Édition du
17 October 2017

! « نقولها بوضوح: لقد تحرّرنا بفضل اللغة الفرنسية »

www.echoroukonline.com أبو بكر خالد سعد الله

أستاذ جامعي قسم الرياضيات / المدرسة العليا للأساتذة- القبة

نقرأ أحيانا عباراتٍ وفقرات لمثقفينا وصحفيينا فنَتِيهُ في البحث عن هوية كتابها ونتساءل عما إذا كانوا حين كتابتها يتمتعون بكامل قواهم العقلية؟ لو لم نكن نعرف أن قائل العبارة «نقولها بوضوح: لقد تحرّرنا بفضل اللغة الفرنسية» هو مدير صحيفة وطنية محترمة (تسمى L’Expression) وأنه كتبها في الصحيفة التي يمتلكها لتَصَوَّرْنا أن الجريدة هي التي شوّهت المقولة وحرَّفت كلام الكاتب، بل تأكيدا على ما قاله صاحب هذا المقال، وهو السيد أحمد فتاني، جاء بالتوازي مع مقاله في نفس العدد (الخميس 09/02/2017) مقالٌ داعم لفكرة هذا المقال ويتناول نفس الموضوع.

«الحكومة تتداول بالفرنسية»

وبيت قصيد أحمد فتاني في هذا المقال (في أزيد من 1100 كلمة) هو الإدانة الشديدة لظاهرة دوّخته وهي -في دعواه- خطيرة ولا بد من التصدِّي لها بقوة في وطننا الجزائر! وتتمثل هذه الظاهرة في تزايد استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنكليزية في واجهات المؤسَّسات الرَّسمية. وقد ذكر كمثال على ذلك واجهة وزارة الشؤون الخارجية وواجهة وزارة الدفاع الوطني، كما أشار إلى واجهات بعض الجامعات.

ولم يتوقف فتاني في تحليله عند إدانة هذه اللغة الدخيلة –الإنكليزية- التي أتت «خلسة» عبر «الباب الخلفي» لتحلّ محلّ من حرّرنا (اللغة الفرنسية)… بل راح يصوّر استراتيجية من يقفون وراء هذا المخطط. يرى فتاني أن «الجزائريين مستغرِبون من غزو اللغة الإنكليزية لمحيطهم، وهذا يعدّ اغتصابا لغويا!». ويتساءل: «من استضافها؟ ومن يقف وراء هذه المؤامرة، ومن المستفيد منها؟» منبِّهًا إلى أن «الجزائر هي ثاني دولة فرانكفونية في العالم»، ويواصل كلامه بلغة رومانسية: «لقد اجتازت اللغة الإنكليزية الرواق وانتشرت في الصالون العائلي في انتظار أن تلج مباشرة غرفة النوم…»!

لم يتوقف فتاني في تحليله عند إدانة هذه اللغة الدخيلة –الإنكليزية- التي أتت «خلسة» عبر «الباب الخلفي» لتحلّ محلّ من حرّرنا (اللغة الفرنسية)… بل راح يصوّر استراتيجية من يقفون وراء هذا المخطط. يرى فتاني أن «الجزائريين مستغرِبون من غزو اللغة الإنكليزية لمحيطهم. وهذا يعدّ اغتصابا لغويا!». 

