Édition du
30 March 2017

المال والسياسة في الجزائر

 http://www.alquds.co.uk/vache à lait Algérienne

بشير عمري

Dec 10, 2016

أن يكون للسياسة دور في المال فهذا من طبيعة بل ومقتضيات مفهومها ومقاصدها، بوصف العمل السياسي فن إدارة الممكن في تدبير للشأن العام، وفق الأطر والبني القانونية والمؤسساتية، أما أن يغدو للمال دور في السياسة توجيها وتوظيفا، فهذا من الخطايا العظمى التي تنجر إليها الأمم وتنقاد بها إلى مهاوي الانكسار.
هذا هو واقع حال الأقطار العربية دونما استثناء، بل إن الظاهرة فاقت مستوى أن تكون طارئا، إلى حد أن بلغت مبلغ التأسيس للدولة القطرية العربية، مذ تحررت من ربقة الاستعمار، فالفساد السياسي بالمال عمّ ليحرم حلم الشعوب في الإقلاع الاقتصادي والتنموي من التحقق.
وفي سياق الحفر في أبعاد الظاهرة بوصفها، في شاكلة سيرورتها وصيرورتها معا، مستثنى تاريخيا عربيا، فتحت مؤخرا قناة المغاربية الفضائية التي تبث برامجها من بريطانيا، نقاشا حول هذه الظاهرة، متخذة من التجربة الجزائرية، بحكم الانتماء الوطني والإقليمي لطاقمها، نموذجا لمحاولة فهم البدايات والمآلات والأفاق التي يمكن استشرافها في معركة الخلاص من هذه الظاهرة.
ما استرعى انتباهي في سعي المغاربية، هو ذلك الارتجاع العميق في التاريخ الوطني ومحاولة مساءلة الحقبة الاستعمارية في ذلك، من خلال إلحاق تجربة الحركة الوطنية ممثلة في قيادتها اللحظية السياسية (جبهة التحرير الوطني) والعسكري (جيش التحرير الوطني) بأثر رجعي لظاهرة تأثير المال في صنع القـــــرار السياسي، عــــــــبر إعادة فتح سجلات وصــــــناديـــق الحزب التي كانت تتغير أرقامها بفعل الدعم والمساندة والتـــــــمويل، الذي كانت تتلقاه الثورة من مختلف البلدان وحركات التحرر العالمي، بغـــية إيجاد تفسير تاريخي موضوعي لجذور (الظاهرة ـ الأزمة) والتأكيد على أن الحاصل في راهن الأمة هو نتاج ماض تأسس مع انحراف في الخط الثوري، أو بتعبير أدق بدايات الانحراف الثوري الذي سينتهي بمعركة كسر العظم في الصراع على السلطة واستمراره إلى يوم الجزائريين هذا، مذ استحواذ الانقلابيين من قادة جيش التحرير وعملائهم من السياسيين المدنيين على الحكم في خط مستمر متواصل جيليا إلى زمن الجزائر الحالي.
فلا غرو هنا في التأكيد على أن الصراع حول مصادر صنع القرار الثوري كان قد بلغ إذ ذاك ذروته، إلى حد أن استخدمت فيه كل أسلحة الحسم، بما فيها المال، الذي كان يتدفق على الثورة من الخارج، وهنا نود الإشارة إلى أن الذاكرة الوطنية لم تولي كبير الأهمية، سواء عن سوء أو حسن تصرف مع تاريخ رجالات ومسؤولي النضال الوطني، في مسألة المال الثوري المقبل من مختلف مناطق وجهات الدعم في العالم، بل حتى المذكرات التي تصارعت فيها الذاكرة منذ العشرية الماضية، لم تولي عظيم العناية لموضوع المال الثوري، قدر اعتنائها بسرد الخلافات السياسية والفكرية والتنظيمية للثورة، وشرعة النشاط من عدمه لهذا الطرف وذاك.
