صُعقت و أنا أنتظر جوابا عن سؤال كنت قد أعدت طرحه على من توسمتُ فيه
الاطلاع على سرايا النظام. الجواب كان صدمة، مع أن السؤال كان بسيطا: ــ
ــ « لماذا تأخرت ترقيةُ محمد، و كل أقرانه في مستويات علية. مع ما يتصف
به من كفاءة و نظافة؟ » ..
ــ « لأن السنة هذه، كان الذي رُقي هو قدور »…
ــ « …؟.. !!. »
ــ أجاب محدثي بنبرة الواثق، و قد رأى علامات التعجب و التساؤل، « لا
يُمكن أن يُرقى عنصران من بلدة واحدة، في سنة واحدة ».
العجب، المرافق للصدمة، هو أن لا وجه مقارنة بين قدور و محمد إلا مولدهما
في قرية واحدة. فالأول يملأ منصبه وقارا و كفاءة و جديَة، أما قدور فقد
جمع بين الانتهازية و السرقة و الوصولية.
***
العم بشير يذكر أنه قضى أياما مع مجاهدين، أيام الثورة، ممن لا تُنسى
خصالهم و شجاعتهم، قضوا أسابيع دون أن يجرؤ على السؤال عن اسمائهم
الحقيقية و جهتهم. وقتها كانت الهُوية هي الجزائر و مصير كل واحد هو
الموت من أجلها.
***
لم ينتبه أحد إلى ما سببته « الكوطا » للشأن العام
فمنذ الثورة، أو حتى قبلها، و هاجس « الكوطا » حاضر في كل تصرف للنخبة. لا
يتفق قادة جزائريون حول مسعى إلا و أسسوا له لجنة تأخذ في الحسبان الأول
أن تتكوَن من أعضاء يغطّون الوطن من حيث المنشأ. إن حضر الشرق، فيجب أن
يقابله الغرب. و لا يستثنى الجنوب إذا كان الشمال ممثَلا.
***
في بداية الاستقلال، جاب العقيد بن أحمد عبدالغني التراب الوطني، و
الغرب منه خاصة، بأمر من بومدين و توصية من العقيد عثمان، حاثّا ضباط
الغرب الجزائري، الذين آثروا الحياة المدنية، أن يلتحقوا بالثكنات
لـ »تأطير » دفعات « 19 مارس » و بقايا « القوات المحلية » التي أفرزتها
اتفاقيات إيفيان، و ضباط فرنسا الملتحقين، في الربع ساعة الأخير،
بالثورة. أو تسفيرهم، للتكوين في الأكاديميات العسكرية في شرق أوروبا و
المشرق العربي.,
لكن أغلب الضباط كانوا قد انغمسوا في « الملذات » المتاحة للمنتصرين عقب كل
الحروب. كل منهم اختلق عذرا. و حصل ما كان يخشاه بومدين، حصل أن استفردت
جهة واحدة بالسلطة عبر العسكر.
و مما انجر عن هذا العصر، أن القائمين على الشأن العام، و نظرا لما
يملكون من الاستفراد بالقرار، حافظوا على « الكوطات » الجهوية كميّا »:
نعم حرصوا على احترام التمثيل الجهوي من حيث العدد، لكنهم اختاروا ممثلي
الجهات « الأخرى » من مهزوزي الشخصية، من الطماعين الذين يُوَرطون في
النقب، ليسهل ابتزازهم.
***-
لم أكن يوما ضد الجهوية، أو « البنعميس ». (واش فيها) لو أن قادة البلد
عُيِنوا من قرية واحدة. لو كانوا أكفأ الموجود و أنضجه. لسيّروا قطاعاتهم
بصورة تُنسي الجميع منشأهم و مكان مولدهم. كما وصل المجاهدون إلى تتويج
62 بالإيثار و نكران الذات.
لماذا تُقيّد مشاركة المرأة في الشأن العام بنسبة ثابتة، إذا كانت
الجزائريات أكفأ المعروض؟ … في الطب و التعليم ما كن متوَصلات إلى تلك
النسب العالية لو لم تكن الكفاءة هي المعيار و ليس الجنس.
نعم، هن متفوقات في الباك على أقرانهن. و عليه يجب أن يتبوأن المناصب
العليا و ألا يُقيّدن بنسب تفرضها الكوطا.
***
يمكن أن نطمع بالإقلاع يوم أن نتخلص من تلك التلقائية التي تجعلنا نبحث
عن مكان مولد الوالي المُعيّن مؤخرا، قبل أن نبحث عن مؤهلاته.