ولا شك أن منطق صاحب المقال يُعتبر، من هذا المنظور، سليما إذ أن القضاء أو الابتعاد عمن حرّرنا يُعَدّ لؤما ونكرانا للجميل لا يقبله الإنسان المتحضِّر، فمن يقف وراء هذا التحوّل –إن كان هناك فعلاً تحوّل- في نظر الكاتب؟ يجيب فيكشف: إنهم «الإسلامو-بعثيست» (الإسلامويون-البعثيون)! وهي التهمة المبتذلة التي أصبحت بدائية الشكل والمضمون تصيب كل شخص تفوّه بكلمة حق دفاعًا عن اللغة العربية أو نبّه إلى ضرورة الاهتمام باللغة الإنكليزية في مدرستنا (لأنها تُعتبر لغة العلم والاقتصاد)، وتوجيه هذه التهمة للمواطن الغيور على ثوابت البلاد يُعتبر وسيلة دفاع مفضوحة تماما كما هو حال تلك التهمة التي يوجهها الصهاينة للشخص الذي يستنكر فعلا فعلوه ضد الفلسطينيين، فيتهمونه بأنه «ضد السامية»! والمنطق السليم يقول إن «الإسلامو-بعثيست» ومن عاداهم ومن تعاطف معهم من الجزائريين مطالبون جميعا بالدفاع عن أيِّ لغة رسمية. ومن لم يستطع فلا إثم عليه!

لكن الكاتب لا يرى الأمور من هذه الزاوية، إذ يتساءل: لماذا يقوم «الإسلامو-بعثيست» بذلك؟ فيجيب: لأنهم فقدوا المناصب والنفوذ في الجزائر بدليل أن «الحكومة تتداول باللغة الفرنسية»! هذا ما يعلنه الكاتب صراحة، مضيفا أدلَّة أخرى منها أن «الجريدة الرسمية تُتَرجم من الفرنسية إلى العربية» وليس العكس!

 «المثقف الذي يهزّ العالم»

لا نريد الغوص في سيرة السيد أحمد فتاني التي نجد فيها المادح والذام لأن ذلك لا يعنينا، لكننا نشير إلى أن الكاتب تجاوز عمره 70 سنة، واشتغل في وسائل الإعلام الرسمية في زمن الحزب الواحد، وعمل في وكالة الأنباء الجزائرية، ثم أسَّس صحيفته – وهي تُعتبر من صحف الموالاة- بعد أن كان من مؤسِّسي صحيفة «ليبرتي»، كنا نعتقد أن هذه المسيرة الطويلة والحافلة بالتجارب والإنجازات الإعلامية على مستويات مختلفة ستجعل الكاتب واسع الأفق في تحليله للعنصر اللغوي.

وكنا نعتقد أيضا أن تنقله في بلدان العالم ومرافقته مثلا لرئيس الجمهورية، في بداية القرن، خلال زيارته للولايات المتحدة، كانت كافية لوحدها ليدرك أن اللغة الإنكليزية لم تفرض نفسها في العالم -بما فيها على أوروبا المتحدة- بفضل دردشات المقاهي والسهرات في صالونات السلطة، وتوجيه التهم الزائفة لغير أهلها، وتزوير الحقائق عبر وسائل الإعلام… بل فرضت نفسها بالعمل الملتزم والاقتصاد الناجح والسلاح الفتاك والاستثمار في العلم بالموازاة مع الرغبة في التجبّر واستضعاف شعوب المعمورة.

لا ندري هل يعلم السيد أحمد فتاني اليوم أن فرنسا التي تسعى بكل قواها لتمكين لغتها في كل مكان -وهذا من حقها ومن واجبها- ترسل جامعييها وباحثيها إلى مختلف بلدان العالم المتقدِّم والنامي (البرازيل، الشيلي، إيطاليا، السويد، الصين، إثيوبيا، جنوب إفريقيا…) ليحاضروا بالإنكليزية وليس باللغة الفرنسية التي يقول عنها أحمد فتاني إنها « حرّرته » بينما يقول البعض الآخر إنها استعبدتهم، ولا نظنه غافلا عن كون كثير من الدروس والمحاضرات في مستوى الماستر تُلقى في فرنسا بالإنكليزية وليس بالفرنسية.

ومن جهة أخرى، أشاد أحمد فتاني في مقاله بدور كمال داود الذي قال عن اللغة العربية في السابق ما قاله. وفي نفس اليوم، أجرت أسبوعية Le Point الباريسية الشهيرة استجوابا مع كمال داود وصدر العدد بغلاف يحمل صورته كُتب فوقها بالبنط العريض «المثقف الذي يهزّ العالم»! لا نريد التعقيب على هذا العنوان المثير الذي، حين قرأناه، تصوَّرنا أنه وصفٌ لرجل من عمالقة عصر ألبرت أينشتاين أو ريتشارد فينمان، لكننا نكتفي بترديد العبارة التالية التي جاءت في استجوابه: « ليس هناك عربيٌ يتكلم العربية، وكل بلد عربي له لغته الخاصة، ولكل منا تاريخه الخاص»، وهكذا فالكل يصب في اتجاه واحد: أحدهما يشرذم العربية ويحتقرها، والآخر يدين الإنكليزية ويدعو إلى نبذها ».

عندما تعمّ كل تلك التناقضات لدى هذه الفئة من المواطنين الإعلاميين والمثقفين يحتار المرء في كيفية مجادلتهم. الوضع كما يصفونه هو أن اللغة الفرنسية تمثل اللغة التي تتداول بها الحكومة، وهي لغة تعامل كبار المسؤولين، وكبار رجال المال والأعمال، ولغة الاتحاد العام للعمال الجزائريين، كيف لا يكون الحال كذلك والفرنسية هي التي «حرّرتنا»! جميل هذا الوصف وهذا الاستنتاج أيضا! ويمكن أن نضيف إليه أنه لحسن حظنا أن الفرنسية هي لغة كليات الطب عندنا منذ الاستقلال، ولذلك فنحن في وضع يحسدنا عليه العدو! هذا الوضع في نظر هذه الفئة يجب أن لا نزعزعه بإدخال لغةٍ أخرى رسمية كانت أو عالمية، فنحن على ما يرام (أي « آنتيك » بلغة الشارع)!

– هل هذه الفئة بحاجة إلى التذكير بحال اقتصادنا وتفاصيل ميزانيتنا وريْعنا البترولي؟

– هل هي بحاجة إلى وصف حال صناعتنا وفلاحتنا وخدماتنا المختلفة؟

– هل هي بحاجة إلى المزيد من التأمل في مأكلنا ومشربنا وملبسنا، من أين يأتينا؟

– هل هي بحاجة إلى الإشارة إلى أن أبسط الخلق عندنا صار يبحث عن العلاج خارج الوطن (بدءا من تونس إلى الأردن إلى البلاد الأوروبية) وأن عياداتنا تستورد من الخارج الأطباءَ لإجراء العمليات لمرضاها؟

وبعد كل هذا: هل نصدِّق كمال داود حين يكتشف في آخر ما كتب «أننا أكياسٌ خاوية»؟ أو نتبنَّى رأي أحمد فتاني حين يكتب أن «الجزائريين سعداء بأن يعيشوا كما يشتهون، بقراءة صحيفةٍ يومية باللغة الفرنسية»؟ أو نثق في المتنبي حين يؤكد أن «أخا الجهالة في الشقاوة ينعم»!؟


Nombre de lectures : 2262
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • ali
    16 février 2017 at 8 h 04 min - Reply

    Dire que c’est grâce à la langue française qu’on s’est émancipé, m’incite à me poser la question si on s’est réellement émancipé ?
    Il faut le dire tout net :
    Si outrage il y a, en question de langue en Algérie, il est au détriment de nos deux seules langues nationales qui sont le tamazight et l’arabe.
    La langue de Shakespeare ou la langue de Molière sont deux langues étrangères, pour l’Algérie.
    Le bon sens dira qu’il est préférable, de faire apprendre, à nos enfants, n’importe quelle langue, mais surtout celle qui est largement la plus utilisée, à l’échelle mondiale parce qu’elle est devenue incontournable, si on veut avoir accès aux ouvrages scientifiques et autres, de hautes qualités.




    2
  • Congrès du Changement Démocratique