Édition du
25 April 2017

منطق الإحياء والقتل السياسي بالعاهة التاريخية

http://www.alquds.co.uk

 Mar 13, 2017 بشير عمري

تزامنت حملة التنديد بما تعرض له الناشط السياسي الإسلامي علي بن حاج، من عنف أفضى إلى كسر قدمه، التي تصاعدت مؤخرا حدتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، مع عودة التصريحات النارية من بعض الساسة حول ملف أبناء «الحركي» الذين وصلوا إلى مناصب عليا في الدولة، مثلما صرح به مؤخرا فوزي رباعين أحد المرشحين السابقين في انتخابات رئاسة الجمهورية بالجزائر.
ليكتمل مشهد الانهيارات المعلمية في الدولة والمتلاحقة مذ تقطعت لحمة الاتصال بين مؤسسات الحكم، وتشوهت الخطابات وراح الكل يعبث في السياسة وبالسياسة كيفما شاء، بعدما أوغلت السلطة في توظيف عاهات التاريخ سياسيا، حسبما تبغيه في سبيل استبقاء واستدامة أنموذجها الأحادي في الهيمنة على المجتمع، بعيدا عن حاملي ومحتملي تلكم العاهات، علما بأنه كان لهاته السلطة اليد الطولى فيما حصل من تلكم العاهات.
من مفارقات المشهد السياسي والاجتماعي الجزائري أن تلفي من يرفع الشعار المطلبي الغريب، القاضي بضرورة التحول إلى الجمهورية الثانية، في وقت لم تفكك فيه بعد وعيا وممارسة رموز الأزمة العميقة، التي حفل بها قاموس الدولة والمجتمع، مذ بدأ الكفاح المسلح من أجل الحرية منتصف خمسينيات القرن الماضي، وعدم تفكيك اصطلاحات الخطاب الوطني، بما يتيح تفجير لغة السياسة، ومن ثم يمكن لعوالم التغيير والتحول من مرحلة في الوعي إلى أخرى أن تتحقق، هو ما يبقي الوضع القائم المتدثر بالوطنية المحنطة والاستقلال المتكلس، فكيف نطالب بتحول من حالة جمهورية إلى أخرى، وحسابات الكلام والزمان لا تزال فواتيرها وقواميسها مكدسة، إذ لا يزال لفظ «الحركي» لم يأخذ ما يلزم من محاولة الفهم، في وعي الجزائري الذي حسبه فيما يعلمه عن «الحركي» هو ما شرحه له «عرفيا» أهله في البيت، من أنه ذلك الجزائري الأصل، الذي عمل ضد مصالح الثورة. في وقت صار نعت الإرهاب، لفرط ترديده بحق وبغيره استحال هو وفترة العشرية السوداء لدى السلطة وجهازها الدعائي الإعلامي والنخبي المتزلف، إلى غزو خارجي جديد، كانت هي من حرر الأمة منه، فتلاشى الشبح «الحركي» في وعي الناشئة، وحلّ محله شبح «الإرهابي» من هنا يمكن قراءة حالة البطش بعلي بن حاج (الإرهابي) ومنعه من حقه في ممارسة السياسة، كما يحتج أنصاره والمحايدون، في مقابل التمكين لبعض أبناء «الحركي» من مناصب رسمية.
ضمور الحالة «الحركية» بوصفها جريمة في المسار الثوري، وجعلها تسقط ضمنيا وعمليا بالتقادم الزمني والجيلي، جرد الخطاب الوطني من أبرز أبعاد منطلقاته التأسيسية، التي كانت تعكس هوية الوطن انتماء في الفضاءين الجغرافي والتاريخي، ليتم تمييع القضية الوطنية وسط صخب من تنازع الشرعيات والأحقيات بالانتماء واللا انتماء، حتى غاص الناس في جدل الماضي المستضبب والمُستراب واستأثر مقابل ذلك المقامرون المغتنمون للوطن بكل ما حمل هذا الأخير من أطاييب وكراسي المسؤوليات.
الإسقاط للعاهة الحركية يندرج في سياق الردة الحاصلة استتارا على مبادئ التأسيس القطري الأول دونما تصريح، ما يعني أن مشكل الدولة والمجتمع الذي أريد خلقه لا يزال محل قلق تأسيسي، ويصار فيه إلى تسييس عملية إعادة التأسيس، هذا الأخير الذي يوضع عادة قيد الإجراء وفق الآليات الأكثر اتباعا، وهي الجمعيات التأسيسية التي تتداعى لمشروع بعد نقاش طويل يُعمل فيها إلى تفكيك كل أحمال وأثقال الرموز ويعاد ترتيب خراب الماضي.
هذا ما لم يحصل مع المصالحة الوطنية، التي رأى الكثيرون أنها صارت على نموذج الإيحاء الأحادي والفرض الفوقي وعدم التمكين للحقيقة من الانبساط، لتكون كما هي في طبيعة الامر الفيصل في بسط الوعي التلقائي لفهم شروط التحول المرحلي التاريخي وتجاوز قلق العيش المشترك المستشكل بسبب حضور الدم لفترة طويلة بين الفرقاء.
الصراع على السلطة ليس وليد الراهن، بل هو قديم ساكن في طيات بداية التشكل السيادي القطري، وعليه لا يمكن النظر إليه نظرة اجتزائية في الزمن والتاريخ، واعتباره وفقا للخطاب التصادمي السياسي وليد راهن ورغبة شللية من هاته الفئة أو من تلك للاستحواذ على السلطة، فالخطاب السياسي للتاريخ دوما ما يصاغ بعيدا عن الخطاب التاريخي للسياسة، فالأول يسعى إلى قراءة الماضي بأعين الحاضر هو عين القراءة الاجتزائية التي تحجر على العقل التشخيصي وتقتل فرص التفكيك والتحليل لمعرفة أصول الخلاف والاختلاف، في حين يستهدف الثاني، هذين العنصرين لاعتماده على معطيات موضوعية في الإشكالات التي ساهمت في صنع الواقع، ونحسب أن معاناة الجزائريين هي في فقدانهم لخطاب تاريخي للسياسة، وهيمنة الخطاب السياسي للتاريخ الذي صاغته وفرضته وبه هيمنت السلطة على المجتمع وعيا وقمعا.