من هنا اتضح لي شخصيا، أن سياق التعاطي الموضوعي مع ظاهرة أثر أو دور المال في السياسة، يفرض وضع حد فاصل بين محطتين تحملان بعدين خاصين، أولاهما أثر السياسة في المال، وهذا تجسد، كما أشرنا من خلال توظيف أرصدة الثورة في الصراع الشللي الثوري حول قضايا الحسم الثوري التصارعي الداخلي، بين جل فرقاء القضية الوطنية، وثانيهما تأثير المال في السياسة، الذي حصل فيما بعد الاستقلال وعرف أوجه تطوراته وتورطاته مذ وصل الرئيس الحالي بوتفليقة إلى هرم السلطة بالجزائر نهاية القرن الماضي.
تشير كل المعطيات الموضوعية عن الثورة، والخارجة عن سياقات السرد الرسمي للتاريخ الوطني وحركاته السياسية، الذي لازم خطاب السلطة معرفيا وسياسيا، إلى أن الصراع الذي دب واستشرى في مفاصل الأجهزة الثورية قبيل وبعيد الاستقلال عرف توظيف شتى أدوات الصراع وربما كان على رأسها المال (الخيري – الثوري) سواء منه الخارجي أو الداخلي فيما سُمي آنذاك بـ»صندوق التضامن»، لكن لم يحدث أن خرج بسط الأيدي على تلكم الأموال عن جزء من الارادة الشللية المتصارعة، بمعنى عن توظيف سياسي للمال خدمة لتصور ما قد يكون خاطئا، أو غير ذلك فتلك مسألة أخرى، فلم نسمع عن تراكم لثروة فرد من مال الثورة على الأقل فيما قرأناه من مصادر كتابة التاريخ الموضوعية.
فلكون الحسم الثوري لم يتم، كما تشترطه فلسفة الثورة ومنطقها العلمي عمليا بالجزائر، فقد تواصل الصراع حول السلطة في ظل الفراغ الفكري والمشروعي الذي عانته قبل وبعد اندلاعا، ما جعل بعضها ينفي عنها صفة الثورة حتى، كما جاء على لسان خالد نزار وزير الدفاع السابق حين قال «أنا شاركت في حرب تحرير وطني وليس في ثورة، أين هي هذه الثورة التي عنها يتحدثون؟».
كان لابد أن توظف كل وسائل إخماد الارتداد الثوري، الذي واكب خضم الصراعات الكبرى على السلطة، وطبعا وظف المال في ذلك توظيفا تجاوز ثوابت الحركة الوطنية وثوابت التأسيس الأولى للدولة الوطنية، كالطابع الاجتماعي وجماعـــــية السلطة، فتم تسهيل الاغتناء لبعض الشخصيات التي كانت تملك قدرة تغيير مجرى الأحداث، لارتباطها بدوائــــر مؤثرة خارجية وداخلية، مثل مسعود زوغار وعبد الحفيــــــظ بوصوف، رجلا المخابرات القويين، بيد أن ذلك الاستثناء لم يكن بالحجم الذي يطغى على القاعدة، وكان قبولهم بمبدأ الغنى مقابل الصمت بمثابة أسلوب جديد في الحسم الثوري المعكوس الذي تواصل إلى غاية الردة الثورية وانهيار الأسس التي قامت عليها رمزيات الدولة القُطرية في الجزائر وهوية نظامها السياسي والاجتماعي.
تواصلت الانهيارات الكبرى بوتيرة ونسق متسارعين، ومع توقيف المسار الانتخابي سنة 1992 سدد الانقلابيون الضربة النهائية لبقايا خطاب دولة الثورة، ودخلت البلاد منطق الثروة من خلال تصفية القطاع العام دونما المس بالنظام المصرفي، الذي ظل بتخلفه وهشاشة بناه المؤسسية والتسييرية معفى من كل إطالة وإطلالة إصلاحية، وهو ما أتاح لمصادري الارادة الشعبية سنة 1991 من تكوين بارونات المال من قروض بنكية عمومية، مشفوعة بصفقات عمومية دون المرور إلى سوق الصفقات أو بتحايل على