Édition du
8 December 2016

ماسبيرو.. جزء من تاريخنا..

علي عباس فضيليMaspero

« لقد طرحْتُ على نفسي عدة مسائل.. و التي أعتقد أنها تَطْرَحُ نفسها على كل مثقف فرنسي أمام حرب الجزائر.. أقول « مثقف ».. لأنني مثقف و فخور بذلك.. و من عائلة عريقة مثقفة.. ماتوا جميعا من أجل فرنسا(1) »..

هكذا تكلم فرونسوا ماسبيرو موجها كلامه للقاضي.. في محكمة عُقدت لمحاكمة مجموعة من المثقفين و المناضلين.. لمواقفهم من حرب الجزائر.. ممارسة التعذيب الممنهجة.. و تجاوزات أخرى أقل ما يقال عنها أنها مخزية لفرنسا..

كان من بين هؤلاء الفيلسوف جان بول سارتر..  الكاتب بيار فيدال ناكي.. رؤساء تحرير.. و صحفيون.. متهمين أو شهود..

لقد أراد ماسبيرو بكلمته  أن يُذكِّر هيئة  المحكمة.. بأن فرنسا التي ضَحَّت من أجلها عائلته.. ليست فرنسا الإستعمارية.. و ليست فرنسا الكيل بمكيالين.. لكنها فرنسا الحرية.. العدالة و حقوق الإنسان.. و كمثقف حر.. لم يكن له أن ينحاز للظلم و الجور.. الذي تمارسه دولته.. أو أن يسكت عنه.. كان لزاما عليه أن يُذَكِّر القاضي.. و جمهور الصحفيين الذي غُصَّت به القاعة.. أنه  مثقف.. وسليل عائلة مثقفة و مقاومة.. و أن وقوفه ضد الإستعمار و الظلم التزام أخلاقي.. و موقف مبدئي..

قصته مع الجزائر ترتبط بمساره المهني.. و بمعدنه الثوري النقي.. فبعد الحرب العالمية الثانية.. اتجه الى دراسة  الإثتنولوجيا.. لم يلبث أن انقطع عنها.. ليقرر بعدها ممارسة مهنة.. أي مهنة يقتات منها.. يقول عن نفسه في إحدى اللقاءات بأنه كان يُحس أنه لايصلح لشيء..  فقرر أن يبحث عن عمل غير مفيد.. و لم يجد أفضل من أن يكون بائعا للكتب..

لكنه سرعان ما أحس بخيبة أمل.. فالمهنة كانت مرهقة نوعا ما.. تتطلب مجهودا.. إضافة لطبعه الإنطوائي.. الذي لم يكن ملائما لضرورة تعامله مع الزبائن.. لكن الشيء الجميل.. و الذي ترك فيه أثرا و انطباعا حسنا.. و حدد مساره المستقبلي..  كان رؤيته للكتب و هي مصفوفة على الرفوف.. أو مكدسة فوق الطاولات او على الأرض.. تتجمع ثم ما تلبث أن تباع فتنتشر.. تتوزع.. تسافر في اتجاهات عدة.. من هنا فَكَّر في أن يكون ناشرا للشعر و الشعراء.. لكن القدر أراد له شيئا آخر..

مع اندلاع حرب التحرير الجزائرية.. وجد نفسه ناشرا لكتب ممنوعة.. تترصدها الرقابة و الحظر.. من بينها كتب فرانس فانون.. و كان أولها (السنة الخامسة من الثورة الجزائرية)(2).. تلاه (معذبو الأرض) عام 61..  و كتاب (سفح جبل كينيا)(3)..  للمناضل التحرري الكيني جومو كينياتا.. الذي كان معتقلا في حينها..  تواصل العمل بعدهم مع  كُتَّاب آخرين من المستعمرات.. أو من الذين كانت لهم مواقف مناهضة للإستعمار..  كتب رَفَضَها ناشرون.. أو لم يجرؤوا على نشرها.. لأنها  » تقع تحت طائلة القانون ».. مما سبب له عدة مشاكل مع السلطات الفرنسية.. و مثوله أمام القضاء المدني و العسكري عدة مرات.. بتهم خطيرة.. كتلك التي تعودنا عليها في الدكتاتوريات.. أو جمهوريات الموز..  من نوع ( المساس بأمن الدولة.. التحريض على العصيان.. أو تحقير هيئة عسكرية..).. لكن كل هذا لم يثنه عن عزمه و اصراره على نشرها.. رغم علمه بأنها ستصادر.. و بأنه سيُلاحق..

