Édition du
24 May 2017

(الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان  في الجزائر و كيفية معالجتها (الحلقة الثانية و الأخيرة  

إنّ النظام القائم، لا يمكنه أن يقوم بمعالجة حقيقية لمسألة الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان و يعالج مخلفاتها الكبيرة و العميقة.. و لا يستطيع ذلك حتى و لو أراد و هذا راجع إلى كونه بكل بساطة هو من قام بهذه الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان و من ثم لا يمكنه بمعالجتها اللّهم إلاّ أن يقوم بتدمير نفسه بنفسه و يقطع الغصن الذي عليه يتكئ و يجلس أو ينقلب على نفسه و يتنكر إلى أصله و أساس وجوده.. فيعترف أنه نظام استبدادي، نظام غير شرعي جاء بالقوة الغاشمة و بمنهج إنقلابي على إرادة الشعب.. 

لقد تطرقنا في الحلقة الأولى أن لمن المستحيل أن تتم معالجة الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان ضمن المنظومة القانونية للنظام القائم  و قد تطرقنا على سبيل المثال إلى مسألة « الإحتجاز الإداري » أو بتعبير أوضح قضية « معتقلي الصحراء ».. فهذا الملف على بساطته بالمقارنة مع الجرائم الأخرى المرتكبة من قبل أعوان النظام(الإعدامات خارج إطار القضاء- الإخفاءات القسرية – المجازر الجماعية – جرائم الحرب..) لم يتطرق إليها إطلاقا و لم تجد لها حيزا في إطار المنظومة القانونية للنظام القائم في إطار قوانين المصالحة الوطنية أو الوئام المدني ..

و على هذا الأساس فقد رفض القضاء الإداري دعاوى المرفوعة من قبل بعض المتضررين من مسألة الإحتجاز الإداري أو باعتبارهم من معتقلي الصحراء (راجع القرار الإداري الصادر عن مجلس قضاء الجزائر/ الغرفة الإدارية بتاريخ 09/12/2009 تحت رقم 00688/09 رقم جدول 02401/09).

و عليه فلا يبقى سوى الحل السياسي لهذه القضايا(قضايا الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان)

فما هو المقصود بالحل السياسي؟

المقصود بذلك هو أن يفتح ملف الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان بعد تغيير النظام القائم..

 برحيله أو ترحيله ..

بسقوطه او إسقاطه..

و إحداث تغيير جذري و عام و شامل لنظام الحكم في البلاد باجتثاث النظام الاستبدادي و استئصاله في جميع مكوناته و أسسه و قواعده و شخوصه .. من حيث يتم بموجبه الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي حقيقي يقوم على أسس و مبادئ الحق و العدل و القانون و الحريات الديمقراطية..

و هنا فقط يمكن بل يتعين و يجب فتح كل الملفات و طرح كل القضايا و المسائل المتعلقة بالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان خلال حقبة النظام الاستبدادي.. 

و هنا لا بد من وضع و إقرار استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية تقوم على مبادئ الحقيقة فالمصارحة ثم العدالة فالمصالحة، وتضمن إجراء القصاص العادل على كل من تورط في الإجرام و الفساد و تحقق سرعة الوفاء لحقوق الضحايا، واتخاذ كل ما يلزم لبلوغ العدالة الناجزة والفاعلة في هذا المقام ثم تفعيل المصالحة المجتمعية.

فمفهوم العدالة الإنتقالية يتضمن المبادئ التالية: الحقيقة – المصارحة – العدالة – المصالحة. 

و من هنا نزعم أن أفضل و أنسب مرحلة يتم فيها تفعيل سياسة العدالة الإنتقالية و إقرار و تطبيق القانون العدالة الإنتقالية هي المرحلة الانتقالية.. لماذا؟ و هذا حتى يمكن من تصفية و إزالة كل مخلفات الماضي في مجال الانتهكات الواسعة لحقوق الإنسان في ظل النظام الاستبدادي البغيض : 

  • في فترة الزخم الثوري (بعد سقوط النظام الاستبدادي) و توحد قوى التغيير و ضمان عدم تكتل قوى الثورة المضادة و الدولة العميقة الذين تسببوا في ارتكاب هذه الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان للإنقلاب على الثورة..

2- حتى يتم القيام بها من قبل جميع فرقاء و نشطاء التغيير و تكون سياسة توافقية بين الجميع..

  • حتى تسلم السلطة للتكتل السياسي أو التنظيم السياسي الذي انتخب في إطار النظام السياسي الجديد و الدستور الجديد خالية من تراكمات و مخلفات الماضي للانطلاق في تطبيق السياسة و البرنامج الإنتخابي الذي من أجله انتخب و ليس منها معالجة هذه الملفات حتى لا تكون موضوع دعاية انتخابية و موضوع إنقسام مجتمعي.. 

و يقوم قانون العدالة الأنتقالية على مختلف العناصر المكوَّنة لسياسة العدالة الإنتقالية و التي هي عبارةً عن أجزاء متكاملة، تتصل الواحدة بالأخرى عمليًّا ونظريًّا.  و أبرز هذه العناصر الأساسية هي : 

1 – هيئات و لجان الحقيقة : و هي عبارة عن لجان تحقيق محايدة و مستقلة عن كل الأجهزة و المؤسسات الرسمية تعمل على البحث و التحري و التحقيق في كل أشكال و أنماط الإنتهاكات المنتظمة المسجلة و/أو المعلنة من قبل الضحايا و التبليغ عنها و توثيق ذلك في محاضر، و الكشف عنها أمام الرأي العام الوطني  دون مبالغة و أو تحجيم، بلا إفراط و لا تفريط و إحصاء الضحايا و كشف المجرمين، مع التوصية بإجراء تعديلات على المنظومة القانونية ذات الصلة بممارسة الحقوق و الحريات للمساعدة على فهم الأسباب الكامنة وراء الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان و هذا حتى تطلع عليها الأجيال اللاحقة على حقيقة ما وقع بكل موضوعية و شفافية حتى يضمن ألاّ تتكرر من جديد. 

2- المتابعات القضائية: و نعني بها الملاحقات القضائية أمام محاكم خاصة لكل من تورط في ارتكاب الانتهاكات حيث يتم من خلالها تحقيق المساءلة و المحاسبة و المحاكمة العادلة في إطار الضمانات القانونية المعترف بها دوليا، و التي من خلالها يتم تفعيل القصاص العادل و إنهاء سياسة الإفلات من العقاب، لاسيّما تلك التي تطال المرتكبين الذين يعتبرون أكثر من يتحمّل المسؤولية في حدوث الإنتهاكات لحقوق الإنسان و التي تعتبر جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وهذا حتى يكون هؤلاء عبرة و آية لغيرهم من المسؤولين و الأفراد المنفذين.. 

3- التعويض و جبر الضرر: الذي تقر الحكومة و الدولة بموجبه و تعترف عبره بالأضرار المسببة  في حق فئات و أفراد من المجتمع و من ثم تتّخذ الخطوات السليمة و الصحيحة لمعالجتها. وأهم ما تتضمّن هذه المبادرات عناصر مادية كالتعويضات المالية أو الخدمات الصحيّة أو التكفل الإجتماعي على سبيل المثال فضلاً عن أمور و أشكال  رمزية كالإعتذار العلني و إحياء يوم الذكرى.. 

4- المصالحة الوطنية: التي إنهاء حالة العداء والعنف وانعدام الثقة بين فرقاء في المجتمع والانتقال بالجميع إلى مجتمع جديد قائم على الوئام والتفاهم وفق قوانين وأسس جديدة. و أول هذه الأسس و القوانين وأهمها هو الإعتذار و طلب الصفح من الجاني و منح  امكانية العفو و المسامحة من قبل المجنى عليهم أو الضحايا..  الصفح و العفو عن التجاوزات التي حصلت في حقهم أو في حق ذويهم بسبب طبيعة النظام السائد سابقاً الذي تسبب في بروز ظاهرة الإنتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان..

فالمصالحة لا تعني أبدا العفو الشامل  و التضحية بالحقوق والعفو عن المجرمين بل التجاوز في حق الذين اضطرتهم الظروف السائدة في النظام السابق، و ربما كانت مفروضة عليهم وعلى غيرهم، إلى ارتكاب أعمال لإجرامية و غير لائقة إنسانياً.

فطريق المصالحة ليس سهلا و قد صعبا لا سيما من الناحية السياسية و النفسية لكن لا بديل عنه و هنا يقع الدور على النخبة السياسية و قادة المجتمع لإقناع أفراد المجتمع  لا سيما ضحايا الإنتهاكات بالسعي إلى بناء مجتمع حديث متطور ومتفاعل إيجابياً ومتسامح اجتماعيا. 

5– إصلاح المؤسسات: و يشمل إصلاح مؤسسات الدولة القمعية على غرار القوات المسلّحة، أجهزة المخابرات، مصالح الأمن المختلفة(الشرطة و الدرك الوطني) و المحاكم، بغية تفكيك بالوسائل المناسبة آلية الإنتهاكات البنيوية وتفادي تكرار الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والإفلات من العقاب.. وهذا بنشر ثقافة حقوق الإنسان و دولة القانون و الفصل بين السلطات و استقلال القضاء(الذي يختص وحده بإيقاع العقوبات). 

خلاصة القول أنّ تطبيق هذه القواعد و العمل بها لكفيل بنجاح سياسة العدالة الإنتقالية من حيث أنها ستؤد حتما إلى تهدئة النفوس و إطمئنانها، ابعاد الشحناء و البغضاء  بين أفراد المجتمع، القضاء على بذور الحقد و النزوع إلى الإنتقام و تحقيق السلم المجتمعي و الأمن المدني و هذا لضمان عدم وقوع و تكرار مثل هذه الجرائم و الإنتهاكات..

فنجاح هذه السياسة مرهون بقدرة القادة السياسيين الذين يديرون المرحلة الإنتقالية على التوصل إلى صيغة ترضي الجميع وتقنعهم بالعمل معاً لإصلاح علاقات المكونات المجتمع التي أفسدتها الدكتاتورية و النظام الاستبدادي وممارساته الإجرامية و الحروب القذرة التي تسبب فيها.. فهذه القواعد هي أرضية لتجاوز سلبيات و تبعات و أحداث الماضي المؤلم من حيث أنها تشكل قاعدة للانطلاق نحو المستقبل. 

                                                                             محفوظ بـــدروني

(عضو مؤسس لمؤتمر التغيير الديمقراطي)


Nombre de lectures : 956
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique