Édition du
24 June 2017

على خطى حسين آيت أحمد: ردوا للشعب حقه في التحكم في مصيره

    الشكر الجزيل لاخينا الاستاذ جناح مسعود الذي قام بترجمة المقال 
Tous nos remerciements à notre frère Mr Djenah Messaoud qui a assuré la traduction de cet article.
http://lequotidienalgerie.org/2017/03/30/sur-les-traces-de-hocine-ait-ahmed-rendre-au-peuple-ce-qui-lui-revient-le-controle-de-sa-destinee-texte-integral/

صلاح الدين سيدهم

__________________________________________

» أحلامنا لن تعود الى صناديقهم «

بقلم /براهيم زدور

ترجمة/جناح مسعود

كان شعار الانديجاندوس (Indignados) خلال مظاهرات بويرتا ديل سول في مدريد في 15 ماي 2011» نحن مثل الأقزام جاثمون على أكتاف العمالقة (القدامى) يمكننا أن نرى الكثير من الأشياء وعلى مسافة بعيدة أكثر مما يستطيعون رؤيته وذلك ليس لأن نظرتنا ستكون قوية وقامتنا عالية ولكن لأننا محمولون وأكثر ارتفاعا من طول قامة العمالقة) برنارد دو شارتر.

      

جذور معركة

تحدث حسين آيت أحمد في رسالة موجهة للجزائريين في 22 مارس 2011، عن وصيته السياسية تحت عنوان استحضاري بامتياز» من أجل بديل ديمقراطي وسلمي « في معاينة صارخة:» خمسون سنة بعد اعلان الاستقلال الوطني، ها نحن في مواجهة الغيابات نفسها : غياب دولة القانون، غياب حياة سياسية، غياب دستور جدير بهذه التسمية، غياب مؤسسات شرعية قادرة على حماية الشعب في بلد التجاوزات وضمان حقه في العيش في كنف الحرية والكرامة «.

لقد تم التطرق الى أصل الشر في بيان جبهة القوى الاشتراكية في 29 سبتمبر 1963: »لجأ الماسكون للسلطة الى الأساليب الاستعمارية في الفساد والتهديدات الأكثر دناءة وبشاعة قصد إسكات وتزوير الارادة الشعبية «. لقد ألح آيت أحمد على أنه لمواجهة الأنظمة المفترسة وغير الشعبية وغير الكفؤة بقوة، يجب أن يكون للشعوب الحق في أن تكون لها حقوق وأن الشعب الجزائري مدعو من أجل التحكم في مصيره الى فرض اصلاح مؤسسي والتعبير بوضوح عن البناء السياسي البديل لطريق الغموض والعنف.  

إن مما لا شك فيه أن» الذين يشاركون في اعداد هذا المسار سيكونون من أوائل الجزائريين الأحرار حقا والذين ذهبوا قبل ذلك، لن يكونوا قد كافحوا من أجل لا شيء.

وبعيدا عن جميع أشكال الانهزامية، الأبوية والديماغوجية، لم يتوان يوما في ربط الأمل بالمسؤولية الجماعية للجزائريين مشيرا في الوقت نفسه الى التضامن بين الأجيال، كما لم ييأس اطلاقا في رؤية بروز نخب جديدة في مستوى تحديات البلاد.

إنه الرجل الذي لم يكن يميل لجميع اشكال المحاكاة والخضوع والذي يجب أن يتردد صدى مساره في آذاننا على وقع هذه الكلمات لـ زرادشت: » لا نملك سوى القليل من الاعتراف للمعلم عندما نبقى دوما طلابا «.

ففي كثير من الأحيان، يتفوق التلميذ على المعلم ولكي يكون ذلك المسار ممكنا، فإنه من الضروري أن يتمكن المواطنون من الوصول إلى حقيقة الطريق المؤدي الى جانب الحرية نحو تأسيس أمة وبناء دولة حديثة قادرة على قيادة التنمية والاندماج بسلاسة في نظام العلاقات الدولية.

كانت حرب التحرير شديدة التعقيد مما أدى ببعض العقول الى التساؤل عن امكانية وجود طرق أخرى مؤدية نحو الاستقلال.  فقد عمدت القوة الاستعمارية منذ بداية الثورة الى اعتماد» استراتيجية الحرب الخاطفة والدائمة «، من أجل ضرب جميع قدرات مقاومة الشعب الجزائري في العمق، الأمر الذي خلق اشكالات لبعض أساليب الثورة.

لقد سعت الدعاية الاستعمارية لبلورة الرأي العام حول طابع الاشكالية: القيام بتحويل الانتباه عن المشكلة الحقيقية التي كانت تتمثل في الاستعمار، ذلك ما يذكره فولتير في قوله المأثور:» أولئك الذين يمكنهم أن يجعلوك تؤمن بالسخافات يمكنهم أن يجعلوك ترتكب فظائع «.

وبالفعل، لقد هيمن الفكر المتناقض والظلامي والعدمي على الأعمال الفكرية من خلال الإصرار على تفسير المجهول بشيء أقل شهرة والظلام بشيء أكثر غموضا بطريقة من شأنها التقليل من تأثير الاستعمار والقضاء على المقاومة في الممارسة الاجتماعية.

وبالسير على خطى حسين آيت أحمد، نصل الى إلقاء الضوء الكافي حول مصادر الفوضى، حيث نجد دولة ما بعد الاستعمار ليست سوى هزة ارتدادية أو نسخة طبق الأصل لدولة المعمرين (الكولون)، جعلت مسار التحرر غير مكتمل معيقة بذلك فرص الانعتاق بشكل خطير جدا.

ولقمع النضال التحرري للشعب الجزائري، خاضت فرنسا ضده حرب إبادة جعلت جان بول سارتر يقول: » وجب القول أن الفرح ليس مناسبا: فمنذ سبع سنوات و فرنسا كلب مسعور يجر قدر في ذيله  يعيش الرعب اكثر كل يوم جراء الرنين الذي يصدره . فلا أحد يجهل اليوم أننا دمرنا وجوعنا وذبحنا شعبا فقيرا من اجل تركيعه ولكنه بقي واقفا ولكن بأي ثمن! «

وكان الثمن باهظا كما يذكر بذلك حسين آيت أحمد:» لقد كان الذين هتفوا سبع سنين بركات في 1962 على حق في التعبير عن سخطهم وسقف معاناتهم والدماء التي سالت ورفضهم للانقسامات وخوفهم من حروب الانفصال، غير أنهم لم يكونوا على صواب سياسيا.

