Édition du
4 December 2016

انعاش الذاكرة

ولكن من يتكلم ؟ من يجْرُؤ ؟jour-dispar

الخوف يَقْتُل، و الكلمة تَغْتَالُ العبارة الحُرَّة و تُكَمِّمُ الألسن.

الصَّمْت و الأفْوَاه المَخِيطَة: قانون الصَّمت، ضَمَانُ حياة.

لم أجد أصدق من هذه العبارات.. لوصف حالة الإعلام و الإعلاميين أثناء أحداث الدم و الدمار التي عرفتها الجزائر.. كتبها صحفي أضحى بعدها في عداد المفقودين.. لأنه تجرأ و كتب ما يراه حقا.. في حين تخاذل زملاء و تورط آخرون .. في إطار حملة استئصالية أرادوها أن تأتي على الأخضر و اليابس..

مابين عام 92  تاريخ الإنقلاب المشؤوم و نهاية التسعينيات.. كانت كثير من الوجوه التلفزية.. و الأقلام الصحفية.. والتي أصبحت اليوم  « قامات » لدى البعض..  جزءا من الحرب الإعلامية ضد الشعب الجزائري.. كانت جزءا من منظومته المخابراتية و الأمنية.. أليست الدعاية و البروباغندا أهم سلاح في الحرب ؟..

وحدها « اليتيمة »  في الميدان.. ترينا ما يريدون لنا أن نراه.. و صحافة مكتوبة ظاهرها الإستقلالية.. و باطنها الإنحياز التام للسلطة.. إعلام  تحت الرقابة المخابراتية.. ينشر التقارير الأمنية و البيانات الرسمية.. استدعي بعضهم لأقبية المخابرات و الأجهزة الأمنية كالمجرمين.. صودرت عناوين.. أغتيل صحفيون.. و اختطف آخرون تباعا و لم يتحركوا.. اكتفوا بالنسخة الرسمية في حالات.. و بالتجاهل التام لحالات أخرى.. فكان نعيهم باهتا.. و قتلا للزملاء مرة أخرى.. لم يبحثوا ولم يتقصوا الحقائق للوصول إلى الحقيقة.. و لم يطالبوا بتحقيقات جدية.. لم يطرحوا تساؤلات.. أي أنهم تخلوا عن مهمتهم الأساسية مهنيا.. و لاحقا عن أخلاقهم الإنسانية.. و أغلبهم كان يعلم أو على الأقل كان لديه شك..

آخر مقال للصحفي سعيد مقبل يفضحهم جميعا.. المقال كان واضحا بما فيه الكفاية.. كان نذيرا بأن « الإرهاب البيداغوجي » يختار ضحاياه جيدا.. و أنه لم يعد مستصاغا نسبة هذه الجرائم للجماعات المسلحة الإسلامية و حدها.. المقال و إن جاء متأخرا.. فقد اغتيل قبله و اختطف أكثر من 30 صحفي و عامل بحقل الإعلام.. لكن القائمة مع الأسف الشديد طالت لتجاوز المئة..  كان بالإمكان فتح سبل أخرى في التعامل مع الشأن الوطني.. و أن يتحمل الإعلاميون مسؤولياتهم في البحث عن الحقيقة.. على الأقل من باب: احذروا إننا نعلم..

يفضحهم أيضا سكوتهم عن المختطفين.. الذين تؤكد كل التقارير و الشهادات.. أن من بينهم على الأقل ثلاثة تم اختطافهم من قبل رجال الأمن.. الأمر الذي كان حريا بدفعهم على الأقل للتساؤل عن المدبر الحقيقي و الخفي الذي يقف وراءها.. لكن مع الأسف لم يجرؤوا في عمومهم على مجرد إثارة الموضوع..  و اكتفوا بالنسخة الرسمية (الجماعات الإرهابية).. بالرغم من الشهادات المتواترة و الموثقة التي جمعتها عدة منظمات حقوقية..

جمال الدين فحاصي.. صحفي القناة الثالثة.. تم إلقاء القبض عليه خارجا من مطعم يوم 6 ماي1995 من طرف رجال أمن.. و اقتيد في سيارة اجتازت كل الحواجز الأمنية في الحراش.. أمام شهود كثر..  فحاصي من بين الإعلاميين القلائل الذين كانوا ضد توقيف المسار الإنتخابي.. و الذين استنكروا تجاوزات رجال الأمن في حق مواطنين جزائريين.. و  قد تم اعتقاله و التحقيق معه قبل ذلك من أجل مقال.. ندد فيه بالممارسة الوحشية و الغير مبررة.. لرجال الأمن مع متظاهري الجبهة الإسلامية في بني مراد.. و كان تحت عنوان  » بني مراد، البربرية مرَّت من هنا ».. نشره في مجلة (الفرقان).. أعتقل وحوكم.. بعد أشهر أعيد اعتقاله في محتشد عين صالح.. نقابة الصحفيين في حينها رفضت مساندته أو التضامن معه.. لا لذنب إلا لأن توجهاته كانت إسلامية ؟؟.. و النواة الصلبة للنقابة كانت استئصالية بامتياز..

عزيز بوعبدالله..  صحفي بجريدة « العالم السياسي ».. يعتقل ليلا في منزله بعد أن أعقب طرق الباب صوت: (شرطة، افتحوا الباب)..

كان ذلك يوم 12 افريل 1997..

جريدة الوطن نشرت خبر الإعتقال بعد أسبوع.. و قالت أنه من « مصادر موثوقة ».. و بأنه في قبضة الأمن في إطار تحقيق قضائي نتيجة « لمقال فيه قذف ».. و ان نفس المصادر أكدت أنه (سيتم اطلاق سراحه في أجل أقصاه اليوم).. في اليوم الموالي الصحيفة تنفي خبر الإعتقال و تؤكد أن الجماعات المسلحة هي التي تقف وراء العملية ؟.. تتابعت بعدها تصريحات و تسريبات رسمية.. أن الصحفي مُتهم بعلاقات مع مجموعة إرهابية ؟؟.. و هذه تُهمة في عرف الإعلام الإستئصالي يومها.. تُسْقِط عنك حتى صفة الإنسانية.. فما بالك بالتضامن من جل حرية الرأي و الصحافة..

الصحفي صالح كيتوني.. أسبوعية (النور) في الشرق الجزائري.. تقدمت مصالح الأمن لمنزله يوم الفاتح من جويلية 1996 .. لم يكن متواجدا في البيت حينها.. بمجرد إعلامه اتصل بعد يومين بمحافظة الشرطة.. أطلق سراحه بعد يومين.. لكنه كان مطالبا بالعودة خلال الأيام الموالية.. في يوم 9 من نفس الشهر عاد للمحافظة.. و من يومها اختفى.. في مراسلة مع وكيل الدولة تلقت أسرة الصحفي ردا بعد أكثر من تسعة أشهر.. مفاده أن الشرطة سلمت الصحفي يوم 9 جويلية إلى مركز البحث و التحري للناحية العسكرية الخامسة.. و لم تفلح بعدها محاولات الأسرة و المنظمات الحقوقية.. التي تابعت القضية في الحصول على أي معلومة إضافية.. ليبقى مصيره مجهولا كبقية الصحفيين.. و التي يضاف إليها الصحفيان محمد حساين مراسل يومية (ألجي روبيبليكان) الذي اختطف في 28 نوفمبر1994.. من أمام منزله بالأربعطاش و لاية بومرداس.. و الذي اختطفته (مجموعة مسلحة) حسب شهود عيان.. و هو نفس مصير الصحفي مراسل يومية (لوريزون) بمعسكر.. قدور بوسلهم..

لم يفهم معظم الإعلاميين حينها.. أن إسكات صحفي هو طعن لكل الصحفيين.. و أن إغتيال صحفي هو اغتيال لحرية الكلمة..

و ان الحارس الأول للحريات العامة و حقوق الإنسان.. هم الصحفيون.. لكن أغلبيتهم الساحقة مع الأسف.. تحولوا إلى مرتزقة.. يكتبون بل يفكرون.. حسب مزاج ضابط الأمن المكلف بالإعلام.. يُستثنى من ذلك صحفيوا أسبوعية (لاناسيون)، (الأحرار)، (الصح آفة) على سبيل المثال.. بقي البعض منهم وفيا لمبادئه و مواقفه.. و انتضم آخرون في الصف بعد سنوات.. عن طريق الترغيب أو الترهيب.. و آثر آخرون في التلفزة و الإذاعة سياسة « النأي بالنفس ».. أو الذين ابتعدوا عن الواجهة لمبررات عدة.. استثناءات متفرقة و مبعثرة.. لكن الذين  خدموا النظام بأجنحته.. في احلك فترة عرفتها الجزائر.. مازالوا ضمن منظومته الدعائية.. في الداخل و الشتات..

بعد كل هذا.. يأتي بعضهم في اليوم العالمي لحرية الصحافة..  ليبكي (شهداء الإعلام) بطريقة انتقائية و مقرفة.. بنفس عقلية و سلوك تلك الفترة.. وبحثاعن عذرية مفتقدة.. بمعارضة جناح آخر في السلطة غير معني مباشرة بما حدث.. حتى ليخيل إليك أن الآخرون ملائكة و لاشأن لهم بالجرائم في حق الشعب.. و الفساد المستشري.. و النيابة عن الإستعمار في قهر الأهالي و حكمهم..

« يَخْدَعْ مِنْ يَامِنْكُمْ »…

علي عباس فضيلي.


Nombre de lectures : 3747
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Zawali
    20 juillet 2015 at 11 h 24 min - Reply
  • Congrès du Changement National

    Galeries photos