Édition du
30 September 2016

وما يدريك لعل استطاعة الشيخ الشباح تكون قريبا

عبد الحميد شريفcheikh chebah

أستاذ – جامعة الملك سعود – الرياض

السلام عليكم. إن أردتم وصفا وجيزا لمخاطبكم فلا حرج أن تعيروني اسم « المقصر ». لست وحيدا ولكني بدون شك من الذين يحملون أثقالا من التقصير. هل سمع أحدكم بالشيخ محمد الشباح رحمه الله ؟ بطبيعة الحال لا. وإن كنتم صدفة ممن بلغهم من أخباره فأرجوا أن تعاتبوني برفق وأنا أخبركم بصلتي به.

أن يكون الشيخ الشباح جدي هو شرف عظيم  لي، أما بالنسبة له فهي مجرد صدفة أولا حدث كما يقال. بالتأكيد أنكم فهمتم أن الشيخ الشباح عالم. فما هو تخصصه إذا؟ والأرجح أن جوابه عن هذا السؤال سيكون سؤالا آخرا عن معنى كلمة تخصص. الشيخ الشباح المولود سنة 1871 مارس القضاء والطب والتعليم،  ولكنه أخذ كل ما هوممكن من العلوم النافعة، الدينية والفقهية واللغوية والرياضيات والطب والكيمياء والصيدلة والزراعة والعلوم الإجتماعية والسياسية، وحتى الفنون الحربية. وكل ذلك في ظروف لا يحسد عليها. أخذ من والده الشيخ الطيب ما تيسر من العلم ثم واصل مشواره وشق طريقه منفردا في طلب العلم إلى آخر أيام عمره من سنة 1946. ويا له من طريق ويا لها من علوم.

الشيخ الشباح كان فقيرا كسائر بني بوسليمان وسكان جبال الأوراس ولكن بيته كان مطعما للبؤساء وحضينة لليتامى ومستشفى للمرضى ومدرسة ومكتبة لطالبي العلم ومحكمة للقضايا المستعصية.

خزائن علم أبا عن جد وأوراق مبعثرة من ذهب

إذا كان الشيخ الشباح أخذ العلم من والده فإن أبناءه الأبرار كانوا من الجيل الذي عمل بذلك العلم، مما جعل كتبه ومجلداته من الأهداف الرئيسية في كل زيارات جيش الاحتلال العنيفة للبيت. تمزيق ورمي وسرقة لأغراض ثمينة فضلا عن الإتلاف أثناء الترحيل القسري للعائلة مرتين ثم الرجوع بعد إستشهاد الأبطال (الولدان عبد المجيد والسعيد، والحفيد رشيد). وأنا أتذكر على وجه الخصوص ذلك اليوم في أواخر الخمسينات الذي أستعان فيه العسكر بالحبال ليأخذوا « زيّار الشيخ الشباح »، ذلك الجهاز الثقيل الضاغط لتجليد المخططات. عند الاستقلال بقيت مكتبة الشيخ الطيب ومكتبة وصندوق الشيخ الشباح وفيهم أزيد من مئة مخطط ومجلد وكتب أخرى. أخذ بعض تلاميذ الشيخ الشباح عددا ولم يردوه والباقي مقسم عشوائيا على الأحفاد. لم أستطع شخصيا قراءة المخططات ولذا سأكتفي بنبذة عن بعض مقالات الشيخ الشباح القصيرة. الكتب المطبوعة تهتم خاصة بالطب والأدب ويوجد كتب في الكيمياء ونسخة من المجلة الفرنسية للكيمياء سنة 1936 باللغة الفرنسية، وكذلك كتاب في علم الفلك. أما المقالات فهي جد متنوعة وبعضها يفوق عشرصفحات: قاموس الأعشاب و هي مجموعة أوراق يعطي فيها قائمة مطولة من الأعشاب مع ذكر الإسم باللغة الفرنسية أحيانا ويصف منافع وأضرار كل عشب مع كيفية الإستعمال وإن كان موجود في الأوراس يعطي إسم المكان – قائمة الأشجار المثمرة مع كيفية غرسها وسقيها وعنايتها والمناخ الملائم – ملخص عن مسار والأفكار الإصلاحية لكل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده – وصف مطول لكيفية إعداد جيش متكون من مشاة وخيالة وقيادات – عدة مراسلات ومقالات قصيرة أعطي نبذة عن بعضها في الفقرات التالية.

1) الجند:  قوة مادية لا تكفي لحياة الدول إلا إذا أُقرنت بالقوة المعنوية وهي قوة العلم إذ لا جند إلا بمال ولا مال إلا بثروة عمومية ولا ثروة إلا بعلم،  والمراد بالعلم ما لا سعادة للأمم بدونه كالرياضيات والطبيعيات والزراعة والتجارة وحسن الإدارة وغيرها من العلوم العمرانية. وقد كانت أوروبا في القرن العاشر الهجري وما قبله خالية من هذه العلوم وكانت الدولة العثمانية أرقى منها سيما في الفنون الحربية وخلال القرن العاشر حصلت إنقلابات كبرى بأوروبا وأدرك الإفرنج أن العلم نوعان،  علم قلبي وعلم عمومي،  فالأول ما يختص بكل أمة كعلوم اللغة والدين التي لا بد منها لحفظ الحياة القومية.  أما العلوم العمومية فهي ما كانت شركة بين كافة البشر كالرياضيات وما يتبعها من العلوم العمرانية المشار إليها. وما أدركه الإفرنج كان المسلمون قد أدركوه قبلهم فأقبلوا بجد واجتهاد على العلوم الدينية والعمرانية معا ودامت هذه الحركة الفكرية إلى القرن السابع ثم تناقصت تدريجيا لما أصيب الإسلام بالحروب التتارية شرقا والإسبانيوية غربا فضلا عن الفتن والإنقلابات الداخلية ثم انطفت جذوة ذلك النور تماما في القرن العاشر، ولم يبق لدى المسلمين إلا ما تركه السلف الصالح من العلوم . وخلاصة القول أن العلوم العمرانية أفِل نجمها في القرن العاشر بالبلاد الإسلامية وأشرق بالممالك الإفرنجية ففقد الإسلام قوته المعنوية التي هي أساس القوة المادية وجرى عكس ذلك لدى الإفرنج وابتدأ الإسلام في الإنحطاط وأخذت أوروبا في الارتقاء فكان ما تقتضيه طبيعة الكون وهو تغلب العلم على الجهل والقوة على الضعف. فحصلت نهضة فكرية كبرى بأوروبا وأقيمت المدارس وأقبل الناس على العلم بجميع أنواعه واستعانوا على ذلك بما ترجموه من الكتب العربية وما درسوه أثناء تلك النهضة من كتب الأقدمين من اليونان وغيرهم فانقشعت عن أوروبا غياهب الجهل ولم تزل أفكار الإفرنج تترقى في مدارج العلوم إلا أن بلغوا إلى حيز الإستنباط والإختراع وانتهوا إلى المدنية الباهرة المشاهدة لهذا العهد. ومما زاد الإفرنج قوة وسلطانا إقبالهم على الفنون الحربية والنظامات العسكرية بعد أن كانوا عنها معرضين.

2) البربر:أعتنق الديانة المسيحية على عهد الرومان كثير من البربر بمساع الرهبان المبشرين لأن البربر كانوا يهنون تحت نبر الإستبداد الروماني والديانة المسيحية تأمر بالعدل والمساواة والإنقطاع عن زخرف الحياة الدنيا.  فرأى البربر في هذه الديانة مخرجا مما كانوا فيه من الضغط والإستبداد فدخلوا فيها أفواجا وقام منهم قسيسون ورهبان تابعون لأسقفية قرطاجنة.كان البربر المسيحيون يمتازون عن الوثنيين بوشم بين الحاجبين على هيئة الصليب ولاتزال تلك العادة في أعقابهم لهذا العهد وهم لا يشعرون.

كان للوالي الروماني بإفريقيا الكونت بونيفاس ضغائن شخصية بينه وبين القائد المدعو لويطيوس فأنف في البقاء على الطاعة وعزم على الإستقلال فأرسلت عليه الدولة جيوشا فهزمها ثم خاف أن تعيد الكرة عليه فاستنجد بملك الوندال فكانت هذه الخيانة سببا لهلاكه وضربة قاضية على سلطة الرومان بالبلاد الإفريقية.

الوندال إسم القبيلة الجرمانية التي هزمت سلطة الرومان عندما أدركها الهرم. كانت سياسة الوندال ضربة قاضية على الرومان ورفعت عن البربر نبر الإستبداد والإستعباد وأعادت لهم روح الحياة القومية والمطامح السياسية.

3) وما  ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: إن الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد ولا تستشار في مصاحلها ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية وإنما هي خاضعة لحاكم واحد إرادته قانون ومشيئته نظام يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد فتلك أمة لا تثبت على حال واحد ولا ينضبط لها سير فتعتريها السعادة والشقاء ويتداولها العلم والجهل ويتبادل عليها الغنى والفقر ويتناوبها العز والذل وكل ما يعرض عليها من هذه الأحوال. خيرها وشرها فهو تابع لحال الحاكم ، فإن كان حاكمها عالما حازما أصيل الرأي عال الهمة رفيع المقصد قويم الطبع ساس الأمة بسياسة العدل ورفع فيها منار العلم ومهد لها طريق اليسار والثروة وفتح لها أبواب التفنن في الصنايع وأحذى في جميع لوازم الحياة وبعث في الأفراد المحكومين روح الشرف والنخوة وحملهم على التحلي بالمزايا الشريفة من الشجاعة والشهامة وإباء الضيم ورفعهم إلى مكانة عليا من العزة ووطأ لهم سبل الراحة والرفاهة وتقدم بهم إلى كل وجه من وجوه الخير.  وإن كان حاكمها جاهلا دنيئ الطبع سافل الهمة مغتنما جبانا ضعيف الرأي أحمق الجنان خسيس النفس معوج الطبيعة أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران وضرب على نواظرها غشاوات الجهل وجلب عليها الفاقة والفقر وجار في سلطته عن جادة العدل وفتح أبوابا للعدوان فيتغلب القوي على حقوق الضعيف ويختل النظام وتفسد الأخلاق وتخفض الكلمة ويغلب الناس فتمتد إليها أنظار الطامعين وتضرب الدول الفاتحة بمخالبها في أحشاء الأمة. عند ذلك إن كان في الأمة رمق من الحياة وبقيت فيها بقية وأراد الله بها خيرا أجتمع أهل الرأي وأرباب الهمة من أفرادها وتعاونوا على اجتثاث هذه الشجرة الخبيثة واستئصال جذورها قبل أن تنشر الرياح بذورها وأجزاءها السامة القاتلة بين جميع الأمة فتميتها وينقطع الأمل في العلاج وبادروا إلى قطع هذا العضو المجذم قبل أن يسري فساده إلى جميع البدن فيمزقه وغرسوا لهم شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وجددوا لهم بنية صحيحة سالمة من الآفات واستبدلوا الخبيث بالطيب.وإن انحطت الأمة عن هذه الدرجة وتركت شؤونها بين الحاكم الأبله الغاشم يصرفها كيف يشاء فأنذرها بمضيق العبودية وعناء الذلة ووصمة العار بين الأمم جزاءا على ما فرطوا في أمورهم وما ربك بظلام للعبيد.

4) وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم: ملعون من يخون بلاده لمرض في قلبه، ملعون من يبيع أهل ملته بحطام يلتذ به، ملعون من يمكن الأجانب في دياره، محروم من شرف الملة الحنيفية من يعظم الصغير ويصغر العظيم ويمهد الطرق لإعلاء كلمة الأغراب. ملعون من يختلج في صدره أن يلحق عارا بأمته ليتمم ناقصا من لذته.

5) دراسة إجتماعية عن الربا: الربا محرم في الشرائع الثلاث حرم في التوراة والإنجيل والقرآن واليهود تحرمه تحريما قطعيا شبيها بتحريم الإسلام والآن التحريم مقصور على معاملات اليهود بعضهم مع بعض والإسلام جامع شامل عام وحكم النصرانية قابل للتأويل …تعاطي الربا في أوائل القرن التاسع عشر نادر جدا في جبل أوراس وخصوصا عند بني بوسليمان وجل الأهالي يتحاشون المعاملة به امتثالا لنص القرآن وحياء من العلماء ومشايخ الطرق. ومن أواخر القرن التاسع عشر أخذ التعامل به في الظهور شيئا فشيئا بقدر فساد أخلاق الناس وعدم إتباع ما جاء به القرآن والسنة امتثالا واجتنابا. فالبلدان التي شاع فيها أولا هم أولاد عبدي وأولاد داود والسبب الوحيد في ذلك هو لعب الميسر (القمار) فتجد أكثر المقامرين يقترضون الدراهم من أهل الثروة الذين لا دين لهم ولا مروءة بزيادة الثلاثين في المئة إلى الستين على مدة وجيزة. ثم زاد في الإنتشار حتى تعاطاه بعض الفقراء والفائض الذي يزيدونه في العادة من عشرة إلى عشرين لكل ستة أشهر فأقل أو أزيد على ما يتفق عليه المتعاملان … وكثير من الفقراء يتسلف الزرع ويدفع لكل صاع شعير أثنى عشر فرنك وضعف ذلك لصاع القمح وقد شاهدت هذه المعاملة في صغري صدرت من بعض أعوام الناس والغالب أنهم يتعاملون بها خفية حياء من الشبهة… ويوجد في الأوراس بيوعات جائزة في الظاهر وهي تؤدي إلى بيع وسلف بزيادة الذي هو مخ الربا …

الشيخ الشباح الطبيب

ترك الشيخ الشباح عدة كتب طب من مؤلفين مختلفين وركزت على أحدهم فوجدت أنه لا تكاد تخلو أي صفحة من تعليقات وإضافات منه بل وفي بعض الحالات يصحح ماكتبه المؤلف. وجدت كذلك رسائل من تبسة و سوق أهراس يستشار فيها طبيا وأحدهم يتوجه « لجناب الشيخ الشباح » يشكره على الدواء الذي وصفه له ويطلب منه وصفة لقريبه عن مرض يصف أعراضه. ترك الشيخ الشباح في خزائنه كميات من أدوية في عدة قارورات فيها سوائل ومسحوقاات. أكتفي بسرد قصة معروفة عند بني بوسليمان. مرضت زوجة الشيخ عمار بن لمبارك وطال مرضها حتى أصبحت تتنفس بصعوبة. فقرر أخذها إلى طبيب يهودي مشهور، الدكتور قج في بسكرة (أو قسنطينة حسب البعض)، فقام الطبيب بالكشف بالأشعة وفاجع الزوج قائلا أن إحدى الرئتين ميؤوس منها وأن العدوى انتقلت إلى الثانية وحظوظ الشفاء ضئيلة. فقرر السيد عمار زيارة الشيخ الشباح وقص عليه كل شيء. فطلب منه هذا الأخير ترك الزوجة عنده. فبقيت في « مستشفى الشيخ الشباح » أكثر من شهر وهو يعالجها يوميا إلى أن زالت كل الأعراض وشفيت تماما. وبعد وليمة قرر الزوج عمار إهداء نزهة لزوجته فأعادها إلى الطبيب الأول دون ذكرالزيارة الأولى. فقام بنفس الفحص وبشره أن زوجته بخير وأن أثار خفيفة لمرض قديم تظهر في الرئة. حينها أخرج السيد عمار الملف الأول فلم يتركه الطبيب يغادر حتى روى له كل القصة.

الشيخ الشباح القاضي

وجدت مقالة رائعة للشيخ الشباح عن القضاء يوصي فيها بالإبتعاد عن هذه المهنة الصعبة اللتي تهوي بصاحبها إلى النار وحذر من مغبة الغرور والشعور بالقدرة على الإلتحاق بالأقلية الناجية. يجب إبعاد كل من يحرص على هذه الوظيفة وللمجتمع فقط اختيار المؤهلين لذلك، فعندئذ يجب القبول بالمسؤولية. يضيف أن مهنة القضاء لا تستلزم العلم فقط بل قدرات وقيم مهمة أخرى من التقوى والشجاعة والمنطق والحكمة والدهاء. بحكم فتوى قديمة لوالده تحرم الوظيفة عند إدارة الاحتلال رفض الشيخ الشباح الوظيفة الرسمية. الفتوى كانت تشمل الدراسة في مدارس العدو ولم يدخل أحد من العائلة ومن أغلب عائلات المنطقة المدارس الحكومية إلا بعد الإستقلال. ولكن علمه الواسع في الفقه وعلم الميراث جعل المجتمع يلجأ إليه حتى أصبح يسمى قاضي جبال الأوراس. وكل القضاة في المحاكم يحترمون أحكامه. بل كانت قدراته في الرياضيات والميراث تجعل المحاكم تلجأ إليه في النزاعات المعقدة. وجدت ورقة كبيرة من كيس إسمنت، يسرد في الوجه الأول وفاة الجد الأكبر من عائلة وأسماء الزوجة والأولاد ثم يذكر تسلسل وفيات الجيل الثاني والثالث مع إعطاء كل الأسماء. في الوجه الثاني يذكركل الورثة على قيد الحياة ولا يقل عددهم على العشرين ثم يبرز في النهاية بالنسبة المئوية حق كل وارث. في الثلاثينات وقع خلاف كبير في تقسيم أراضي بين أعراش في منطقة لوطاية قرب بسكرة. لم يستطع القضاة المحليون حل النزاع فتدخلت سلطات الإحتلال فبحثت عن عالم قدير فذُكر إسم الشيخ الشباح. فلما جاءه الوفد وعرضوا عليه المعطيات قال أنه لا يمكنه البث إلا بمعاينة المكان. فأرسلوا له سيارة قد تكون أول سيارة تدخل المنطقة فبقي في لوطاية ستة أيام حتى حل النزاع. كان معروف عنه أنه يتنقل دائما ببعض كتبه يضعهم في قلمون البرنوس وكلما تحفظ أوشكك طرف في أقواله رفع يده وراء ظهره وأخرج الدليل.

معتوه إذا تكلم أسكت الجميع: في إحدى ىسفراته نزل عند صديق في قرية تبورشت ووجد مضيفه حزينا غير راض بحكم أصدرته جماعة القرية في نزاع بينه وبين آخرين. فلما قص الوقائع قال الشيخ الشباح إنهم ظلموك. فترجاه مضيفه أن يحضر الموعد الأخير في اليوم التالي. وحضور الشيخ الشباح غير فعلا الحكم النهائي الذي أصبع أكثر إنصافا واقتنعت الجماعة به. القصة جد عادية وشهرتها تعود إلى تعقيب امرأة التي كانت طرفا رئيسيا في النزاع: « كانت الأمور تسير في صالحنا فحضر ذلك العقون (المعتوه) فأفسد كل شيء ». هي لم تظلمه بذلك الوصف لأنه كان رحمه الله يعاني ببعض الصعوبة في النطق بطلاقة.

تبجيل العلماء يقضي على التعصب القبلي: قابلت في مناسبة عائلية في أريس الشيخ سي لمير صالحي رحمه الله فقدمت نفسي وسألته عن الشيخ الشباح فقص علي حادثة حضرها وهو صغير، وهي جريمة قتل وقعت بين قبيلتي التوابة وبني بوسليمان. فكثير ما تبتلى هاتان القبيلتان اللتان قدمتا أكبر قوافل الشهداء للوطن بفتن الجرائم. يقول الشيخ سي لمير أنه بعد تأزم الأمر حضر الشيخ الشباح، وهنا تجدر الإشادة بالموقف النبيل للتوابة الذين قبلوا أن يكون عالم بوسليماني حكما. لما لاحظ الشيخ الشباح تعصب الجهتين قام من مكانه وبدأ يصرخ ويوبخ الطرفين دون تمييز ويشير إلى كل شخص ويذكره بالمواقف النبيلة والتضحيات المشتركة التي شارك فيه أجداده ويذكرالجميع بأمجاد يجهلونها فانصاعوا كلهم وقبلوا بالصلح الذي عرضه. وكيف لا يقدر التوابة الشيخ الشباح وهو كان يقيم كل سنة شهرين عند عائلة بوسعد في المدينة وهي بلد أحسن تفاح في الوطن. وعائلة بوسعد من أعرق وأغنى أهالي التوابة وكانوا قد أهدوا للشيخ الشباح قطعة أرض فلاحية. سمع بي ذات يوم حفيد من هذه العائلة فزارني في باتنة ومعه صندوق من التفاح تقديرا للشيخ الشباح لم أر ولم أكل مثله لا قبل ولا بعد. فقال أنهم يذكرون إسم الشيخ الشباح يوميا لأن غرفته لا زالت تحمل إسمه وأن كل وثائق حبوس العائلة بخطه. وروى عن والده وجده أنهم كانوا يأمرون راعي الغنم والبقر تجنب الجهة التي يمكث فيها الشيخ الشباح حتى لا يزعج وهو يكتب أو يقرأ. رحم الله الجميع.

علم وحكمة ودهاء في خدمة المجتمع

غوفي وورطة ذبيحة العيد: إجتمع أهل غوفي يوم العيد لذبح أضاحيهم ففتنوا في إحدى الرؤوس التي بدت لهم كأنها لم تذبح بطريقة سليمة. ولكن رمي الذبيحة أمر صعب، فقرروا إرسال وفد للشيخ الشباح. هذا الأخير معروف عندهم لأنه سبق أنه عمل مدرسا في غوفي وأصبح أحد تلاميذه الشيخ الغسيري عضوا في جمعية العلماء المسلمين. فلما عرض الموضوع على الشيخ الشباح وفهم أن لا أحد مستعد لقبول تلك الذبيحة قال لهم: « عندكم رجل مريض عقليا وفقير، لا ترموا ذبيحتكتم أعطوها لذلك الشخص فإنه مرفوع عنه القلم ».

علاج تسلط الجهلاء: كان في إينوغيسن شاب يتيم قوي البنية يعاني من تسلطه كل الأقارب وخاصة الذين يجاورونه في الأراضي الفلاحية،  إذ كلما قام بتقليب أرضه إعتدى على الحدود. فرفعوا الموضوع إلى الشيخ الشباح وطلب منهم إحضار المعني. فلما جاءه ذلك الشاب قال له: « هناك مهمة مستعجلة لا يمكن لأحد القيام بها إلا أنت يا بطل. إن زوجتي تريد نوعا خاصا من الطين موجود في ذلك المكان الجبلي ». فأعطاه محفظة منسوجة من شعر الماعز تُعلق على الكتف. فراح الشاب يهرول المسالك الوعرة ثم يصل المكان ويحفر ويملىء المحفظة ثم يعود بعد مدة لا تقل عن ساعتين وهو مرهق يلهث ويسيل عرقا، ولكنه معتزبقيامه بالمهمة على أحسن وجه. فلما سلم الأمانة قال: « يا سيدي اتفلقت ». فنظر إليه الشيخ الشباح وقال له: « إن عذاب الذين يعتدون على حدود الغير يوم القيامة أشد بكثير ». ويشهد الجميع أن ذلك الدرس كان كافيا شافيا لعلاج سلوك ذلك الشاب.

وصية الشيخ الشباح وشجرة المرابطين

أهمية هذه الوصية تكمن خاصة في المقدمة التي يذكر فيها الشيخ الشباح شجرة عائلة المرابطين في الأوراس. وهذا قد يسعد الكثير من المنتمين لهذه العائلات.

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الملقب بالمعلى محمد الشباح بن الطيب بن علي الشريف بن محمد بن علي بن محمد بفتح الميم بن علي بن علي نجل الولي الصالح سيدي عمر بن ولي الله تعالى سيدي عبد السلام دفين تكوت بن المعلى نجل الولي الرباني سيدي عبد السلام بن مشيش الإدريسي الحسني رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ورحمنا بهم ولطف بنا في الدارين.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وإمام المتقين ومغيث الواقفين للحساب في المحشر يوم الدين وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته ومن اتبع ملته أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وبعد فلما كان الوقف في الشريعة الإسلامية الحنيفية من أعظم مسالك البر وأقدسها ومن أجل القرب وأنفسها النافعة لصاحبها يوم المرجع والمآب بجريان ثوابه وهو تحت التراب حسبما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة السالمة من الشك والارتياب، فإني أستخير الله سبحانه وتعالى وأفوض أمري إليه في وقف ما ملكنيه وخولني أياه من حطام الدنيا فأقول وبه سبحانه التوفيق والهداية إلى أقوم طريق طالبا الثواب من الملك الوهاب خاليا من شوائب الارتياب إقتداء بالسلف الصالح رضي الله عنهم وامتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فأقول مستعينا بالله تعالى ومفوضا أمري إليه : إنني قد حبست ووقفت وأبدت جميع ما ثبت على ملكي من العقارات والأراضي الحراثية بورها ومعمورها سقيها وبعلها ما ذللت السكة وما لم تُذلِّلْهُ وما اتصل بها من الأجنة المثمرة وديار السكن والخزين والحيوان مباح الأكل ومحرمه وما تناسل منه وأثاث البيت على اختلاف أصنافه وآلات الخدمة والفلاحة وآلات الحراسة على النفس والمال وكتب العلم الشريف من تفسير وحديث وفقه ونحو وأدب وطب ولم أستثن شيئا مما يعد وينسب لي من جليل الأشياء وصغيرها وكثيرها وقليلها ما ثبتت ملكيته لي برسوم وأحكام شرعية أو بغيرها إلا وعقدت فيه التحبس فمن ذلك العقارات الثابت ملكيتها لي برسم شرعي عن محكمة شناورة مؤرخ في السادس والعشرين مارس سنة 1930 عدد 55…وأما كتب العلم فلا تقسم فمن كانت له أهلية انتفع بها وإلا فتبقى محفوظة….

حفيد صغير يستأنس بجد كبير

سنوات ونية نفض الغبار عن هذا العالم العصامي الرباني تراودني وأنا أتحصر على ما ضاع وعلى عجزي عن قراءة مخططات جدي. وها هي مؤانسة الشيخ الشباح لأيام معدودة في مشاعر عظيمة توقد أخيرا الشعلة.

ياأيها الحفيد كفاك تجنيا على الظروف فأنت مقصر – لا تأس على ما أتى عليه الدهر وأتلفه العدو المدمِّر

كفاك أحزانا وأعذارا لاتشفي ولا ترد ما راح وتبخر – حول ريشتك يمينا وعن جدك أنفض الغبار ما تيسر

إن بر الأجداد من بر الوالدين وكل يبارك في العمر -فلا تبخل عن نفسك بقسط من البر يجني أوفر الأجر

إن إنصاف العظماء لا يناله المقصر ولا عامة البشر – لكن البر والتقوى ما أستطاع المرء لا أقل ولا أكثر

تجف الأصالة وتحيا وكل حين تؤتي أكلها من الثمر – فانقل عن الشيخ الشباح ولو قطرات واسق زرع الأثر

إنها سطور معدودة عن عينة من صفحات مبعثرة لا تجزي عن كل المخططات والمجلدات والكتب وأشياء أخرى كلها موصولة بحضارة أصيلة ما جاء المحتل إلا لمحوها.وإنها أيام معلومة وملهمة من ذي الحجة برا وتداركا عساها تحقق بمشيئة الله وحمده إستطاعة الشيخ الشباح إليه سبيلا بعد سبعين سنة تحت الثرى، وتسعد الحفيد الصغير وهو يبشر و يهنىء الجد الكبير: حج مبرور وسعي مشكور وذنب مغفور وتجارة منجية رابحة لن تبور وعمل صالح صغيره وجليله مأجور وعلم نافع ما دونته الذاكرة وما لم تُدونه  كله نور على نور.


Nombre de lectures : 2984
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Ammar
    23 septembre 2016 at 12 h 31 min - Reply

    كنت اسمع عنه ولكن لم أكن ادرك انه عالما كبيرا بهذا القدر

    Ce commentaire vous plait ? : Thumb up 6

  • Congrès du Changement National

    Galeries photos