ولسوف نضرب هنا مثلا أسطع منه دلاله على ضير التوظيف السياسي للذاكرة قد لا يوجد، والأمر يتعلق هنا برغبة أبناء وأحفاد وبقايا القواعد النضالية لحزب الشعب، أبدوها نهاية ثمانينيات القرن الماضي لبعث الحزب مع من بُعث من رديم السرية من الأحزاب الأخرى، بيد أن جبهة التحرير الحزب الحاكم على لسان الراحل عبد الحميد حينها، رفضت بشدة أن يتم الترخيص له، بدعوى أن ذلك الحزب وزعيمه مصالي الحاج ساروا ضد مصالح الثورة، ليأتي بعدها بوتفليقة إلى سدة الحكم، ويطلق اسم مصالي الحاج على مطار تلمسان الدولي، فهل تطلق أسامي «رموز الخيانة» على مؤسسات سيادية للوطن؟ وكيف تحول موقف ثابت لحزب السلطة من معاد صريح لرمز خان الثورة، إلى معترف به في صمت دونما نقاش ولا قراءة ارتجاعية للحظة الموقف الأول منه؟ هو توظيف سياسوي لمواقف تاريخية مقروءة، وفق مرام حسابية سياسية لأصحابها لا غير، دونما وعي جمعي أو فردي، وهو ما يفرض اليوم ضرورة الغوص مجددا في أعماق الخراب الذي تسببت فيه تلك المواقف القديمة، من أجل التصارح والتصالح يفضيان إلى بيان شرعية مختطفة، هي أعمق وأعوص من شرعية السلطة المختطفة أكثر من مرة.
وفي أحدى نقاشاته الحادة مع الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري، ركز الكاتب الصحافي اليهودي الفرنسي إريك زمور على مسألة هشاشة الحضور للكيان القطري للجزائر في التاريخ، في المنظور الفرنسي الكولونيالي للتاريخ طبعا، لينفي وجوده بالمرة مؤكدا أن فرنسا هي التي لها فضل إيجاد الجزائر، كل ذلك في نظرنا إنما هو نتاج سيادة الخطاب السياسي للتاريخ ذي الأبعاد المحدودة معرفيا ولغة، ما استحال إلى عدمية تامة في إعادة تركيب خراب الماضي وفق نمط اشتغال التاريخ الموضوعي على الذاكرة.
الغريب في الأمر أن السلطة لا تعي أو لا تريد أن تعي أن الخلافات الأيديولوجية القديمة التي توقفت لفترة تداعي الجميع لواجب التحرير العنفي للوطن، اتسع مجال الوعي بها وتطور بتطور آليات التحليل والفهم للاستشكالات والإشكالات المرتبطة بالهوية، وما يتقاطع معها من سياسة وسيادة، وأن ذلك أضحى أعجز من أن يحتويه خطابها الوطني المؤسس على وحي اللحظة، هو الكفاح من أجل الاستقلال لا غير، ومهما سعت إليه من تمطيط لمفهوم الاستقلال وتأويله وفق مجازات اللغة غير التاريخية، حتى ينسجم مع مشروعها التلفيقي، فإن سقوطها من خط التواصل على صعيد الوعي الجيلي المتجدد بحتمية تجدد الأجيال بيولوجيا وأيديولوجيا، لا يفتأ يُرى بشكل جلي، ولعله تراءى في أبعد مديات الرؤية في انصرامها العملي وبقائها الخطابي عن أسس التأسيس القطري في القيادة الجماعية والطابع الاجتماعي للدولة، وهو ما يضعها موضع التناقض والمفارقة بين الخطاب والممارسة.
النقاش في تاريخ الوطنية تم حصره في سؤال إستراتيجية تأكيد الذات الوطنية، من كان اندماجيا ومن كان استقلاليا؟ وبذلك قتلت منطلقات الوعي الوطني الأخرى كرصيد لإعادة بناء الوجود الوطني في التاريخ، ويمضي منهج التأريخ للتجربة الوطنية على منوال أسئلة قائمة كهذه على قلق جرح اللحظة المأزومة، ليصل بنا في محطة الحاضر إلى ثنائية الإرهاب وضحاياه، في استثمار سياسوي لجراحات الأمة بقصد التشويش على الوعي الحقيقي والعميق بشأن الذات الوطنية تأسيسا لا تسييسا، مسارا متواصلا لا متكسرا.
من هنا يظل واجبا على النخب بمختلف مرجعياتها الإيديولوجية ومنطلقات أطاريحها التاريخية البديلة لأطروحة السلطة، أن تسعى أولا إلى تحرير هذا التاريخ من هيمنة الخطاب الوطني المتكلس القائم على الثنائيات الضدية الصدامية، التي أسست لها الرؤية الأحادية، وبها أسرت الذاكرة الوطنية، حتى استحالت معرفة الجزائري بتاريخه البعيد منه كما القريب، إلى أرقام جامدة من تواريخ لأحداث، وأعداد لشهداء، وزعماء، ومفقودين وإرهابيين وتائبين، لا تبعد عن رقمية المدى الجغرافي للبلاد، وشتان بين الوعي بالتاريخ المتقلب المنجز بعبقرية الأجيال والوعي بالمكان الذي ليسه أكثر من تحصيل عبقرية التاريخ.
كاتب جزائري


Nombre de lectures : 1064
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Mohammed
    14 mars 2017 at 0 h 32 min - Reply

    « Si nous avons des problèmes avec les Harkis,moi,j’en ai pas avec leurs Enfants ».Dixit A.Bouteflika lors d’une déclaration pendant son 1er mandat.
    Donc les enfants des Harkis pourraient activer légalement en Algérie, faire de la politique colonialiste chère à leurs parents ou prétendre même à de hauts postes de responsabilité au sein des institutions de l’Etat Algérien.
    C’est pour vous dire ,Monsieur,que le mal est profond sur le double plan culturel et historique.Et,que la question n’est pas encore tranchée tant qu’elle n’a pas été débattue dans une Assemblée Constituante Souveraine.
    Aujourd’hui, désigner par « terroriste » un Algérien est devenu par la force des choses et la mode beaucoup plus péjoratif que de le traiter par « Harki » ou « fils de Harki ».
    Il y en a même(lors de nos discussions sur les forums)qui accepteraient, volontiers et par anticipation d’être taxé de « Harki »sans gêne aucune ou atteinte à leur dignité en tant que citoyen,bien au contraire!!
    Ceci pour dire que la problématique du terme »Harki »concerne la Sémantique,le Culturel et enfin la Politique.




    1
  • Dria
    14 mars 2017 at 14 h 30 min - Reply

    تحرير التاريخ يبداء مع تحرير الأيدي و تحرير الأيدي يخضع لتحرير العقول وإذا حلت البطون مكان العقول
    كما هو الحال عند الأغلبية من الشعب فالحل بين يدي
    النخبة . فالنخبة مطالبة بتحريك اليدين وللأسف انحصر دورها اليوم في الكتابة و الإشارة والنصيحة والتنديد متى
    تنزل النخبة إلى الميدان لتضربة المثل في باحات الجمهورية لباقي فئات الشعب كما فعلت نخبة من ابناء نوفمبر
    هؤلاء الرجال الذين ضحو من أجل إستقلال الجزائر
    في إنتضار الأفعال نحن بمثابة حركى من نوع جديد في خدمة الحكام الحاليين . …ل




    1
  • Congrès du Changement Démocratique