Édition du
1 October 2016

 يحدثونك عن الدولة المدنية..  سأتلو عليكم منها ذكرا

 9/02/ 2016Etat de Droit

محفوظ بدروني. عضو مؤسس لمؤتمر التغيير الديمقراطي

كثر اللغط و الحديث في الآونة الأخيرة عن الدولة المدنية و راح كل من هب و دب يتكلم و يدلي بدلوه في التبشير بهذا المبدأ الذي أراه أحد المبادئ الأساسية للنظام السياسي الجديد الذي ندعو إليه و نعمل من لأجل تحقيقه.

و من ثم فإن ما هو مقابل للدولة المدنية هو الدولة العسكرية.. و أنه لمن المفارقات العجيبة أن يتحدث من هو من منتوجات الدولة العسكريتارية و من هو من مخرجات الدولة المخابرتية يبشر بالدولة المدنية!!!

إن هذا لأمر عجاب!!!

و إن التبشير بهذا المبدأ هو:

  1. اعتراف صريح أن الدولة الجزائرية الحديثة – إن جاز تسمية ما هو قائم بالجزائر دولة- لم تكن دولة مدنية قبل هذا التاريخ..
  2. إقرار صارخ أن الدولة الجزائرية كانت دولة عسكرية أو بمعنى لطيف دولة يسيرها العسكر..
  3. إشهاد بيّن أن الدولة الجزائرية كانت لحد الآن دولة استبدادية ديكتاتورية بالنظر إلى أن الدولة المدنية تتناقض تماما مع الدولة العسكرية أو الدولة التي يسيرها العسكر..

فما الذي تغير حتى تصبح الدولة الجزائرية تسير نحو الدولة المدنية و يبشر بها هؤلاء السفهاء و الجهلاء و الخبثاء، لا سيما إذا علمنا أن من يتولى تشييد الدولة المدنية هم رعاة الاستبداد و الفساد، و هم الذين تربوا و ترعرعوا و نشأوا في حضن العسكر.. و تولى سلطاتهم و مناصبهم في البلاد بفضل العسكر؟؟؟!!!!

إنّ تاريخ الجزائر الحديث هو عبارة عن سلسلة من الانقلابات على السلطات القائمة  و التمردات على المعايير الموضوعة نذكر منها إبعاد الحكومة المؤقتة من طرف جيش الحدود عام 1962، و تبعها سلسلة من أعمال القوة منها تجريد السلطة التأسيسية من الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 1963، عزل أول رئيس للدولة عام 1965، اغتيالات سياسية للمعارضين، عزل رئيس الدولة و إيقاف المسار الإنتخابي عام 1992 .. حتى وصل الأمر أن عاشت البلاد في فترات دون أدنى معيار قانوني (أي بدون دستور) حتى و لو كان صوريا مثل الفترة من عام 1965 إلى عام 1977 و الفترة من عام 1992 إلى عام 1996؟؟؟!!!!

فما هي يا ترى معالم و ملامح الدولة المدنية و ما هي الأحكام التي يتعين أن تصدر و الإجراءات التي يجب أن تنفذ لتحقيق هذا المبدأ؟

و قبل الإجابة على هذا السؤال وجب تعريف الدولة المدنية كما هو متعارف عليه عالميا فنقول: » الدولة المدنية تعنى دولة يحكمها المدنيون ليس العسكريين أو رجال الدين.. و على هذا الأساس يمكن اعتبار الدولة المدنية هي دولة القانون والمؤسسات في مقابل أي شكل من أشكال الدولة العسكرية أو الثيوقراطية..

و الدولة المدنية تقتضي عدم تدخل الجيش و القوات المسلحة و من في حكمهما في الشأن السياسي و عدم تأثيرهم على القرارات التي تخص تسيير الدولة.. و كنتيجة لهذا المبدأ وجب إخراج الجيش و المصالح الأمنية من التدخل في الشأن العام و المنافسة السياسية و المجال القضائي و إبعادهم إبعادا تاما من التأثير على السياسات العامة.

و تطبيقا لهذا المبدأ تعتبر القوات المسلحة ملكا للشعب، وهي جزء من السلطة التنفيذية، تذود عن الوطن و تحمي حدود البلاد  و تحافظ على الدولة و مؤسساتها و ترد العدوان الخارجي..« 

 ومن ثم فإنّ الدولة المدنية ليس شعارا يرفع و لا كلمة تقرع و لا سلعة تعرض و إنما هي إحدى المبادئ الأساسية لتحقيق دولة الحق و العدل، دولة القانون و المؤسسات، دولة الشورى و الديمقراطية و يتم تحقيق مبدأ مدنية الدولة و تمدين نظام الحكم في أرض الواقع من خلال أساسين اثنين هما:

الأساس الأول: إلغاء احتكار الدين أو وصاية السلطة التنفيذية على الشؤون الدينية و ذلك بإلغاء وزارة الشؤون الدينية و الاستعاضة عنها بمجلس أعلى أو هيئة عليا للفتوى و الاجتهاد و الدعوى و التي ستكون هيئة دستورية منتخبة لا وصاية عليها من أية جهة، مع احداث عدة مجالس منتخبة تعنى بشؤون المساجد، و الدعوى، و الإفتاء، و الأوقاف..وغيرها.

الأساس الثاني: إلغاء هيمنة المؤسسة العسكرية و الأجهزة الأمنية(العسكرية و المدنية)على الحياة المدنية و السياسية و مجالات هي بالأساس مدنية و أن أقل الإجراءات و أدنى الشروط لكي يتحقق مبدأ الدولة المدنية هو ما يلي:

1)-  ترحيل المادة التي تخص بالذكر الجيش و القوات المسلحة من الباب الأول » مقومات الدولة و المجتمع « من الدستور إلى الباب الثالث » تنظيم السلطات » في الفصل الخاص ب »السلطة التنفيذية » و الفرع الخاص ب « مؤسسات الدولة التنفيذية(الأجهزة التنفيذية) و الهيئات العمومية«  و تحرر على النحو التالي:« القوات المسلحة ملك للشعب، وهي جزء من السلطة التنفيذية، ومهمتها حماية أمن الوطن واستقلاله والحفاظ على وحدة البلاد والدفاع عن سيادتها على كامل أراضيها و مجالات سيادة الدولة البرية، الجوية و البحرية، ولا تتدخل في المجال السياسي و الشأن العام، وتخضع لكافة مستويات الرقابة ومعايير الشفافية التي تخضع لها كافة مؤسسات الدولة».. 

2)- إخضاع المؤسسات العسكرية و الأجهزة الأمنية لأحكام الدستور و القانون و السلطة الشرعية..

– لدستور تضعه جمعية تأسيسية شرعية منتخبة من طرف الشعب انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

– لقانون يضعه برلمان شرعي منتخب من قبل الشعب الجزائري انتخابا حرا، نزيها و شفافا..

– لسلطة شرعية سواء كانت سلطة سياسية أو تنفيذية أو قضائية..

3)- تمدين كلي لوزارة الدفاع الوطني من حيث يصبح كل العاملين بالوزارة مدنيين ابتداء من الوزير إلى أبسط عامل بالوزارة و ابعاد كافة العسكريين من إدارة شؤون الدفاع تحقيقا لمبدأ المساواة بين وزارات الدولة و العاملين بها.. 

 4)- تمدين كلي لجهاز المخابرات العامة و إخراجه من وصاية الجيش (وزارة الدفاع الوطن)، و بالنتيجة يصبح كل العاملين بالجهاز مدنيين ابتداء من المدير العام إلى أبسط عامل بالجهاز مع وضع معايير دقيقة لاختيار هؤلاء العاملين بهذا الجهاز الحساس من بينها و على رأسها الكفاءة و العلم و الذكاء..

5)- إخراج جهاز الدرك الوطني من وصاية وزارة الدفاع الوطني و تحويله إلى وزارة الأمن الداخلي.. 

6)- إخضاع كامل الأجهزة الأمنية و القوات المسلحة (المؤسسة العسكرية) لكل أنواع الرقابة السياسية (البرلمان)، الإدارية(لجان تفتيش و رقابة) و الشعبية(الأحزاب و منظمات المجتمع المدني و الإعلام)، و المساءلة أمام القضاء..

7)-  إلغاء المحاكم العسكرية و من ثمّ وجوب محاكمة العسكريين – فضلا عن المدنيين- أمام محاكم مدنية بالنسبة للجنح و الجنايات مهما كانت طبيعتها مع أنشاء لجان تأديبية عسكرية تختص بالنظر في فقط في الأخطاء و المخالفات للنظام العسكري المرتكبة من قبل العسكريين كالمخالفات الانضباطية و الأخطاء التأديبية (ذات الطابع العسكري المحض) أسوة بما هو جاري به العمل في المؤسسات الإدارية و الإقتصادية و الإجتماعية عندما تطبق أحكام النظام الداخلي المتعلقة بقواعد الانضباط و الأخطاء التأديبية على العمال و دونما نظر في الجرائم و الجنح و التي يؤول اختصاصها إلى المحاكم المدنية، و من ثمّ فأنّ القانون العسكري يعد بمثابة نظام داخلي بالنسبة للمؤسسة العسكرية كما هو معمول به في المؤسسات المستخدمة المدنية.. 

7)- إلغاء الضبطية القضائية عن مصالح و أجهزة تابعة لوزارة الدفاع الوطني كجهاز المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، و مصلحة حراس السواحل التابعة للقوات البحرية عندما يتعلق الأمر بمتابعة المدنيين..

8)- عدم السماح للعسكريين بالتصويت في الإنتخابات كمبدأ عام و عدم السماح للعسكريين السابقين بالترشح ألا ضمن ضوابط معينة،  و منها على سبيل المثال:

  • انقضاء مدة خمس(05)سنوات من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات الرئاسية؛
  • انقضاء مدة ثلاث(03)سنوات من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات النيابية؛
  • انقضاء مدة سنة(01)واحدة من تاريخ إحالتهم على التقاعد أو خروجهم من الخدمة بالنسبة للإنتخابات المحلية؛

و هذا تحقيقا لمبدأ الحياد التام الذي يجب أن تكون عليه المؤسسة العسكرية وما شابهها و تحقيق عدم التدخل في الشأن العام و المنافسات السياسية..

بهكذا تشريعات و بهكذا إجراءات يتم تمدين الحكم و إبعاد الجيش عن شؤون الحكم و القضايا السياسية والشؤون العامة و تحقيق الدولة المدنية .. و ما دون ذلك، فليس وراءه حبة من خردل من الدولة المدنية.

في الأخير لا بد من الاعتراف و الإقرار أن الدولة المدنية هو مبدأ رئيس و شرط أساسي – لكنه غير كاف-  لتحقيق دولة الحق و العدل، دولة القانون و المؤسسات، دولة الشورى و الديمقراطية و لن يكون لهذه الإجراءات أي أثر مادام لم تتحق المبادئ التسع الأساسية الأخرى و هي:

السيادة الشعبية؛

النظام الجمهوري؛

احترام و ضمان حقوق الإنسان و الحريات العامة؛

سيادة القانون؛

الفصل و التوازن بين السلطات؛

استقلال القضاء؛

التداول السلمي على السلطة؛

الوحدة الوطنية؛

و أخيرا السيادة الوطنية..

و لنا كلمة و موقف مع كل مبدأ من هذه المبادئ التسع في مقالات أخرى..

و الله من وراء القصد و هو يهدي السبيل.


Nombre de lectures : 3250
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement National

Galeries photos