إن التزام الرجل بقضايا التحررفي العالم.. و مناهضته للإستعمار.. و وقوفه ضد الحرب في الجزائر.. لم يقتصر على النشر أو الموقف الفكري الصِّرْف.. لأنه كان يعتقد أن النشر وحده غير كاف للإلتزام بقضية ما.. من هنا كان انخراطه  في « شبكة جونسون ».. التي تُعْرف بحاملي الحقائب.. التي كونها الفيلسوف فرنسيس جونسون.. و حملت إسمه.. فكان أحد أعضائها النشطاء.. و كان من بين مهامه تمرير الأشخاص أو (الحقائب) عبر الحدود الأوربية.. إلى غاية اليوم الذي استدعته فدرالية جبهة التحرير في ألمانيا.. و طلبت منه  أن يوقف نشاطه.. لأن ذلك يمثل خطرا على حياته.. و فضَّلَت أن يبقى في مجال النشر.. فانضم إلى نشرة (فيريتي بور)(4) السرية التي أصدرها جونسون.. المهمة التي زادت في التزامه أكثر باستقلال الجزائر.. بالسعي من خلال الكتابة.. للتأثير في النخب المترددة (خاصة اليسارية).. و الرأي العام الفرنسي الذي غيَّبته الدعاية و « بروباغندا » الحرب.. لكشف الحقائق.. و الضغط لإنهاء الحرب..

كان من الموقعين على  » بيان121″.. و هو البيان الذي اصدره في سبتمبر 1960.. عدد من  المثقفين و الجامعيين و الفنانين الفرنسيين.. من مختلف الإتجاهات الفكرية و السياسية..  تحت عنوان: « تصريح حول حق العصيان في حرب الجزائر ».. البيان أثار ضجة كبرى.. و حربا كلامية و اعلامية.. فصدرت بيانات مضادة دفاعا عن « الجزائر الفرنسية ».. و تتهم مجموعة « 121 » بأنهم خونة..  لقد فضح البيان السياسة الإستعمارية و أساليبها.. أمام الرأي العام الفرنسي و العالمي.. من عسكرة المجتمع.. إلى ممارسة التعذيب.. و أربك المنظومة الحاكمة و دوائرها..  فقد أكد البيان على حق الجزائريين في تقرير مصيرهم و استقلالهم.. و أن قضية  الشعب الجزائري هي قضية كل الأحرار في العالم.. و أن نضال الجزائريين يساهم مساهمة فعالة في تقويض النظام الإستعماري العالمي.. بعد أن أكد أحترام المُوقعين لمواطنيهم من الفرنسيين الذين يرفضون التجنيد العسكري ضد الجزائرين.. و سلوك الفرنسيين الذين يرون أنه من واجبهم تقديم المساعدة.. و حماية الجزائريين المضطهدين باسم الشعب الفرنسي.. و يرى الموقعون انها اعمال مبررة..

واصل ماسبيرو نضاله بقلمه في عدد من الجرائد و المنشورات السرية.. و قبل وقف إطلاق النار.. تعقدت الأمور أكثر.. نتيجة التضييق و الملاحقات..  فتحولت مكتبته في شارع (الكاردينال لوموان) بباريس الى محج لكل المناضلين المناهضين للإستعمار.. الحالمين بعالم أفضل أكثر عدالة.. من مثقفين و جامعيين.. إضافة  للشباب.. الذين وجدوا فيها فضاءا للمعرفة و التكوين و النضال.. كما كانت منبرا لأصوات و كتابات ما كان يسمى بالعالم الثالث.. و بقيت على تلك الحال من النشاط حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي.. تفرغ بعدها للتأليف و العمل الصحفي الميداني.. بنفس الزخم.. و روح الإستقلالية في الفكر و المنهج.. لا يرتاح كثيرا للفكر الجاهز و الإيديولوجيا.. مع روح نقدية ثاقبة.. و ربما لهذا السبب فُصل من الحزب الشيوعي في الخمسينيات.. بعد عام أو أقل من انخراطه.. الشيء الذي جعله ينفر من الحزبية الضيقة.. مع بقائه ملتزما و وفيا لقيم الحرية و العدالة.. التي آمن بها و نشرها و تقاسمها مع الآخرين..

في سنة 1993 أصدر ماسبيرو كتابه عن الجنرال سانت آرنو.. هذا العسكري الفرنسي  الدموي.. الذي يُعتبر من أكبر مجرمي الحرب الذين « انتجتهم » فرنسا الإستعمارية.. بنى مجده الإجرامي على سياسة الأرض المحروقة.. و تجويع السكان وترحيلهم..  و هو المسؤول عن المجازر الرهيبة التي عرفتها أولاد ارياح بمنطقة الظهرة و غيرها من المناطق .. والطريقة الوحشية التي تعامل بها هذا الجنرال مع السكان الذين احتموا بالمغارات.. فماتوا حرقا أو اختناقا.. بعد أن سُدَت منافذها.. كانوا شيوخا و عجائز.. نساءا و أطفالا عُزَّل.. حتى الحيوانات لم تسلم من ساديته..

فجاء كتاب ماسبيرو شهادة و توثيقا لجرائم فرنسا الإستعمارية.. ممثلة في هذا الجنرال.. الرائع في الكتاب أن الكاتب لم يذكره بسوء – حتى أن البعض اتهمه بأنه معجب بالشخصية-.. لم يكتب بذاتية.. و لم يستعمل ما قد يُخْتلف حوله.. لكنه نبش و حفر في أركيولوجيا الجنرال.. بحث و  نقل و استنطق الوثائق.. كتاباته ومراسلاته.. شهادات معاصريه من « الكبار ».. ليرسم لنا باعترافاته – أليس الإعتراف سيد الأدلة؟-..  شخصية تجسد وحشية و دموية لا مثيل لها.. كما أن الكتاب في مجمله إدانة لفرنسا الإستعمارية.. و كأني به يقول أن شرف فرنسا « الأنوار » و « الحقوق ».. لطخ سمعتها الإستعمار.. و أدواته من أمثال هذا الجنرال.. هي صفحات من تاريخ فرنسا الأسود.. عكسها لهم ماسبيرو في مرآة كتابه..

بعد أكثر من 30 سنة.. عاد ليذكرهم بكتابه الموسوم ( شرف  الجنرال سان أرنو)(5).. بأنه مثقف من طينة أخرى.. و من عائلة سليلة مقاومة.. و انه هو و من مات من عائلته من أجل فرنسا..  الحرية و العدالة و حقوق الإنسان.. ليسوا من طينة هذا الجنرال و أشباهه.. من بيجو إلى بيجار..

وداعا للمثقف الحر.. والمناضل الملتزم..

و داعا « للمُسَبِّل » من أجل إستقلال لم يتحقق..

 

——————————————————————————————–

 

  • توفي والده بأحد محتشدات النازية بعد التحاقه بالمقاومة.. قتل أخوه المقاوم في الحرب.. ووالدته كانت هي الأخرى في المُحتشد.
  • L’an V de la révolution algérienne. Frantz Fanon. Ed Maspero ,1959

3-      Au pied du mont Kenya. Jomo Kenyatta. Ed Maspero ,1960

  • Vérité pour. Revue édité par le philosophe Francis Jeanson (58/61)

5-      L’Honneur de Saint Arnaud. François Maspero. Ed Plon, 1993

 


Nombre de lectures : 1627
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement National

Galeries photos