Édition du
30 March 2017

اليمن:سقوط العنسي

 

حمانة محمود

عندما احرق محمد بوعزيزي نفسه في قرية من قرى الجنوب التونسي المنسية ايذانا ببزوغ فجر جديد كان الشعور السائد لدى الكثيرين من قصيري النظر الذين يسيطر عليهم الإحباط ان نظام بن على سيتمكن من القضاء على هذا التمرد وإحتواء الغضب الجماهيري عن طريق اسلوب الوعد تارة والوعيد في كثير من الأحيان وانه لا قبل للشعوب بحكامها وان علينا التعايش مع هذا الواقع

ولكن الإصرار التونسي على التخلص من الطاغية فند هذا الطرح إذ تمكنوا في غضون ثلاثة وعشرين يوما من الإجهاز على نظام من اكثر الأنظمة إقطاعا فاتحا المجال بذلك لباقي الدول كي تحذوا حذوه ليبدأ العد التنازلى لرحيل الطغاة الذين تساقطوا الواحد تلو الآخر كأوراق الخريف وسط دهشة الحكام الذين لم يعد يدرون ما يحدث لهم في خضم ما اصبح يعرف بالربيع العربي الذي عجزت مكاتب الدرسات الإستراتيجية في الغرب على التنبؤ بوقوعه لأنهم يتعاملون مع الشعوب على اساس انها غير قادرة على تحدي حكامها وهو الشيئ الذي كان

منذ زمن يسير مجرد التفكير فيه من المحضورات .

ولما كان الحكام العرب مقتنعون بأنهم مقبلون على مرحلة من مراحل حياتهم السياسية تختلف في معطياتها مع ما دأبوا عليه والتى تأتي لتكرس القطيعة مع الماضي ضلوا الى أخر لحضة يراهنون على حلفائهم من الغرب ليهبوا لنجدتهم الا أن للمصالح احكامها التى تمنعهم من معاداة الشعوب في سبيل إنقاذ من يعتبرونهم اليوم عديمي الجدوى وهي ذات المصالح التى تفترض قدرا من ألإستقرار لا يتوفر حاليا في الدول التى يسعون لبسط نفوذهم فيها

اثبت التونسيون والمصريون فيما بعد بما لا يدعو مجالا للشك ان قوة الحكام مستمدة من استعداد الشعوب لتقبل الخرافة التى نسجتها هذه الأنظمة الدموية وان الحرب النفسية التى شنوها على شعوبهم من خلال الدعاية المركزة على مدى عقود طويلة هي التى يستمدون منها سطوتهم وقوتهم وشرعيتهم المزيفة ليتضح ان الشعوب كانت تعيش اكذوبة كبيرة ظاهرها الإستقلال إذ ان هذه الأنظمة باتت اكثر عدوانية من المستعمر إلا انها لم تصمد في وجه التيار الشعبي اكثر من شهر ليتأكدوا انهم ضحية سذاتهم

لأن حاجز الخوف الذي شيده طغاة الأمس كان اقوى من اى ستار وتحد من اكبر التحديات التى اثبتت التجربة التونسية انها اوهن مما صوروه لها وأنه بشيئ من التضحية والصمود يمكن لها ان تستعيد مجدها المسلوب لتعود كما كانت سيدة مصيرها

فقد غادر زين العابدين بن على البلاد لينجو بنفسه من ملاحقة الشارع ليلتحق به بعد اقل من شهر بقليل حسنى مبارك الذي اخفى انساحبه وراء الحالة الصحية التى رآها انها تتطلب… العلاج بالخارج .في حين ان صاحبنا القذافي اختفى في ضروف غامضة بعد ان شن حربا على شعبه قل ما شاهدناها عبر التاريخ وبعد ان دمر البلاد والعباد وقضى على مقومات الدولة لتغرق ليبيا في الفوضى وهذا بعد ان تأكد ان المتكالبون قد احكموا سيطرتهم عليها وانه لم يعد لأهلها اية حض في قيادتها إلا بما لا يتعارض مع مصالح الدول المتحالفة من أجل إسقاطه ليكشف عن نواياه الحقيقية كعميل للغرب منذ إعتلائه سدة الحكم وأنه كان يعد لإستقدام الأجانب ضمن سلسلة التنازلات التى دأب على تقديمها خدمة لجنون العظمة الذي عرف به منذ ان كان ضحية لجمال عبد الناصر الذي ضل طيلة حكمه يردد على مسامعه انه امين القومية العربية من بعده

كانت لهذه الوعود الأثر السيئ على القذافي الذي شرع بعد وفاة ما يسمى بالزعيم في المطالبة بقيادة العرب وهو الدور القيادي الذي اصبح يرى انه الأجدر به وانه حق مكتسب حرمه منه من عاصرهم من الزعماء العرب الذين اصبح يراهم قد خانوه في عدم الإستجابة لشطحات خياله الخصب الذي شغل وسائل الإعلام لسنين طويلة ليكون محل سخرية الأعداء وألأصدقاء على حد سواء.وكخطوة اولى في سياق رد الفعل على الصدمات التي تعرض لها, قام بمقاطعة العرب كتمهيدا للتقرب من دول افريقيا السوداء التى رآها اكثر إستعدادا للتجاوب معه بحكم التطابق في الرؤى وهو ما حصل فعلا إذ تمكن من إقناعها بتتويجه ملكا على افريقيا بعد ان انفق عليهم بسخاء على حساب الشعب الليبي الذي شعر بخيبة امل كبرى وهو يرى امواله تهدر بهذه الطريقة في الوقت الذي يعانى الفقر والحرمان

ليس على عبد صالح هو اول من كابر وتشبث بالحكم فقد فعل هذا كل من زين العابدين ومبارك الذان إنتهيا الى قناعة الإنسحاب كواقع تفرضه النظرة البراجماتية لأن البعد الثقافى في سخصية الرجلين كان له الفظل في تجنيب شعبيهما المزيد من المعاناة في حين ان نيرون اليمن لم يتورع في إرتكاب كل الحماقات التي تتماشى تماما مع ميوله للعنف الغير مبرر لأن مستواه الثقافي لا يؤهله الى الإرتقاء بتصرافاته الى ما هو اسمى واشرف وادل على الحنكة السياسية من ذلك ليجعل من الإرتجال مبدأه لينتهي به ألأمر الى الطريق المسدود فيصبح يستجدي الحل السلمي الذي يرفضه اليوم .ليس عناده هو الذي سيجعل اليمانيين يتسامحون معه بعد الذي بدا منه او التصريحات المتناقضة التى ضل يتستر ورآءها منذ نزول الناس للشوارع للمطالبة برحيله هي التى ستغير من الواقع اليمنى شيئا لأنه لا يملك ان يتجنب المصير المحتوم الذي واجهه نضراؤه من الطغاة.وسواء رحل الى السعودية ام لم يرحل فهذا لايغير من الحقيقة اليمنية شيئا لأنه دخل مرحلة العد العكسي اسوة بغيره منذ ان قررت الشعوب إحداث التغيير الذي كان من المفروض ان يتم منذ زمن طويل

ان الأنظمة البوليسية ارتكبت خطئا جسيما حينما ضنت ان سفك الدماء كفيلا بردع الشعوب وحملها عن التراجع عن مطالبها المشروعة.وما دامت تتعرض للموت وللإبادة فلم يعد لديها ما تخسره وبالتالي فإنهم شحنوا شعوبهم من دون علم للإنقلاب عليهم حينما رفضوا التحاور والتعامل معهم على اساس انهم شركاء كاملي الحقوق فيما يتعلق بتسيير شؤون بلدهم وأن الموت الذي ضل التهديد الذي طالما لوحوا به لم يعد يثير في نفوس الناس تلك الرهبة ما داموا يتعرضون له على ايدي حكامهم واصبح واقهم اليومي.

هذا التحول الجذري في التفكير العربي لدي الشعوب التى تمكنت من نيل نصيبها من الثقافة جعل الكثير من المتتبعين له يشككون في إمكانية نجاح الثورتين التونيسية والمصرية وهو النجاح الذي يردونه الى رغبة الدول الغربية في التخلص من حلفائهم على حد زعمهم,وهو ما جعلهم يختلقون الأسباب الواهية لهذا التحرك المذهل على اكثر من صعيد بسبب عجزهم وعدم قدرتهم على مجاراتهم في هذا النهج البطولي الذي لا يصدر إلا عن الشعوب التى تحترم العلم والعلماء وتحترم تاريخها ونفسها .شعوب تستطيع التفريق بين الفوضى والشجاعة التى تتطلب الكثر من التضحية وألإيباء لا يملكه الا القليل من الشعوب التى تنبذ عبادة الشخصية وتنبذ التعاطي مع قضاياها إلا بما يمليه عليها حبها لوطنها.هؤلاء ينسون او يتناسون الجهود التى بذلها حلفاء إسرائيل في المحافظة على كل من زين العابدين ومبارك في منصبيهما مع فرض تعديلات دستورية تضمن الحد الأدنى من الديمقراطية.الكل يعلم بأن السعودية مثلا ذهبت بإيعازمن الولايات المتحدة الأمريكية الى حد تقديم هبة بمبلغ 05 ملايير دولار للشعب المصري ولكنها كانت في الواقع موجهة لدعم حليف إسرائيل الأول في المنطقة وهي الهبة التى تم التراجع عنها بعد ان تأكد رحيل العميل

ان الربيع العربي الذي هب في تونس وعرج على مصر ومكث في ليبيا واليمن سيمر حتما بغيرها من الدول التى يتحسس قادتها عروشهم على ضوء ما ينتضرهم من مصير هم موعودون به

فلا الوعود الكاذبة التى عودوا عليها شعوبهم ولا سلسة التنازلات التى يقدمونها على عجل لمغازلة الرأي العام كفيلة بتجنيبهم الغضب الشعبي العارم الذي اصبح يتهددهم ويقض مضجعهم ليجعل منهم الضحايا المستقبلية مع ايقاف التنفيذ.

حمانة محمود,موظف متقاعد


Nombre de lectures : 932
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique