Édition du
20 July 2017

الاستقلال.. اكبر خدعة صدقها العرب

خضير بوقايلة

القدس العربي

06 ماي 2011

 

ماذا أصاب هذا العالم العربي حتى يتحول إلى هذه الحالة البركانية المفاجئة؟ اندلعت شرارة الثورة الأولى في تونس وبقيت أنفاس العرب وأعناقهم مشدودة إلى تلك البقعة المباركة من بلاد المغرب العربي حتى انقلب الوضع وهرب الرئيس زين العابدين بن علي من البلد. لحظة تاريخية أبت إلا أن تلد من رحمها لحظة أخرى تحولت فجرا جديدا على أرض الكنانة، وها هي لحظات المخاض والميلاد تتكاثر على امتداد الرقعة العربية، وأغلب الظن أنها لن تتوقف حتى ينزل الجنين العربي الجديد كاملا مكتملا. ما الذي جعل شعوبا تعودت لعقود طويلة عيش الذل والهوان تنتفض فجأة وتخرج كالمارد تطارد جلاديها وتصيح في وجوههم أن اغربوا عن أنظارنا وارحلوا لأننا لم نعد نتحملكم ولا نخاف من بطشكم شيئا؟

بماذا يذكركم هذا الإصرار والالتفاف الشعبي العربي الهائل ضد الحكام العرب؟ ولماذا كل هذه النشوة وانفراج أسارير الناس وهم يرون حكامهم يخرون أمامهم؟ بل ما الذي يجعل أفئدة باقي الشعوب العربية معلقة بهذا البلد الذي يشهد انتفاضة شعبية أو ذاك، تضامنا ودعاء وتعاطفا في البداية ثم ابتهاجا واحتفاء بعد سقوط الصنم؟ لحظات تاريخية لا تعادلها إلا تلك اللحظات التي عشنا بعضا منها وعاشها آباؤنا قبل عقود. تلكم هي لحظات خروج المستعمرين الغزاة واستعادة المنطقة استقلالها الذي حرمت منه لفترات طويلة. اسألوا شعب تونس وشعب مصر وسيؤكدون لكم أنهم بعد رحيل بن علي ومبارك أحسوا أنهم ولدوا من جديد وأنهم الآن فقط بدأوا يستنشقون نسائم الحرية والكرامة والاستقلال، نعم الاستقلال. واسألوا أيضا اليمنيين والسوريين والليبيين عن شعورهم في هذه اللحظات الحرجة من حياتهم وسيقولون لكم دون تردد إنهم يناضلون ويقاومون ويقاتلون من أجل أن ينالوا إحدى الحسنيين، الحرية أو الشهادة.

الانتفاضة، الثورة، الحرية، الكرامة، المقاومة، القتال، النصر، الاستشهاد.. كلها مصطلحات يفترض أن لا نسمعها متداولة في ربوع الوطن العربي باستثناء فلسطين أو العراق على أقصى تقدير. فالبلاد العربية الأخرى لا يوجد فيها استعمار ولا انتداب ولا حكام أجانب، بل هي بلدان مستقلة لها قوانينها ودساتيرها الخاصة ويحكمها رجال من بني جلدة الشعوب وصلوا إلى عروشهم تلك من خلال عملية معروفة تسمى الانتخابات. فما الذي يجعل إذن شعبا مثل شعب تونس أو شعب مصر أو شعب اليمن أو شعب سورية يخرجون إلى الشوارع حاملين شعارات تطالب بالحرية والكرامة وبإسقاط النظام وتستعمل في ذلك مصطلحات من قبيل المقاومة والثورة؟ بل ما الذي دفع شعبا كشعب ليبيا إلى حمل السلاح والاستنجاد بالخارج من أجل إزاحة حاكم خرج من صلبه ووصل إلى الحكم باسمه ولبث في قومه أربعين سنة؟ ماذا دهى العرب في لحظة واحدة حتى يقوموا منتفضين على حكامهم يدعونهم إلى الرحيل من دون أن يضمنوا لهم عيش ما بقي من أيام حياتهم دون محاسبة ومحاكمة؟

الجواب بكل بساطة هو أن الشعوب اكتشفت في لحظة وعي فارقة أنها لم تنل استقلالها بعد وأن الحكام الذين ورثوا العرش في ما يسمى عهد الاستقلال إنما هم مستعمرون ومستبدون. أربعة أو خمسة عقود مرت قبل أن تتفطن الشعوب العربية إلى أن الاستعمار لم يرحل بعد وأنها كانت تعيش لحظات استقلال مزيف، لذلك كان لزاما عليها أن تعود إلى نقطة الصفر وتعلنها ثورة شاملة لن تتوقف حتى تصل إلى محطة الوصول. نعم الاستعمار ليس فقط فرنسيا أو بريطانيا أو إيطاليا، بل يمكن أن يكون أيضا عربيا محليا خالصا. يروي الجزائريون عن مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة الرئيس شارل ديغول أنه قال قبل منح الجزائر استقلالها إنه صار مطمئنا إلى أن الذين سيرثون الحكم من بعده لن يفعلوا شيئا ضد مصالح فرنسا، بل إنهم سيكونون أشد حرصا على مصالح فرنسا من الفرنسيين أنفسهم. لن أضيف شيئا، بل اسألوا الجزائريين الآن إن كان ذلك هو ما يعيشونه أم لا. اسألوهم إن كانوا يعتقدون صادقين أن بلادهم مستقلة فعلا وأن حكام الجزائر المتعاقبين منذ الاستقلال كانوا يضعون مصلحة الجزائر أم مصلحة فرنسا قبل كل اعتبار.

ليس هذا مجالا لجلد الذات كما يحلو للبعض تكراره في كل مناسبة، بل انظروا إلى واقع الجزائريين، استمعوا إلى رئيسهم الحالي وإلى وزرائهم المتنفذين أي لغة يتكلمون أو يتقنون، وبأي بلد يتعلقون، هل يتكلمون العربية أم الفرنسية، وجلهم إذا تكلم بالعربية، هل يجد من الشعب من يفهم كلامه؟ بل حتى الذين يتحدثون العربية بطلاقة يفضلون في المناسبات الرسمية داخل بلادهم وخارجها أن يتخاطبوا بالفرنسية، بل المصيبة أنهم حتى عندما يزورون بلدا كالصين أو أمريكا أو إسبانيا أو تركيا مثلا فإن مضيفيهم يضطرون إلى إحضار مترجم يتقن اللغة الفرنسية. يحدث هذا بعد خمسين سنة مما يسمى استقلال الجزائر. لست أتحدث هنا انطلاقا من أية عقدة أو تفكير رجعي، بل من واقع أن اللغة هي أكبر مؤشر على السيادة والانتماء الوطني.

وقبل أن يسبقني أحد إلى القول إن بشار الأسد أو علي صالح أو مبارك أو القذافي متمسكون بلغتهم العربية في مخاطبة شعوبهم أو في التواصل مع نظرائهم أو ضيوفهم الأجانب، علي أن أشير إلى أن عقدة اللغة ليست إلا مؤشرا واحدا للتأكيد على أن حكامنا لا يعون شيئا في المسألة السيادية أو الاستقلال. فمعظم الشعوب العربية التي كافحت من أجل دحر الاستعمار ورفع راية الاستقلال وجدت نفسها بعد عقود طويلة ترزح تحت وطأة مستعمر ولد مع شعبه من رحم بلد واحد. بداية العهد كانت عسلية يسودها الوئام والمحبة، القيادة والشعب متلاحمان تحت شعارات البناء والعزة والتحدي ومحاربة الفقر والجهل والوحدة والصمود والقومية، ومع مر الأعوام بدأت مساحيق التجميل تزول ويظهر الوجه القبيح لأنظمة الحكم العربية. أنظمة مستبدة طاغية باغية ظالمة لا يهمها من مستقبل بلدانها ولا شعوبها شيء، أنظمة تملك وحدها الحقيقة المطلقة وهي وحدها العين الساهرة على أمن البلد واستقراره وعلى حمايته من المندسين والخونة والعملاء.

تأملوا في البدء كيف وصلت هذه الأنظمة إلى السلطة، كلها نصبت نفسها في الحكم دون استشارة حقيقية لشعوبها، بعضها انتدبها الاستعمار الأصلي لذلك قبل أن يغادر وبعضها ناور وتآمر من أجل ذلك وبعضها الآخر انقلب على من سبقه، وقد حملت هذه الانقلابات شعارات رنانة من قبيل التصحيح الثوري أو ثورة الضباط الأحرار أو ثورة الفاتح إلى غير ذلك. ماذا فعل هؤلاء الحكام بعد ذلك؟ قرروا لوحدهم أي نمط حكم يصلح للشعب والبلد، ووضعوا بأنفسهم دساتير البلد التي كانوا يغيرونها كلما تغيرت طموحاتهم وأعمارهم. سخروا ثروات بلدانهم وشعوبهم لخدمة أطماعهم وتأمين عروشهم ومصالحهم ومصالح أولادهم. لا أدري من هذا الحكيم ابن الحكيم الذي اخترع لنا شعار (بالروح، بالدم نفديك يا…)، المفروض أن يصنع له الحكام العرب تماثيل من ذهب وأن تلاحقه الشعوب باللعنات إلى يوم الدين. هكذا تحولت الشعوب والبلدان فداء لحاكم سافل ساقط استغل ظروفا معينة ليتسلق إلى منصة الحكم ويخلد فيها حتى يأخذه ملك الموت عنوة. هذا هو الاستقلال وهذه هي الديمقراطية في بلاد العرب، جاهلون ينصبون أنفسهم حكاما على شعوب تزخر بالطاقات العلمية والثقافية التي أبدعت وصنعت معجزات في بلاد الغرب، لكنها وجدت عقولها مربوطة في بلدانها.

من الذي يعطي الحق لكائن مهما بلغ من العلم والجاه والقوة أن يفرض نفسه على شعبه حاكما أبديا، مستعملا كل الوسائل المتاحة من أجل ذلك، التزوير والرشوة والقمع والتآمر والنفي والمطاردة والتصفية الجسدية. صار الحاكم العربي يندهش ويصدم عندما يسمع أصواتا تنبعث من أفواه شعبه تطالبه بالعدل أو حتى بالاستقالة، من أنتم أيها الجردان لكي تتطاولوا على زعيمكم؟ والجرذان هذه ليس حكرا على سفاح ليبيا فقط، بل هي تتردد على ألسنة جميع حكام العرب عندما يتكلمون عن معارضين لهم في صفوف شعوبهم.

ماذا فعل الاستعمار عندما غزا البلاد العربية؟ طغى فيها وأكثر فيها الفساد، نهب خيرات تلك البلاد وتآمر على شعبها ولجأ إلى كل الأساليب من أجل الاستمرار في الحكم، طارد المقاومين وقتلهم وشردهم ونفاهم إلى الخارج وزج بهم في السجون وتعامل مع شعب البلد الأصلي كما يتعامل مع الدواب والأنعام. المستعمر الفرنسي والبريطاني والإيطالي فعل ذلك والجرائم موثقة في أرشيفهم الرسمي وفي ذاكرة الشعوب، فماذا فعل الحكام العرب في شعوبهم بعد ذلك؟ هل تحتاجون إلى إحصائيات عن عدد الذين اغتالتهم الأنظمة العربية، والذين زج بهم في سجون وأقبية المخابرات والأجهزة الأمنية والعسكرية المختلفة وذاقوا هناك صنوفا وألوانا من التعذيب ربما لم يذقها أسلافهم أيام الاستعمار الأصلي أو الخارجي؟ هل تريدون أرقاما عن الذين صدرت في حقهم قرارات نفي من بلادهم أو اضطروا إلى الهجرة طوعا قبل أن ينال منهم حاكمهم المفدى؟ هل تصدقون الوثائق الرسمية التي تتطرق إلى المليارات التي نهبها الحكام العرب وأقاربهم وأزلامهم والأملاك التي اقتنوها في بلدانهم وفي مختلف بلاد العالم؟ ما هو الوصف الأقرب لحاكم أو نظام يقتل وينهب ويقمع ويسخر كل أجهزة الأمن في البلد لخدمته هو وحده؟ بماذا يختلف النظام العربي الحاكم الذي يفعل كل هذا وأكثر عن أنظمة الاستعمار الغربية؟

أي بلد يستحق أن يوصف بالبلد المستقل هذا الذي يختصر في الحاكم وابنه على أقصى تقدير؟ أي وطن يمكن أن نعتبره ذا سيادة وشعبه لا يقدر أو لا يسمح له أن يفكر يوما في تغيير حاكمه أو مطالبته بقليل من الحرية والكرامة؟ أية كرامة وأي استقلال هذا الذي يسمح لشخص أو نظام حكم أن يطلق الرصاص ضد شعبه ويحاصره ويملأ به المعتقلات والمقابر دون أن يهتز ضميره مثقال ذرة؟ أي استقلال هذا الذي يسمح للحكام أن يعيثوا في بلدانهم فسادا وأن يتعاملوا مع شعوبهم كالحشرات والزواحف الضارة والسامة، وإذا قرروا أن يفعلوا فيهم شيئا من الخير فإنهم لا يفعلونه حبا أو نزولا عند رغبة شعوبهم، بل استجابة لضغوط أجنبية أو خوفا من عقوبات خارجية ضدهم وضد مصالحهم؟ هذه هي الصورة انقلبت وصار مستعمرو الأمس أحرص على حياة وكرامة شعوب العرب من حكامهم، لا يهم أن يقول قائل إن الغرب يفعل ذلك حفاظا على مصالحه أو إنه هو الذي كان يدعم أو يساند هؤلاء الطغاة ضد شعوبهم، قد يكون هذا كلاما معقولا أو صحيحا لكنه لا يعفينا من التأكيد بالوقائع أن الحكام العرب أشد قسوة وظلما لشعوبهم من الاستعمار.

الشباب العربي اكتشف بعد جيلين كاملين أنه لا يزال مستعمرا وأن ما يسمى استقلالا إنما هو كلام مزيف، لذلك قرر أن الوقت حان ليعلنها ثورة شعبية من أجل استقلال حقيقي ودائم هذه المرة. أربعون سنة أو أكثر مرت على شعوب العرب وهي تحت تأثير أضخم كذبة وأكبر خديعة اسمها الاستقلال والسيادة الوطنية.

 

 

 

 

 

 


Nombre de lectures : 1594
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • hakimM
    9 mai 2011 at 0 h 43 min - Reply

    @Moustakim,
    entièrement d’accord avec toi. J’ai une encyclopédie de l’histoire de l’Algérie. Il est dit que les algériens face a l’ennemi se divisent toujours en deux, la moitie qui combat et la moitie qui vend son pays.

    C’est ce qui s’est passée en 1830, en 1962, en 1992, en janvier 2011, etc.
    La combativité et le courage manque en ce moment. Rajouter a cela, un manque de meneurs qui n’ont pas peur de la prison et un manque de suiveurs de ces bons meneurs.




    0
  • Cherifi
    9 mai 2011 at 0 h 43 min - Reply

    Salut, En Algerie la langue officielle est l’arabe, la seule et Unique télévision s’adresse aux téléspectateurs,s’ils en reste encore,en arabe académique que meme nos moualimines,tous cycle confondus,ont du mal à déchiffrer et comprendre.L’une des constates sacrées dans notre pays est cette meme langue arabe.Nos admistrations furent sommées par un decret signé Zéroual de n’utiliser que cette langue,sous peine de sanctions en cas d’utiliser une autre.C’est-à-dire le français.Les preches se font en langue arabe.Nous appartenons au Maghreb arabe et nous sommes une partie intégrante de la qawmya el arabia.Seulement on fait semblant de ne pas comprendre pourquoi le peuple algerien parle:arabe dialectal,chaoui,kabyle,mozabite et français.Au lieu d’accuser,gratuitement,De Gaulle d’etre derrière ce phénomène,pour vous,incompréhensible;je vous rappelle que le premier président post-indépendance à déclaré ouvertement que nous sommes arabes(نحن عرب,نحن عرب,نحن عرب).ِCelui qui l’a remplacé et père des trois révolutions,a fait de l’arabisation une affaire personnelle(lui ,il n’a pas été à l’école mais à l’université de zitouna et el azhar,et s »est retrouvé au milieu de collaborateurs tous françisant.Ces derniers ne sont pas les DAF)en commençant par détruire l’école Algerienne en procédant à son arabisation d’une manière cruelle,sauvage et irréfléchie.Et là,vous vous souvenez tous des instituts islamiques qui ont ouvert leurs portes aux exclus qui ont pu accomplir leur cursus et reussi meme à décrocher le « BAC » qui leur a permis de retrouver l’université,décrocher un diplome et devenir ce qu’ils sont devenus maintenant.Chadli,n’a rien fait pour revoir la copie et corriger les bétises flagrantes et inadmissibles.Que peut faire Bouteflika ou celui qui viendra après lui,si le peuple Algerien continue à parler français,a regarder les chaines françaises en payant un prix fort au lieu de regarder gratuitement la seule et unique haine de telefiction, a se rendre en france beaucoup plus que les autres pays,à opter pour la double nationalité »française » au lieu des autres,à contracter des mariages avec des français(ses)plus que les autres nationalités??? Pourtant nous étions arabisés par l’islam depuis 14 siècle et colonisés 132 ans seulement par la france. Monsieur le défenseur de la langue arabe,je dois vous dire que vous n’etes pas en mesure de défendre cette langue mieux que nous.Seulement,nous sommes un peu comme Mohamed abdou(que Dieu ait son ame)et on raisonne autant que lui,pour vous dire que :Celui qui ne maitrise pas une ou plusieurs langues de sciences est voué à disparaitre,misérable,sur un bateau de bétises,dans un océan d’idiots.Cessons de mettre nos errements et nos bétises sur le dos des autres. N’accusons pas,betement,le colonialisme,la france, israel,l’impérialisme et je sait quoi encore de nos échècs répétés.Le mal est en nous.N’attendez pas à ce que Obama,Sarkosy,Merkel et Netenyahu …vous fasse des cadeaux;d’ailleurs qui sommes nous pour les obliger à nous écouter et répondre favorablment à nos fantasmes d’arabes.




    0
  • Congrès du Changement Démocratique