اخطؤوا في تصور حل الخلافات العميقة بتبادل العناق، اخطؤوا في تصور وعود الوحدة والوفاء لمبادئ الثورة يمكن أن يكتفي بالخطابات. اخطؤوا في تصور أن الدستور ليس سوى مجرد وثيقة بدون انعكاسات.

اخطؤوا في تصور أن استقلال أمة وسيادة شعب ينحصران في صفحة دامية يمكن طيها بسرعة.

لكنهم كانوا على حق ألف مرة للتأكيد بصوت عال وقوي أن هذا الشعب دفع ثمنا غاليا من دمه.    

لقد انتهت حرب الإبادة تلك الى المساس بالوظائف الحيوية للشعب الجزائري في التحول الى أمة وبناء دولة فعالة والأسوأ من ذلك، ظهور دولة ما بعد الاستعمار على أنقاض الدولة الاستعمارية كخطر حقيقي على المستقبل الجماعي للشعب الجزائري، ترتب عنها القضاء على قدرات التقدم والتماسك.

لقد اكتسح التفكير المتناقض الساحة وترتب عن غياب المنطق ميلاد ظواهر غريبة، يقول فرانسيسكو دي غويا، وبالنسبة للكثيرين، أصبحت الاستقالة ملجأ إذ يحاولون اقناع أنفسهم أن الكل لا يقوى على كل شيء كما يقولون، الأمر الذي يعني باللغة العصرية: جميعنا كما نحن، لا يمكننا القيام بكل شيء أو بعبارة أخرى: لا أحد يملك القدرة على النجاح في كل شيء. إن لهذه المقولة للشاعر فرجيل معنى أكثر تبسيطا: لاحظ الشاعر بعد أن غنى أنه لم يستطع اغراء الجمهور وهكذا ختم بالقول » نفعل ما نستطيع «. وقد قمنا بالقليل وبقدر أقل من السوء.

إنها سيادة الإرادة غير المعلنة» … إذ لا يزال هذا النظام مناوئا لإقامة دولة القانون «يلاحظ آيت أحمد في مقابلة له في مارس 2000، الذي نأى بنفسه عن التفكير اللين والمتناقض الذي يقبل بسلطة ما بعد الاستعمار كأداة للسيطرة على المجتمع.  وهكذا نجد آليات القهر والظلم هي مصدر الفوضى في دولة ما بعد الاستعمار، في حين لم يكن الاستقلال يعني اطلاقا نهاية معارضة اضطهاد دولة ما بعد الاستعمار والاستعمار الجديد والظلامية.

فهناك أيضا تواطؤ ثقافي وبسيكولوجي ضمن الثنائي ما بعد الاستعمار والاستعمار الجديد يعمل على تشجيع التفكير المتناقض وفتح الطريق أمام الإرادة غير المعلنة.

إن نظرة مالك بن نبي، المقاوم الكبير للفكر المتناقض، نظرة واضحة مفادها وجود سلطة موازية الى جانب السلطة الرسمية، تقوم بتحييدها وتستخدم أحيانا ختمها وتوقيعها «.

لقد وجد الكلمات الأكثر اتساقا في تتبعه للآليات الخفية للإرادة غير المعلنة والتي صبها في رسالة بعث بها الى الرئيس بومدين في 1968:» في ذلك اليوم في خطابكم بنادي الصنوبر، تحدثتم عن الحركى الذين تركهم الاستعمار في الجزائر عند انسحابه. لقد أشرتم أيضا الى العمل الهدام الذي يقوم به أولئك الحركى ضد الحياة الوطنية في جميع المجالات.

اسمحوا لي أن أضيف فقط نقطتين سمحت لي بهما تجربتي الشخصية اكتسابهما منذ عودتي إلى الجزائر. أولئك الحركى لا يمثلون ببساطة مجموعة من الأفراد يتوزعون في جميع أنحاء البلاد أو في مفاصل الدولة بطريقة عفوية، بل يمثلون بدلا من ذلك نظاما مؤطرا بشكل محكم تماما من طرف الفكر العالي الأجنبي الذي يستخدمهم في مهام مخططة بإحكام.

 إنهم يشكلون في الواقع بفضل هذا الفكر التوجيهي، سلطة حقيقية موازية في البلاد.

وبطبيعة الحال، لست على دراية بعمل هذه السلطة الموازية في جميع مجالات الحياة الوطنية، ولكني بالتأكيد أكثر اطلاعا على تقنياتها في مجال العمل الفكري الذي تندرج ضمنه على وجه التحديد أعمالي الشخصية … «

فمن التحرر من الاستعمار إلى التحرر من الدكتاتورية، يقول آيت أحمد إن » المعركة من أجل الاستقلال الوطني والمعركة من أجل الديمقراطية غير قابلتين للتجزئة«.

ويبيّن المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي كريستوفر لاش، في كتابه الأخير » ثورة النخب وخيانة الديمقراطية « أن الديمقراطية مهددة من طرف أولئك الذين  يوجدون في أعلى التسلسل الهرمي. ويرد عزلة النخب إلى حقيقة فقدان الأيديولوجيات لكل اتصال مع اهتمامات المواطنين العاديين.

ويخلص لاش الى القول:» إن الاختفاء شبه الكلي والعفوي لجميع أشكال الجمعيات الشعبية لا يدمر الرغبة في الجمعيات، فالاقتلاع من الجذور يقتلع كل شيء ما عدا الحاجة إلى الجذور «.

فهل لا يزال هذا المنظور ممكنا اليوم في الجزائر؟ هذا البلد حيث كل شيء يسير نحو الأسوأ، فكيف يمكن التطلع نحو الأفضل؟ لقد غادر آيت أحمد في حالة قلق على المستقبل القريب للبلاد وأوصى تحت تأثير المتطلبات، بالاحتفاظ بالحماس لمواصلة المعركة من أجل الحرية من خلال تحفيز الوعي والالتزام بالمبادئ الرئيسة.

 

*   الوزن الرمزي

» تذكروا عندما تغادروا هذه الدنيا، لن تأخذوا شيئا مما تلقيتم – فقط ما قدمتموه «. يقول القديس فرنسوا داسيز. لقد اختفى حسين آيت أحمد مثلما عاش دوما: وزن رمزي كبير.

لقد توفي عشية المولد النبوي، العيد الذي يحتفل به الجزائريون بالتضامن والشراكة.