ميكانيزمات وقواعد تلكم السوق، إلى أن استوت تلكم البارونات على عودها، ثم استحالت فيما بعد إلى غيلان لا تكتفي بتغيير منظومة تسيير الاقتصادي الوطني، لكونها اشتغلت في القطاعات الخدمية التي تستنزف الميزانية العامة للدولة، كقطاع الإنشاءات الكبرى، بل أريد لها أن تلعب دورا سياسيا، عبر ذر المال على القواعد والقيادات الحزبية لتكسير إرادة التغيير الجاد الذي كانت ترفعه بقايا القواعد النضالية الحزبية الملتزمة التي فجرت انتفاضة أكتوبر 88، لاسيما لدى التيارات العنيدة والمعروفة براديكالية معارضتها للسلطة الفعلية في الجزائر، منذ فجر الاستقلال، كالتيار الإسلامي، اليساري والبربري.
والملاحظ هنا أن الفاعل في السلطة، قبيل وبعيد الانقلاب، عمد إلى رسم معايير محددة في تكوين القوة المـــــؤثرة في السياسة (البورجوازيون المزيفون) أهمها الأصول الاجتماعية البسيطة لأصحاب المال الجدد، المستوى الثقافي الضعيف، مقابل تجاوز النخب المقاولاتية القديمة التي شكلت نواة القطاع الخاص في النظام الاشتراكي السبعيني، فقليلة الشركات والأسماء، التي عُرفت في السبعينيات في الوسط المقاولاتي والمالي، صمدت أمام حركة التجديد في فضاء المال والأعمال في سنوات التسعينيات، حيث سطعت أسماء غريبة تبين للكل أنها في مجملها من أصول اجتماعية ومجتمعية متواضعة، لم تكن تمتلك في أحسن الأحوال أكثر من محلات تجارية بسيطة، قبل أن تحصل على قروض ضخمة من البنوك العمومية بإيعاز من هذا الطرف أو ذاك.
ومثلما لعب أبناء الحزب الواحد، دور ساسة البلد الحقيقيين، قبيل ولوج التعددية مع أن الجمـــــيع كان يعي أنهم مجرد دمى في يد من هم خلف الستار، من رجال السلطة الفعلــــية، يلعب اليوم البرجوازيون الجدد، دور رجال المال والأعمال الفعليين في الظاهر، في حين تصرخ الحقيقة بأنهم مجرد وجوه لملاك مستترين يمتلكون مواطئ قدم في غرف صنع القرار، والغريب أن هؤلاء البورجوازيين المزيفين صاروا يسخرون المجتمع بالمال بما في ذلك النخب، يشترون لهم مقاعد بالبرلمان وكل المجالس المنتخبة، وتكفي الإشارة هنا إلى السابقة الغريبة التي لم تشهد لها برلمانات العالم مثيلا، حين أصر نواب الشعب، أثناء مناقشة قانون المالية لسنة 2017، على ضـــــرورة الرفع من أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع، من أجل مساعدة الحكـــومة على تغطية العجز في الخزينة، المتأتي من تهاوي أسعار النفط في السوق العالمية، بغية إرضاء اللوبيات التي تعمل هي الأخرى لصالح الشركات متعددة الجنسيات ذات الاتصال الوظيفي مع مصادر صنع القرار الاقتصادي والسياسي في البلد، فتعيد ترشيحهم لعهدة جديدة وتشتري لهم مقاعدهم تحت قبة البرلمان، كل ذلك يؤكد أن المال في الجزائر تجاوز بكثير مشروع إفساد السياسة وانتقل إلى مرحلة إفساد الدولة وتفكيك ثوابت قيامها وأساسات ديمومتها، بعد أن تداعى المجتمع برُمته في فترات الرخاء النفطي.

٭ كاتب صحافي جزائري


Nombre de lectures : 1689
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique