياسي وفتح مجال الإعلام وحرية التعبير.
في الختام، أكرر للمرة العشرين عبر هذه الصحيفة، لرجال الاستخبارات والمؤسسة العسكرية من جيل الحرية والاستقلال، ما لم تبادروا جديا وعمليا مثلما فعل أقرانكم في تركيا، بكنس هذه الوجوه المتهرئة، والاعتماد على الكفاءات الوطنية النزيهة من الشباب والكهول، فان الرسالة الخاوية التي حملها خطاب الرئيس، لا تعني إلا المواجهة مع الشعب في يوم عساه قريبا، والله أعلم لأي حال ستنتهي لحال ليبيا وعواملها واللاعبين عليها نراها رأي العين؟ أم لحال مصر وتونس، وفي كلتيهما أنتم الخاسر الأول ما لم تقفوا إلى جانب الشعب والمصلحة العليا للوطن.

‘ فلاح جزائري


Nombre de lectures : 986
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique