Édition du
27 July 2017

صحافتنا والثورات: مع الاستبداد تجنبا للفوضى

z-dz.com

15/08/2011

مصطفى فرحات

منذ بداية الثورة الليبية وتوالي الأحداث التي لم يتوقع أحدٌ نبضها المتسارع، بما في ذلك العقيد القذافي نفسه، تتابعت التعليقات المعبِّرة عن الموقف من هذا الحدث ما بين مؤيد ومعارض، وانتقل النقاش إلى الحقل الإعلامي نفسه والتباحث حول أفضل الطرق للتعامل معه.

z-dz.com

غير أن النقاش في كثير من الأحيان بدا، للأسف، مُعبّرا عن ردود أفعال وانفعالات عاطفية أكبر من كونه معبّرا عن « وعي » بالحراك العربي: ربيعه وصيفه الذي حمل معه بشائر لم تصمد في أكثر من دولتين: تونس ومصر، لتنهار على وقع نُذر حرب أهلية في اليمن، وتدخّل أجنبي في ليبيا، ومجازر في سوريا لم يحظ ضحاياها ـ عمليا ـ بالتعاطف اللازم وكأن « الثورة » أصبحت موضة قديمة لم تعد تستهوي دُعاة التغيير، ولا تُخيف الأنظمة الصامدة المُرابطة على عروشها.

بهذه الانفعالية الآنية التي تجمع بين الشيء ونقيضه في آن، صدرت البيانات التي وقّعها إعلاميون دافعوا عن حق الشعب الليبي في التغيير ثم دافعوا عن حق « الزعيم الليبي » في الدفاع عن حُكمه، وبهذه « المراهقة » أغرقتنا الصحف بعشرات الحوارات مع مواطنين ليبيين: مشايخ وموظفين عاديين وأساتذة مغتربين تحولوا جميعا إلى « نشطاء سياسيين معارضين » يبشرون بسقوط النظام « قريبا ».

تكلّم الإعلام الجزائري، سيما المكتوب منه، عن أشياء كثيرة ترتبط بما يحدث في ليبيا، بدأت بدعم كبير للثوار الليبيين [أو « المتمردين » حسب تعبير وكالة الأنباء الفرنسية] ومتابعة تحركاتهم والإشادة بهم وإدانة « المجنون » كما سمته صحيفة جزائرية « كبيرة »، ثم انقلب هذا الدعم على عقبيه، وتحول إلى تخندق واضح في صف المؤيدين للقذافي، خاصة بعد إعلان الحكومة الجزائرية موقفها من الصراع الدائر على حدودها الشرقية والجنوبية، وفي كلتا الحالتين: كان وقع هذا الكلام ضعيفا، بلا رجع صدى، يطرح الأسئلة الخاطئة ويجيب عنها بأجوبة مغلوطة، قُدّمت لنا فيه مفاهيم أخرى للحيادية والموضوعية في مواجهة « حيادية » قناة الجزيرة التي نالت حظها من الاتهام بالعمالة والتخوين، بل انتهى الأمر إلى تمجيد القذافي وتصوير « الناتو » بمظهر المحتل الغازي واعتبار ما يحدث على أرض ليبيا فصلا من فصول الحرب الصليبية التي يخوضها الغرب ضد المسلمين، دون إغفال الإشادة بصمود العقيد واستبسال جيشه في الدفاع عن ليبيا بما يُنسي الرأي العام العربي بطولة حزب الله في صد العدوان الإسرائيلي وصمود غزة في وجه العدوان الصهيوني!
نعرف أن الموقف الجزائري الرسمي من الأحداث الليبية كان المؤشر العلني، بعد مؤشرات خفية، للصحف التي لم تفهم الرسالة وحاولت أن تكمل مسيرة « الإشادة » بالثورات العربية التي سبقت الحالة الليبية: تونس ومصر تحديدا. وعلى قدر البشارة الأولى ـ التي كانت مجرد انفعال عاطفي يحاول الاقتراب من الشارع المتعاطف مع الثورات ويستحضر في لاوعيه تجربة « الجزيرة » المحرّكة للشعوب ومحاولة اقتفاء أثرها ـ جاء النذير يحذّر بأعلى صوته من « الثوار » الذين تحولوا بين عشية وضحاها إلى « عملاء » يخدمون المصالح الغربية في المنطقة، وكانت الاتهامات التي كالها معارضو القذافي للجزائر بدعم « النظام الليبي » وإمداده بالسلاح والوقود والمرتزقة « كعب أخيل » الذي حكم بالموت ـ من الناحية الرسمية وحتى الشعبية ـ على كل تعاطف من شأنه أن ينشأ مع دعاة التغيير الليبيين.
بهذه الانفعالية الآنية التي تجمع بين الشيء ونقيضه في آن، صدرت البيانات التي وقّعها إعلاميون دافعوا عن حق الشعب الليبي في التغيير ثم دافعوا عن حق « الزعيم الليبي » في الدفاع عن حُكمه، وبهذه « المراهقة » أغرقتنا الصحف بعشرات الحوارات مع مواطنين ليبيين: مشايخ وموظفين عاديين وأساتذة مغتربين تحولوا جميعا إلى « نشطاء سياسيين معارضين » يبشرون بسقوط النظام « قريبا ».
وعلى نفس الوتيرة جاءت التحركات الإعلامية الأخيرة صوب طرابلس، تحاول أن تنقل الصوت الذي لم يعد يسمعه أحد خارج الجزائر، لكنها عرضت لنا مشاهد « مبتورة » تكشف عن جانب واحد من الحقيقة المأساوية في طرابلس، وتنسى « حقائق مأساوية » أخرى في بنغازي والزاوية وزليتن والجبل الغربي.
لا داعي إلى التذكير بأن الزملاء الذين خاطروا بأنفسهم كانوا نزهاء في ما قاموا به، ولم يكونوا مدفوعين بغير مهنيتهم ومحاولة الاقتراب من المشهد بطريقة غير تلك التي تعرضها الفضائيات العربية المؤيدة للثورة الليبية. وعرضُ الحقائق من جميع زواياها ليس مهمة صحافي واحد فقط، وقد حقق بعضهم سبقا إعلاميا يحلم به أغلب الزملاء الذين أنكروا عليهم واتهموهم بالعمالة والخيانة، ولكنها العقدة الجزائرية المستحكمة بامتياز: « الذيب إذا ما لحقش للعنب يقول قارص ».

أزمة الصحافة عندنا مرتبطة أساسا بأزمة النظام نفسه، بما يجعلها مرآة شاحبة تعكس صورة باهتة لا تُغري أحدا بالوقوف عندها، وهي في أساسها أيضا أزمة مرتبطة بأخلاقيات مهنة لم يكن النجاح فيها وليد القيم التي كانت الصحافة الحرة من أبرز إنجازاتها.

وبعيدا عن الأهداف التي سعى إليها إعلاميونا في « الرحلة الطرابلسية »، هذه هي الرسالة التي وصلت من خلال كتاباتهم [وفق قراءتي الشخصية]: « استعمار يقوده الناتو ضد ليبيا، ومجازر يرتكبها الغرب ضد أبرياء في طرابلس، وقصف عشوائي، وحماية بعض المدنيين بقتل أكثرهم، وثوار عملاء للغرب يستعينون بالعدو الخارجي للإطاحة بالنظام الليبي ». في حين لم نسمع إدانة واحدة لمجازر القذافي نفسه في حق أفراد شعبه، ولم نشاهد صور ضحايا العقيد الذين استهدفهم بقصف أشد عشوائية من قصف الناتو، ولم نسمع كلمة تقال، ولو على استحياء، عن مدى مصداقية نظام متجسد في شخص واحد يحكم بلدا بحجم ليبيا منذ أكثر من 40 سنة! ولم نر مبعوثا لجرائدنا في بنغازي أو غيرها من المدن الليبية التي وقعت تحت سيطرة الثوار.
في هذا السياق، وعند تتبع تعليقات الزملاء على الحدث برمته، في بعض المقالات وعلى جدار الفايسبوك وفي تعليقهم على ما كتبه زملاؤنا الذين ذهبوا إلى طرابلس، لا مناص من اعتبار أن أزمة الصحافة عندنا مرتبطة أساسا بأزمة النظام نفسه، بما يجعلها مرآة شاحبة تعكس صورة باهتة لا تُغري أحدا بالوقوف عندها، وهي في أساسها أيضا أزمة مرتبطة بأخلاقيات مهنة لم يكن النجاح فيها وليد القيم التي كانت الصحافة الحرة من أبرز إنجازاتها.
عندما نؤيد الثورة في تونس من منطلق أيديولوجي: إسلاميا كان أو يساريا أو ليبراليا، ثم نؤيدها في مصر « شماتة » بنظام مبارك الذي استنفر وسائل إعلامه الثقيلة ليذيع عبر الفضاء الرقمي كل ما تتفتق عنه عبقريته من سباب وتجريح في حق الجزائر وشهدائها وتاريخها، وعندما نسكت عما يحدث في اليمن لأنها بلد « غير مؤثر » [لا داعي لشرح خطأ هذا التصور]، ونتجاهل أحداث البحرين لأن محركيها « شيعة » هم في مخيالنا « أخطر من اليهود والنصارى »، ولا نتحدث عن سوريا إلا قليلا، وعندما نبارك حركة « 25 فبراير » المغربية ونسلط الضوء على أخبار الاحتجاجات في النظام المخزني، ثم نبارك ثورة الليبيين قبل أن ننقلب عليها، في حين أننا نصر على أن الجزائر « استثناء » يجعلنا نسكت أمام مد التغيير الجارف وتحول الثورات إلى فوضى تستقوي بالخارج على الداخل، عندما نفعل كل ذلك فنحن نكشف عن غياب البعد الأخلاقي والمنطق العقلي في قراءتنا لواقعنا.
في سياق هذا الحراك العربي، تجاهلت أقلامنا حقيقة أساسية مفادها أن الحرية شيء مقدّس: سواء كانت في ليبيا أو سوريا أو السعودية أو حتى الجزائر، وأن انحراف بعض المطالبين بها لا يعني بحال السكوت عن جريمة الأنظمة الأولى: الاستبداد. ولهذا كتبنا عن الشرق والغرب، وطالب بعضنا بمحاسبة دايفيد كامرون على « قمعه » للمحتجين، في حين لم نكتب عن أنفسنا وواقعنا شيئا سوى التذكير بأننا « استثناء »، في عالم لا يعترف بالاستثناءات.

تجاهلت أقلامنا حقيقة أساسية مفادها أن الحرية شيء مقدّس: سواء كانت في ليبيا أو سوريا أو السعودية أو حتى الجزائر، وأن انحراف بعض المطالبين بها لا يعني بحال السكوت عن جريمة الأنظمة الأولى: الاستبداد.

من هذا المنطلق كتب بعض رفقاء القلم ما يدين الناتو لتدخله في ليبيا، وما يدين الناتو لسكوته عن سوريا، وما يدين الثوار في البحرين لأنهم شيعة يخدمون الأجندة الإيرانية، بل قرأنا في صحفنا ما يدين المحتجين المطالبين بالكرامة في الجزائر، والاستهزاء بتنسيقيات التغيير، ومصادرة حق سعيد سعدي في التعبير عن مطالبه، والسخرية من مسيرات السبت وأصحابها الذين ألحقوا بـ »أصحاب السبت »، بما يؤكد بشكل قاطع أن أزمتنا المهنية أزمة أخلاقية تحتاج إلى أن تراجع كثيرا من مواقفها وطريقة قراءتها للأحداث.
في عام 1926، كتب جوليان بيندا (1867 ـ 1956) كتابا أسماه « خيانة المثقفين »، ثم أعاد طبعه مرة أخرى عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية (1946) وقدم له بمقدمة وضعته في سياقه الزمني مع التأكيد على أن شيئا لم يتغير، وكان هذا العمل الإبداعي لبيندا بمثابة « مانيفستو » يُدين تخندق المثقفين ورجال القلم في صف الأنظمة المستبدة وفي مواجهة المطالبين بالحرية، حيث تحول رجال القلم إلى مدافعين عن الاستبداد بذريعة مواجهة الفوضى أحيانا، أو خدمة لمآرب شخصية أحيانا أخرى.
لقد عارض بعض المثقفين الفرنسيين التغيير في بدايات القرن العشرين بمنطق يشبه المنطق القديم: « سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم »، فهل نحتاج اليوم إلى طبعة ثالثة من هذا الكتاب لاستشراف طرق ثالثة، حتى نذكّر أنفسنا ـ مرة أخرى ـ بالقيم الإنسانية العليا التي حملنا القلم من أجل الدفاع عنها، وحتى لا نحتمي وراء ثنائية: الاستبداد أو الفوضى، وحصاد أقلامنا في كلتا الحالتين هشيم!

z-dz.com


Nombre de lectures : 783
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique