Édition du
29 September 2016

اللغة العربية ضحية الحاكم والمحكوم

http://www.echoroukonline.com/khaled_saadalllah

بقلم : أبو بكر خالد سعد الله

المدرسة العليا للأساتذة- القبة/ الجزائر

هناك حديث متشعب ومشحون هذه الأيام حول التوجهات الجديدة للمنظومة التربوية التي ستدخل حيز التنفيذ في القادم من السنين. وكأن الموضوع وليد اليوم. والواقع أن ما يجري، وما كان يجري هو استمرار لسياسة واحدة في كل البلدان العربية، وهو العمل على جعل منظومتها التربوية مكسورة الجناحين مهما اجتهدت القلة القليلة. ومن ثم، فمنتوج هذه المنظومة سيكون معوقا لا محالة.

ولا نقول سرا إذا كررنا أن الاستعمار عندما غادر الأرض في كل هذه البلدان (وغيرها) عمل على ترك من يقوم مقامه في تلك الأرض للحفاظ على مصالحه… ومن بني جلدتنا من يقوم بهذه المهمة وهو يعلم ذلك، ومنهم من ضل السبيل وارتمى في الأحضان دون أن يدري.

من المعلوم أن من بين أدوات هدم المنظومات التربوية هو التشكيك في مقوّمات البلد. ومن تلك المقومات المشتركة في البلاد العربية هي اللغة العربية التي يعتبرها الجميع لغة رسمية. ومع ذلك فالكل (الحاكم والمحكوم) يعمل ضدها بشتى الوسائل. ولعل أبرز الاتهامات الموجهة إليها :

1- إلصاق بها التهمة التي تصفها بأنها لغة الإرهاب والظلامية (بحكم أنها لغة القرآن). فمن تعلمها سيتأثر بالفكر الديني المتطرف وينفر من العلوم العقلية ويحمل السلاح ويقتل الأبرياء. ولعل اللغة العربية لو اكتفى وعاؤها بنقل شعر امرؤ القيس وأبي نواس لاحتضنها هؤلاء المعادون لها اليوم… وجلهم يريد أن ينسى بأن الحضارة العربية الإسلامية وما أنتجت وطورت من علوم كان قد تم بهذه اللغة بالذات.

2- إنها ليست لغة العلوم -وليست لغة الأنترنت كما عبر عن ذلك البعض. فمن تعلم بها العلوم سقط في الحضيض. وكأن للعلوم لغة محددة واحدة لا شريكة لها، هي لغة المستعمر (حتى لو كان حبشيا أو قبطيا…).

3- اللغة العربية هي المتسببة في انحطاط قومها اليوم. كأن نقول إن اللغات الألمانية واليابانية والكورية والصينية هي التي رفعت ألمانيا واليابان وكوريا والصين إلى القمة، وليس العكس… رغم أن الواقع يقول إن الشعوب هي التي تطوّر لغاتها إذا ما عزمت على انتهاج سبل التقدم.

وفي هذه المؤامرة التي تحاك من « الشام إلى تطوان… ومن نجد إلى يمن… إلى مصر وبغدان » أتت العولمة وزبانيتها بالضربة القاضية، وهي استبعاد اللغة العربية من سوق العمل لتصبح اللغة الأجنبية (الفرنسية عندنا في المغرب العربي والأنكليزية في المشرق) هي لغة الخبز. ومن لم يتقنها عاش معيشة ضنكاء. فماذا يبقى للمواطن من خيار إذا ما أصيب في لقمة عيشه؟

أليست هذه الانهزامية بعينها على مستوى الحاكم والمحكوم؟ لماذا لم يفعل العبري والتركي والفارسي والبولندي والمجري والفيتنامي والكتلاني والنرويجي والبرتغالي والإيطالي والصيني والطايواني بلغاتهم ما فعل العرب بلغتهم؟ وأين نحن في باب التقدم المنشود من هؤلاء جميعا؟ ثم نتساءل : بماذا استفاد السينغالي والمالي والنيجيري والعاجي والبوركينابي والغيني والأوغندي والكيني بالتخلي عن لغاتهم وتبني لغة المستعمر؟ هل هم أحسن منا حالا؟

ولهذا فإذا عدنا إلى منظومتنا التربوية (الجزائرية) وشهدنا هذا الحراك الذي تتناوله وسائل الإعلام فلا ينبغي أن نستغرب في ذلك. نحن نعلم علم اليقين أن من تابع عن كثب وأمر ونهى في ترتيب مناهج منظومتنا التربوية في مطلع هذا القرن هم « خبراء » فرنسيون دون غيرهم. من ينكر ذلك فهو إما جاهل بالأمر وإما كاذب. ونحن نعلم أيضا أن الخبراء الفرنسيين لا يزالون بين ظهرانينا حتى هذه الساعة. ومن يشكك في ذلك فليتابع عن كثب نشاطات وزارة التربية وسيرورة الأعمال التي ستفضي إلى القرارات الجديدة التي ستدخل حيز التنفيذ قريبا.

في مطلع القرن الحالي عندما بدأ إصلاح المنظومة التربوية سألنا أحد كبار المسؤولين في وزارة التربية : ما دمتم تريدون التعامل مع الناطقين بالفرنسية في الغرب فلِم لا تتعاملون مع البلجيكيين أو السويسريين … فأجاب بعفوية : « البلجيكيون شحيحون ». هذا يعني من الناحية المادية أن الفرنسيين يأخذون على عاتقهم متابعة إصلاح منظومتنا التربوية ويتكفلون أيضا بإقامة إطاراتنا التربوية في المؤسسات الفرنسية حيث يتلقون تدريبات متعددة الأشكال. لا أدري كيف يسمَى ذلك، لكن أقل ما يقال فيه أن الأمر يتعلق بعملية « ترغيب » يقوم بها الفرنسيون تجاه القائمين على مجال التربية عندنا… وليست فرنسا بحاجة إلى « ترهيب » هؤلاء رغم أن لها من الملفات ما يمكن استعماله عند الحاجة.

لعل ما يجري في المغرب الشقيق في المجال التربوي منذ حوالي سنتين يكفي لرسم خارطة طريق لمستقبل منظومتنا في الجزائر : فقد فتحت السلطات المغربية الباب على مصراعيه للتخلي نهائيا عن اللغة العربية كلغة تدريس المواد العلمية، والعمل على تدريسها باللغة الفرنسية… مع السماح بتدريسها باللغة الأنكليزية أو الإسبانية (لكن ذلك يبدو جاء لذر الرماد في العيون). وقد أُحْدِثت هناك ما سمي بـ « الباكالوريا الدولية » ستتخرج هذه السنة أولى دفعاته. وماذا تعني « الباكالوريا الدولية » في هذا السياق؟ هي مطابقة للباكالوريا الوطنية بفرعيها العلمي والأدبي، والفارق الوحيد يتمثل في لغة التدريس : تُدَرس الأولى جميع موادها باللغة الفرنسية. ذلك ما اتفقت عليه وزارة التربية مع الخبراء الفرنسيين الذين يسهرون مباشرة على تكوين المكونين.

 وفي تبرير هذا التوجه، ترى وزارة التربية المغربية، كما يرى القائمون على التربية عندنا، أن ذلك يندرج في سياق « رفع المستوى العلمي » للتلاميذ و »الانفتاح على العالم »!!!

وبطبيعة الحال إذا كان الجميع – سواء كان مواليا أو مناوئا- يتفق على ضرورة الانفتاح على لغات العالم، وبوجه خاص اللغات التي تخدم أجيالنا في مجال العلم والتواصل والاقتصاد، فإنه لا يمكن أن يقبل أي عاقل بأن يكون ذلك بالتضحية بلغة نعتبرها لغة رسمية. بل واجبنا أن نوظف اللغة الرسمية في جميع شؤوننا العامة وأن نرقيها بالوسائل المتاحة في التعليم وفي شتى المجالات. من ينكر -بعد كل هذا الذي نصنعه بأيدينا- قول الشاعر  » نعيب زماننا والعيب فينا*** وما لزماننا عيبٌ سوانا.


Nombre de lectures : 1739
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • tonton
    28 mars 2016 at 23 h 04 min - Reply
  • Congrès du Changement National

    Galeries photos