فكيف نقدم أهم شيء عن رجل انتقل في حياته الى سلف؟

ففي هذا اليوم الجمعة الأول من جانفي 2016، رافقه حشد كبير رافقته إلى مثواه الأخير حيث يستريح كآخر المحاربين من أجل الحرية والكرامة، بعيدا عن زيف الجنازات الرسمية، لقد خاض هذا الرجل معركة يفترض ألا تتوقف أبدا حتى يتم التحرر الكامل من جميع أشكال العبودية، لكنها قد تتوقف لسوء الحظ بسبب عدم وجود محاربين.

وسيبقى التأثر الشعبي الكبير الانطباع الرئيس لجنازة حسين آيت أحمد، مثل ذلك اليتيم الذي يبكي موت أب لم يعرفه أبدا. لقد بكى الشعب الجزائري في آيت أحمد الزعيم الذي طالما أحبه ولم يتمكن من رؤيته إلا نادرا.

ومما لا شك فيه أن آيت أحمد كان بالإمكان أن يدفن في أي ركن من الجزائر، وكانت جنازته تثير الورع نفسه. وتلبية لإرادته، يرقد في قرية مسقط رأسه لدى أهله وفقا لطقوس أسلافه.

وهكذا اكتشف العالم، أث يحيى، إحدى القرى التي لا تحصى في الجزائر العميقة التي تناستها التنمية لسبب بسيط كونها لا تقع على الطريق الذي يغري الرسميين.

غير أن يوم الجمعة كان ملائما وسمح لجميع الشعب الجزائري من التواصل مع زعيمه.

 فقد اقيمت صلاة الجنازة في جميع مساجد البلاد التي انطلقت منها ملايين الأدعية والابتهالات في ذكرى معركته.

وكانت أيضا فترة الاحتفال بـ يناير، النسخ العربي لــ يانوريوس، شهر يانوس، الإله الروماني ذو الوجهين، الذي ينظر في الآن نفسه للماضي والمستقبل.

لقد ولىّ العالم الذي انحدر منه آيت أحمد والذي ينحدر منه أمثاله.

لقد كان ذلك الوقت المبارك حيث اجتمعت التربية الأسرية والتعليم التقليدي والحركة الوطنية في مسار جتمعة من شأنه تفريخ المواهب.

وتستمد سيرة حسين آيت أحمد مصدرها من هذا المسار، مسار غني لا محالة بوقائع السلاح ولكن وقبل كل شيء مليء بالرمزية.

فلم يتوقف طوال حياته على اضفاء السكينة وبعد النظر في النقاش السياسي.

كان يطرح أفكاره للنقاش والمناقشة والمواجهة مع أفكار أخرى، أما اليوم، فقد أصبح النقاش العام ينحصر في مشهد بائس لتفريغ الأحشاء من خلال وسائل الإعلام.

وفي سن التاسع عشرة بالكاد، وفي السابع عشر من ماي 1945 ، سجل دخوله المزدوج في التاريخ كما في الحياة حيث أقسم في تيزي وزو على تكريس حياته لخدمة الجزائر.

 ويشهد البروفيسور سعيد شيبان الذي قرأ الفاتحة على جثمانه بمقر جبهة القوى الاشتراكية  بالجزائر ، ورفيقه في ثانوية بن عكنون  والشاهد على قسم تيزي وزو ، أن حسين آيت أحمد قد التزم بالعهد الذي قطعه على نفسه وهو ما يعتبر ترجمة للآية 23  من سورة الأحزاب : » منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ  فَمِنْهُم مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ  وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا « .

لقد دعي الى محاضرة للطلبة بجامعة القاهرة بعد وصوله بقليل الى مصر في 1952، ليقدم نفسه للحضور كما جرت العادة وحيث كان عليه أن يكشف عن هويته والكلية التي تخرج منها: »كلية الكفاح «(كلية معركة التحرر).

إن حياة المحارب لا تخلو من الالتزامات الاجتماعية، ففي منفاهم المصري قرر رفاق الكفاح محمد خيضر وحسين آيت احمد، الزواج من شقيقتين في الرحم هما زهرة وجميلة.

وكان لهاتين البنتين الجزائريتين الموطن الكثير من الاعتزاز لامحالة لقبولهما الزواج من محاربين مع كل العقبات التي ينطوي عليها هذا النمط من الحياة: المنفى، الهشاشة، المخاوف، الخطر، نشاهدهما في الصورة التذكارية في نوفمبر1958 مع زوجات مسؤولين آخرين في الثورة محاطين برئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية فرحات عباس.

ففي إهداء مذكراته كمقاوم، لم ينس » النساء الجزائريات حارسات الثقافة الشعبية اللائي أهمل دورهن الرئيس في تكريس الشخصية الجزائرية والمقاومة «

لقد جرى حفل الزفاف في بيت أحد الأصدقاء في حي جاردن سيتي، الذي يمتد على طول الضفة اليمنى لنهر النيل، الحفل الذي دعي إليه أساسا أعضاء مكتب المغرب العربي.  لقد لقد رفض المأذون الشرعي المكلف بعقود الزواج تنفيذ الاجراء على أساس كون الزوجين من أصل أجنبي وعندها تدخل زعيم حزب الاستقلال المغربي، علال الفاسي الذي اقترح تولي مراسيم الزواج وفق المذهب المالكي المغاربي وهكذا تحول حفل الزفاف إلى حفل للمغرب العربي المكافح، الموحد والمتضامن.

 إن عيش لحظات بمثل هذه الكثافة من شأنه أن يساعد على صقل شخصيات مهيأة لمواعيد كبري مع التاريخ. كانت الأحداث غداة الاستقلال لا تبشر بالخير، أحداث واجهها آيت أحمد باستخدام كافة الوسائل: النقاش المتناقض، الرفض، رفض التساهل، الاستقالة من مهامه الرسمية والتحول إلى المعارضة.

 لكن لا شيء تم، وكان عليه الالتحاق بالجبال، لكن ليس من منطلق الثورة ولكن من منطلق الفروسية العزيزة على طبقة السادة المغاريين في قمع الغوغاء.

لقد كشف الاستيلاء على السلطة بالفعل عن عملية إذلال ثلاثية ولدت من اتحاد ضد الطبيعة بين أحمد بن بلة، محمد خيضر وهواري بومدين ونحن نعلم كيف تفككت تلك المجموعة بسرعة.

 لقد كان خضير، الحلقة الضعيفة أول المغادرين، وبين بن بلة وبومدين، اشتد الصراع الخفي وأتخذ شكل صراع المصارعين الرومانيين حيث تعني الخسارة الهلاك. لكننا نعرف أقل عن كيف أعدت قوات خفية وعدائية لهذا الاذلال الذي كان في الواقع عملية مصادرة كبيرة.

وفي هذا الصدد، كتب آيت أحمد لاحقا في 22 مارس 2011: » لقد أدت النضالات ضد الاستعمار الى تحرر غير مكتمل، فالحرية المكتسبة بالنضالات الكبيرة من طرف الشعوب لم تسجل في مدونات ومؤسسات ونصوص كفيلة بوضعها في مأمن من القوى المعادية لانعتاق الشعوب والمجتمعات والأفراد. إنه الجزء المصادر من الديمقراطية والحرية والسيادة والمواطنة والعدالة والمساواة أمام القانون في بناء دولة قانون حقيقية، الأمر الذي كدّر الفترة التي اعقبت الاستقلال.

إنه هذا الجزء من الحرية المصادرة الذي يعود بشكل دوري، محمولا من طرف الأجيال الجديدة للتأكيد بصوت عال وقوي، أنه بدون حرية الأفراد والشعوب ليس هناك استقلال ولا سيادة وطنية ولا تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية «….

وغداة اعتقاله، عنونت الجزائر الجمهورية في عددها الصادر في 17 أكتوبر 1964 صفحتها الأولى كالتالي: » الجيش الوطني الشعبي يلقي القبض على الخائن آيت أحمد « ، الأمر الذي يعطي الانطباع التام تجاه اذلال بلد أصبح منذ ذلك يسير على رأسه.  

فلم يتوان مفدي زكريا من منفاه في تونس في كتابة رسالة الى الرئيس بن بلة بتاريخ 17 ماي 1965 بكل حساسية وبلاغة وبصيرة شاعرة الثورة، لافتا نظر بن بلة الى عواقب الاذلال واثاره المدمرة التي لا تجعل العيش يصلح في الجزائر.

وبعد 23 عاما من المنفى، عاد آيت احمد الى البلاد في ديسمبر 1989، في يوم انعقاد المؤتمر التأسيسي لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.

اختار هذا التاريخ عمدا قصد افشال المناورات الخسيسة لسلطة جاهلة في تسيير المرحلة الانتقالية بالفتنة. وكان استخدام حزب التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية من طرف السلطة يهدف الى الزج به في طريق معارضة المعارضة، وخاصة المعارضة في حزب جبهة القوى الاشتراكية وآيت أحمد على الخصوص.  وكان الجزائريون يعيشون حالة من الترويع جراء كثافة تلك العدوانية ضد أحمد آيت حيث كانوا يمسون بسمعته وشرفه بدلا من النقاش السياسي.

لقد ذكّر آيت أحمد في رسالته إلى المجلس الوطني لجبهة القوى الاشتراكية، المجتمع في الجزائر في2 مارس 2012:

» ليس لدينا أية دروس نتلقاها سواء من أولئك الذين يريدون أن يعلمونا كيف ندافع عن مسارنا الذين لا يملكونه ولا من الذين لا يعني الالتزام عندهم سوى التناوب على الخيانة ، خيانة قضية ثم أخرى بلا مسؤولية سياسية والافراط اللفظي والكذب كثوابت وحيدة.

لقد تعلمنا من ممارسات البشر، تحديد واختيار أولئك الذين يروقون لنا كرفاق وكإخوة وكأصدقاء وأولئك الذين لا يروقون لنا في أي من هذه العناوين لكننا ندعمهم لأنهم بالرغم من كل شيء هم مواطنون«.

لقد سمحت عودة آيت أحمد الى البلاد من عرض أفضل لأفكاره في المجتمع الجزائري.

فقد كانت أسس برنامجه تتمثل في إعادة بناء الهيكل المؤسسي من خلال الانتقال إلى نظام سياسي ديمقراطي جديد على أساس السيادة الشعبية وبكلمة واحدة احترام المساواة والشرعية.

وخلال تجمع حاشد في وهران أثناء الحملة للانتخابات التشريعية لـ 1991، بدأ خطابه بالتطرق لذكرى صديقه الشهيد قاسم زدور، الذي تحدث عنه بتأثر كبير في الجزء الأول من مذكراته كمقاوم.

 لقد كانت فرصة بالنسبة له للتذكير بالبعد الإنساني للرجل السياسي وقدرته على إحياء الذاكرة والصداقة. ففي جميع تنقلاته، كان يرفض بشكل قاطع استخدام الطائرة الرسمية والقاعة الشرفية. فقد كان يحتقر تلك الامتيازات الصغيرة التي أصبحت من السمات الأساسية للدناءة عند المسؤولين الجزائريين.

كما لم يتردد في وصف الغاء المسار الانتخابي لـ جانفي 1992 بالانقلاب، و لم يتأخر كذلك في رفض اقتراح الجيش لتوليه الرئاسة الانتقالية ولم يتوقف أيضا عن الشرح والتذكير من أن البلاد في حاجة أكثر لدولة القانون وليس لحالة الطوارئ.

وخلال الانتخابات الرئاسية لعام 1999، وبعد العديد من المفاوضات، قررت الإدارة أخيرا إعفاءه من تقديم الشهادة البلدية التي يشترطها القانون على جميع المرشحين. فلم يكن آيت أحمد يملك تلك الشهادة ولم يفكر اطلاقا في الحصول عليها. إنها واحدة من أكبر انحرافات الثورة، حيث تم التأسيس لثقافة الارتزاق من أجل إلغاء الحدود التي كانت ستفصل المجاهدين الحقيقيين عن المزيفين.

  • التكفير عن الخطيئة الأصلية

ويبقى الرمز الأقوى في هذا المسار المرموق لا محالة، هو ترحّم حسين آيت أحمد على ضريح الحاج مصالي في عام 1991.  لقد كان يريد أن يكون في حل من خطأ يعتبره الخطيئة الأصلية، كنتيجة تساهل التسوية التي كشفت عن وجود خلل في التصنيع كان من شأنه تحويل الحركة الوطنية عن مسارها وإفشال بناء الدولة الوطنية.

وبخصوص مصالي بقي آيت أحمد عند انطباعاته الأولى ويتذكر: » إن الذكرى التي احتفظ بها من لقائي  مع إيميلي  وسيد الحاج لدى العودة من المنفى الذي كان بالنسبة لي بالكاد خرج من مرحلة المراهقة أكثر من اسطورة ، شخصية رائعة ، لا تزال أحد أقوى الأوقات في ذاكرتي « .

فلم يتوقف على اعتبار مصالي زعيما كبيرا» وضع رؤيته ونضالاته خارج الأصولية القومية، كجزائري ولكن على حد سواء كرفيق أممي للعمال الفرنسيين وكإفريقي سليل العبيد وكإنسان بكل بساطة «.

 وأثنى حسين آيت أحمد على » الحداثة عند مصالي التي استطاعت التكيف مع احترام التقاليد، حداثة وجودية عاشها جنبا إلى جنب في جو من التفاعل وليس مجرد اسقاط بدون تأثير على العقليات والسلوك «.

وبناء على تعليمات من مصالي، استقر آيت أحمد في القاهرة.  ويروي في مذكراته كمقاوم وصوله يوم أول ماي 1952 الى مصر.

» كان مطار القاهرة يستحم في التوهج الأحمر لغروب الشمس، وأنا أنزل من الطائرة كان لدي انطباع أنني أدخل في فرن وفي الوقت نفسه شعرت بالفرح الممزوج باللاواقعية وكأن المعطف الثقيل الذي يغطيني توقف في الزمن، وفي ظرف ثانية واحدة شعرت أن العالم من حولي في حالة عدم الوزن.

كان في استقبالي ثلاثة من الرفاق: شادلي مكي، مندوب حزب الشعب الجزائري في القاهرة منذ عام 1945، محمد خيضر، النائب السابق للجزائر العاصمة، قاسم زيدون، طالب ينحدر من وهران، كان يحضر لشهادة الليسانس في الأدب في الكلية المسماة عن جدارة دار العلوم التابعة لجامعة القاهرة.  ومن بين جميع الشخصيات التي ستصنعها الأحداث على الساحة في القاهرة، كان زيدون هو أول المختفين في ظروف مأساوية غداة الفاتح من نوفمبر 1954، يوم اندلاع حرب التحرير.

    لكن لا زلنا بعد في الأول من ماي 1952.  وكان طريق الثورة يفتح أمامنا وسيكون مزروعا

   بالمكائد – فدية ظروفنا البشرية وسيكون أيضا مدعوما بالآمال التي يعلقها شعب يناضل من

   أجل استقلاله. غدا، سوف أخذ مكاني في مكتب المغرب العربي «.

في ذلك الوقت، كانت القاهرة تعرف حالة غليان كبيرة حيث كانت حركة الضباط الأحرار بصدد الإعداد لثورتها. وفي المقابل كانت هناك حالة غليان أخرى مختلفة داخل حركة تحرير المغرب العربي التي جعلت من القاهرة عاصمة لها. ويعود الفضل في ذلك إلى عبد الرحمن عزام، الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي لا يعرف الكلل، والذي استطاع ادخال حركات التحرر المغاربية بصفة مراقب في المنظمة الإقليمية من خلال مكتب المغرب العربي.

ومع احترام تنوعها، لم يتوقف عن دعوتها إلى التشاور والوحدة والتآزر في الكفاح ضد عدوها المشترك المتمثل في الاستعمار الفرنسي.  وتكمن مقاربته البيداغوجية في مخاطبة حركات التحرر المغاربية في صيغة هو نفسه من وضعها:» الاتحاد ضروري، ساعة العمل تقترب، الجو يميل للصفاء. شجاعة يوم أكثر خصوبة من الانتظار ألف سنة «.

والى جانب وضع الامكانات اللوجستية للجامعة تحت تصرفها، لم يتوقف عزام عن دفع حركات التحرر للتغلب على انقسامات الأجيال الإيديولوجية والثقافية والإقليمية والدخول في كفاح مسلح وفق المثل المغاربية من منظور خلق فضاء مغاربي عندما يتحقق هدف الاستقلال.

لقد اكتسب عزام أفكاره الثورية من أحمد شريف السنوسي الذي قاد المقاومة الليبية ضد الجيش الإيطالي، أجبر على مغادرة البلاد في عام 1918، وسنرى تلميذه عمر المختار يخلفه في الكفاح.

ويعتبر أحمد شريف بلا منازع القائد الأكثر تمثيلا لعائلة السنوسي. شارك في الكفاح ضد الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين في ليبيا وتشاد والسودان ومصر.  وسنراه نشيطا جدا على المسرح الشرقي خلال الحرب العالمية الأولى.

كان محل اعجاب عمر المختار، أنور باشا، مصطفى كمال، شكيب أرسلان، عبد الرحمن عزام وغيرهم كثير، بذل جهودا دبلوماسية كبيرة من أجل احتواء الآثار المترتبة على تفكيك الإمبراطورية العثمانية. وبقي محايدا على الرغم من الطلبات العديدة في الخلافات التي ظهرت بين خليفة الأستانا، أنور باشا في القوقاز ومصطفى كمال أتاتورك في الأناضول.

في 21 أكتوبر 1926، تمكن من إبرام معاهدة بين حسن بن علي أمير ميخلاف السليمامي والملك السعودي عبد العزيز آل سعود، اللذان وضعا حد لنزاع لا لزوم له وحافظا على الإمارة كمنطقة عازلة بين المملكة العربية السعودية واليمن.

وفي 1934، أي بعد مرور عام على وفاة أحمد شريف، قرر الملك عبد العزيز آل سعود ضم الإمارة إلى أراضي المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يلقي الضوء من جديد على الحرب التي تجري اليوم في اليمن بقيادة السعوديين.

وتنحدر عائلة السنوسي من مستغانم، عائلة جعلت نفسها وريثة لعقيدة التحرير لآل القرمانلي نسبة للحاكم أحمد القرمانلي الذي استطاع ابتداء من 1710 توحيد المقاطعات الثلاث لطرابلس، برقة وفزان، واضعا بذلك ليبيا على طريق الاستقلال الوطني. وافق سلطان القسطنطينية على طلب مملكة القرمانلية على ترقية الأراضي الموحدة الى إمارة وراثية كما هو حال الحسينيين في تونس ومحمد علي في مصر.

لكن وتحت ضغط مدبر من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تخلص الباب العالي من عائلة القرمانلي واخضع ليبيا لإدارته المباشرة في عام 1835. أسس سعيد محمد بن علي سنوسي،

شيخ زاوية دينية في واحة جحبوب مدرسة سياسية -دينية للقيام بالوعظ الذي فشل فيه آل القرمانلي عن طريق السياسة.

 طور عزام المدعوم بهذه التجربة، عقيدة التحرير لدى البلدان الاعضاء في الجامعة العربية وحركات التحرر: التحرير، الانعتاق، توحيد الشعوب العربية، ولسوء الحظ ستفشل هذه العقيدة جراء ارادة الهيمنة مع وصول الضباط الاحرار الى السلطة في مصر.

وكانت أولى اجراءات الضباط في السلطة اقالة عبد الرحمان عزام وتعويضه بـ عبد الخالق حسونة الذي تم اختراق ديوانه من طرف اعوان المخابرات.

وفي مارس 1954، عرف النظام العسكري أكبر أزماته التي اتخذت شكل صراع على السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر. وفي الواقع، كانت الأزمة أكثر عمقا، كونها كانت بين اتجاهين متعارضين تماما حول المستقبل السياسي والمؤسسي للبلاد. فلم يكن بعض أعضاء القيادة العسكرية من المتعطشين للسلطة يريدون البتة احترام التزامات الحركة المتمثلة في دمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية ونقل السلطة للمدنيين من خلال تنظيم انتخابات. وبسبب هذه الترددات منذ البداية، عانى النظام من عزلة دبلوماسية ثقيلة على نحو متزايد. وأخيرا، ساد خيار الحكم العسكري واستيلاء المجلس العسكري على السلطة، وإنهاء وجود جميع الاحزاب والجمعيات.

ففي تلك الأثناء ظهرت على الساحة شخصية تروث عكاشة الذي كان يعتبر» ركيزة الثقافة

الناصرية «الرجل الأكثر ثقافة في مجموعة الضباط. لقد تمكن من الغاء دور يوسف صديق، بسبب معارضته للأساليب القمعية للعسكريين ولحقيقة رغبته في تزويد البلاد بمؤسسات جمهورية وديمقراطية.

فقد عين من 1953-1956، في منصب ملحق عسكري في باريس.

كتب إلى ناصر أنه من الممكن الالتفاف حول العزلة الدبلوماسية للنظام من خلال تطوير التعاون بين أجهزة المخابرات. وافق عبد الناصر على الفكرة وردت المصالح الفرنسية بالإيجاب ولكنها اقترحت تعاونا حول حركات التحرر المغاربية. وهكذا سيخضع مصير هذه الحركات المنخرطة جدا في مسار ثوري للتحرير إلى حد كبير وبشكل مأساوي للتفاهم الفرنسي-المصري.

 ويروي اللواء محمد نجيب في مذكراته، أجواء الانقلابات، أي هيجان الفاعلين وجنونهم   الذي أحاط بهم: الاقصاء، التطهير والتعذيب والسجن والتصفيات:

» لقد ظهرت مباشرة بعد بدء الثورة، الجماعات الضاغطة داخل وخارج القيادة ، فليس هناك شك في أن جمال عبد الناصر كان الأكثر تأثيرا في مجلس الثورة، وعندما ساعده الآخرون على التخلص مني، انقلب عليهم وتخلص منهم الواحد بعد الآخر.

وتكمن قوة شخصية عبد الناصر في قدرته على التكيف والتغيّر وفقا للظروف. وهكذا إذن يمكن أن يكون مع الشيوعيين أحيانا وتارة أخرى مع الإخوان المسلمين وعشرات المرات ضد الجميع وضد نفسه.

. لقد خلصتهم من الملك فاروق، وخلصهم سليمان حافظ، القاضي ووزير الداخلية في ذلك الوقت من كبار رجالات السياسة والأحزاب، فقد خلصهم يوسف صديق بنفسه وخلّصه ضباط المدفعية من عبد المنعم أمين، وخلّصه ضباط سلاح الفرسان من خالد محي الدين ثم تخلصوا مني وتخلص عبد الناصر من معظمهم وبقي مع عبد الحكيم عامر، أنور السادات وحسين الشافعي. وعندئذ تخلص اليهود من عبد الناصر وعامر خلال حرب يونيو 1967. أما حسين الشافعي، فقد تخلص من اعدائهم وانزوى في منزله. فلم يسلم من جميع ضباط الثورة سوى أنور السادات الذي كان يعرف عنه مكر الفلاح المصري في تجنب الخصوم والعواصف.

 لقد كان يعطي الانطباع على موافقته على كل شيء وهو موقف لا يعني موافقته او رفضه بل بالأحرى انتهازيته والبقاء بالمرصاد في انتظار الظروف المواتية. «

وسيبدو هذا الانفصام المؤسسي ساما للغاية وكارثة على الأنظمة السياسية وتسميما للمستقبل

 الجماعي لشعب مصر وجميع الدول التي اتبعت هذا المثال. وهكذا قلصوا الى درجة الاحتضار أحزاب حقوق الإنسان وأمم الرجال الأحرار. وهكذا أيضا منعوا جميع أشكال التقدم الطوعي. وجرى اعتبار الجيش دعامة للهيكل المؤسسي» الضامن للنظام الجديد «ليتحول في الأخير إلى قوة عازلة بين النظام والشعب.

وستدخل شخصية ثانية المشهد، المندفع فتحي الديب، الذي جاء تعيينه في ذلك الشهر المصيري مارس 1954. وتتمثل مهمته لحساب النظام المصري في تسيير مكتب المغرب العربي وفقا للخطوط المتفق عليها بين مصالح المخابرات المصرية والفرنسية.

وعن الجانب الجزائري، كانت التحضيرات على قدم وساق، اندماج آيت أحمد الكامل مع الفاعلين في حركة التحرر وقيامه بنشاط كبير. وسوف يكون ضمن النواة الصلبة التي تتولى التحضير لاندلاع حرب التحرير. وبالمثل سيعيش التمزقات التي ستؤثر تأثيرا خطيرا على الحركة الوطنية بمناسبة الأول من نوفمبر 1954 على وجه التحديد والذي حدد تاريخه ابتداء من جويلية 1954. وكانت الاتصالات بين الجزائر وفرنسا ومصر مكثفة بهدف وضع الهياكل السقالة للتنظيم والتنسيق التي من شأنها اعطاء دينامية للعمليات العسكرية وتجاوز هزائم المنظمة السرية. بيد أن إنشاء حزب جديد لم يكن موضوع الساعة من منظور كون الهدف   الأساسي يكمن في هيكلة جيش التحرير.

وتعتبر مذكرات فتحي الديب فيما لم تقله، مؤشرا على نظرة النظام العسكري لحركات التحرر المغاربية بشكل عام، وحرب التحرير الجزائرية بوجه خاص. أنموذج مثالي للشغف والاستحواذ والطاعة ورجل المهمات القذرة، إذ يبدأ بالتذكير أن كتابة مذكراته تمت تنفيذا لتعليمات عبد الناصر المعجب به بلا حدود. ومثل أي مؤرخ رسمي، بدأ يزجل الثناء لرئيسه الى درجة نسب أبوية حرب التحرير الوطني إليه، بسب التشابه حسبه بين الثورتين المصرية والجزائرية. وهكذا فإن حركة 23 يوليو، أصبحت الفعل المؤسس لحركات التحرر في الدول العربية. فمن مكلف بتسيير الدعم المالي والمادي للثورة الجزائرية، انتهى به المطاف الى الشعور بكونه الرجل الذي لا مفر منه، خلق مناخا من التوتر وذلك باستخدام الأبوية والابتزاز والرشوة والذهاب الى غاية الصراع مع رئيس المخابرات صلاح نصر.

ومن جميع وجهات النظر، فإن مذكرات توفيق الشاوي هي الأكثر إثارة للاهتمام من السرد المادح لـ فتحي الديب. لقد كان يتردد باستمرار على الفاعلين الأساسيين في حركات التحرر المغاربية غداة الحرب العالمية الثانية، ونقل بأمانة الواقع المغاربي المثالي الذي سبق هيكلة النضالات ضد الاستعمار. ويروي الأحداث التي تحطم من خلالها ذلك المثال وكذا التضامن الفعال الذي أوجدته بين المشرق والمغرب العربي. وبالقدر نفسه ينتظر صدور مذكرات الهاشمي الطود، رفيق عبد الكريم الخطابي، الذي أخد معه أسرار جيش تحرير المغرب العربي.

ويبقى مجمع المؤرخين والرأي العام ينتظر من السلطات المصرية قرار رفع السرية عن أرشيف الثورة الذي تحتجزه الرئاسة وهو ما يعطي فكرة عن مدى حساسية هذه الوثائق أي الى أية درجة يسهم الدخول بقوة الى هذا الأرشيف في رفع الستار على حقيقة تاريخ حرب التحرير الوطني في دراسة الموضوع الذي يهمنا اليوم والمتمثل في إعادة تمثيل الخطيئة الأصلية.

فلا أحد يمكنه انكار مساعدة مصر للثورة الجزائرية: السلاح، التبرعات للسكان اللاجئين في تونس والمغرب، تدريب الضباط والمقاتلين والممرضات، وسائل الإعلام من خلال» صوت العرب «التكفل بالمسؤولين في الخارج، ايواء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، القاهرة نقطة ارتكاز دولية للثورة الجزائرية، غير أنه لا يزال من غير الواضح أن هذا الدعم من النظام الناصري للقضية الجزائرية كان يخضع لشروط تخدم مصالح أجنبية.

لقد سمح تقارب مصالح المخابرات الفرنسية والمصرية مثلما رسمه تروث عكاشة والتواطؤ الذي نجم عنه مثلما سيتم تنفيذه من طرف فتحي الديب، في تحديد محور استراتيجي من شأنه السماح لهؤلاء وأولئك بتسيير تدخلاتهم في حركة التحرر الوطني.  وتتمثل الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية في ابعاد المثال المغاربي للإطار المرجعي لحركة التحرير الوطني. وبالنسبة للفرنسيين فإن مستقبل دول ما بعد الاستعمار في المغرب العربي لا يمكن تصوره إلا في صيغة إدغار فور» استقلال ضمن التبعية المتبادلة « 

» وابتداء من عام 1958، يقول شارل أندري جوليان، فهمت فرنسا أنها لن تتمكن اطلاقا من منع الجزائريين من انتزاع استقلالهم، وهكذا قرر ت تغيير الاستراتيجية : الحرب من أجل استقلال يقع بين أيدي مجموعة من الأشخاص الذين يحمون مصالح فرنسا في الجزائر «.

وفي عام 1963 اندلع نزاع مسلح بين الجزائر والمغرب، وينقل الآن بيرفيت الكلمات القاسية لشارل ديغول حول هذه المسألة:» لا يجب أن نعلن شيئا. نحن نساعد المغاربة (…). نحن نساعد الجزائريين (…)في الواقع، نحن نساعد هم على الاقتتال. ومع ذلك يجب أن نتصرف وكأننا على الحياد «.

كانت مصلحة الفرنسيين كامنة وتكمن دوما في المحافظة على ثلاث دول ضمن الحدود الموروثة عن الاستعمار دون إرادة حقيقية للاندماج الإقليمي، بحيث تحتفظ دوما بالقدرة على لعب ثلاث سياسات مختلفة.

وبالنسبة للمصريين، كانت مسألة ربط المصالح الاستراتيجية للقوة الاستعمارية لفرنسا بالمصالح الآنية للنظام المصري. وكانت الفكرة تكمن في القيام بنشر العقيدة الناصرية في الفضاء العربي: نظام عسكري، خيار اشتراكي وحزب واحد. هكذا يجب أن تفتح حركات التحرر المهيمنة الطريق الى أنظمة الهيمنة.

وكان لا بد من واجهة، سرعان ما وجدها عبد الناصر في شخص بن بلة الذي استطاع أن يفرض نفسه   عليه كطرف مقبول.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، التقى الزعماء المغاريين في القاهرة ،حزب الشعب الجزائري وجمعية العلماء الجزائريين، الاتجاهان القديمان للدستور التونسي الجديد والمحاربين المغاربة وزعماء حزب الاستقلال المغربي.

وبدفع من عبد الرحمن عزام، تشكل مكتب المغرب العربي من نواة صلبة تتكون من مثقفين جزائريين، علي حمامي والطبيب التونسي حبيب ثامر والحقوقي المغربي بن عبود.

وبعد تنصيبه مباشرة في القاهرة في عام 1948، أنشأ عبد الكريم الخطابي لجنة تحرير المغرب العربي وهي الدراع المسلح لمكتب المغرب العربي وتتكون من أحزاب بلدان المغرب العربي الثلاث، وقد زودت اللجنة بميثاق تمت المصادقة عليه خلال المؤتمر التأسيسي الذي ركز على ثلاث نقاط أساسية:

  • لا تفاوض مسبق مع القوى الاستعمارية الفرنسية والإسبانية.
  • الشروع في اعمال مسلحة متشاور عليها
  • مواصلة النضال مع بلدان أخرى في حالة حصولها على الاستقلال

وكان الشيخ فضيل الورثيلاني قد شارك في انشاء الجبهة العربية للدفاع عن شمال افريقيا التي ترأسها الشيخ محمد الخضير من أصل جزائري، الوحيد من خارج مصر الذي تولى رئاسة الأزهر.

وبمناسبة موسم الحج لعام 1951 توقف مصالي في القاهرة حيت ختم مع عبد الكريم الخطابي إنشاء جيش تحرير المغرب، غير أن المشروع أجهض لأسباب لا تزال مجهولة بعد.

إنه هذا الماضي المجيد الذي يتكون من صراعات حركات التحرر المغاربية الذي نستعد لدفنه حيث ازدهر على وجه التحديد، ومع ذلك، نضجت حركة التحرير ولا شيء منذ ذلك يمكن أن يمنعها من إطلاق العمل المسلح في إطار منظم على الرغم من تردد المغاربة والتونسيين وبالرغم من أزمة حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات والديمقراطية.

لقد انتهت المحادثات بين مختلف الفاعلين الذين يتوزعون بين الجزائر وفرنسا ومصر إلى التزود بهياكل التنظيم والتنسيق العملياتي والسياسي بهدف تكثيف العمليات العسكرية.  كان ذلك هو الهدف الأصلي من أول نوفمبر 1954.

ولقد تمت دعوة العديد من المندوبين إلى سلسلة من اللقاءات من أجل إعداد أسس الجبهة. وهكذا عقد اجتماع تاريخي في القاهرة في 17 فبراير 1955، جمع بين جميع مكونات الحركة الوطنية:

  • ممثلي مصالي الحاج : أحمد مزغنة والشاذلي مكي
  • اللجنة المركزية لـ : حركة انتصار الحريات والديمقراطية : حسين الأحول و محمد يزيد
  • أعضاء الوفد الخارجي : أحمد بن بلة ، حسين آيت أحمد ومحمد خيضر
  • جمعية العلماء : بشير الإبراهيمي و فضيل الورثيلاني
  • ممثل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ، أحمد بيوض

وبمجرد علم الدوائر، تسبب الخبر في ضجة سنرى آثارها المدمرة لاحقا.

وكان هدف هذا التجمع لكل الجزائريين حول الثورة ضد إرادة الدوائر، إحداث قطيعة مع الماضي، بحجة أن جميع تلك النضالات كانت من أجل تشكيل وعي وطني لا يخضع للتقادم.

ويشرح المؤرخ الفرنسي جيلبرت مينيار، الهدف المنشود من وراء إنشاء هيكل جديد يلغي ويعوض جميع الأحزاب الموجودة. لقد وقع الاختيار» على النشطاء الحقيقيين المصممين على احداث القطيعة مع الاستعمار بقوة السلاح والذين لم يكن لهم برنامج غير اشعال الفتيل «وهنا يجب التنويه إلى أن الانضمام للحركة كان يتم على أساس مبدأ بسيط وقديم:» معنا أو ضدنا. «.

وبعد اجتماع 17 فبراير 1955، بدأت المخابرات المصرية تتحدث عن انقلاب، وهكذا تم تفعيل مخطط جهنمي لخطف أحمد مزغنة والشاذلي مكي في المنطقة الدولية لمطار القاهرة.

لقد ظلوا محتجزين في سجن عسكري الى غاية 1958، وحده عبد الله فيلالي الذي استطاع الافلات من عيون المخابرات المصرية والوصول إلى باريس. فقد وقع هنا كسر كبير في الحركة الوطنية سيقود من الخيط الى الابرة مما أدى إلى كارثة اليوم.

استغل الفرنسيون استغلالا جيدا هذا الكسر في تفاقم التوترات بين مختلف الفصائل إلى درجة اندلاع حرب ضروس داخل الحرب بين جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية.

 ادخلت العقيدة الجديدة مفهوم العدو الداخلي من أجل منع التنوع وروح النقد واختلاف الرأي وهكذا ظهرت أساليب غير مسبوقة مثل اللجوء الى القوة والتصفيات الجسدية.

وهكذا أيضا افتقدنا الى العديد من الاطارات الكفؤة في جبهة التحرير الوطني، تخندقت في الحركة الوطنية الجزائرية أو بقيت على هامش الحركة، الأمر الذي جعل المسار الثوري عرضة للتردد والمخاوف القصوى. اغتنم الفرنسيون وضعيات الفراغ ووضعوا ترتيبات شيطانية للاختراق فسر حجمها، روجر ويبوت

المدير السابق لمديرية مراقبة الاقليم (dst) وبموازاة ذلك استنفرت فرنسا منظومتها الحربية ضد الثورة الجزائرية: أساليب غير تقليدية، مجازر على نطاق واسع، التعذيب، لابلويت، حرب العصابات المضادة، القوانين الاستثنائية، الحرب النفسية، مضاعفة الاعداد، ترحيل السكان، المحتشدات وهيئة المساعدين، تخصيص إمكانات هائلة الخ.  وهكذا لم يتحقق ما كان يجب أن يشكل شرطا مسبقا، أي تزويد الثورة بهياكل التنظيم والتنسيق، للأسباب المذكورة. وعلى إثر اعتقال رابح بيطاط في 23 مارس 1955  

 وكان حينها رئيسا للمنطقة 4 للجزائر العاصمة التي وضعت تحت سلطة منفصلة تدعى المنطقة المستقلة ذاتيا للجزائر العاصمة (ZAA)، التي عهد بها إلى عبان رمضان الذي التحق به في وقت لاحق

في إطار قيادة جماعية، العربي بن مهيدي وبن يوسف بن خدة.

لقد تم قطع رأس هذه المنظمة أثناء قمع إضراب 1957 ، وقد دأب مظليو ماسو على وضع جميع الذين تعاقبوا على رأس المنطقة المستقلة ذاتيا في السفينة و نجحوا في استعادة بعضهم وسجن وقتل الآخرين.

وهكذا نرى الآثار المدمرة للفراغ المؤسسي والعقائدي الذي حاول المسؤولون في ارتجالهم ملأه بدعوة جميع أولئك الذين لا يملكون سيرة ذاتية أو تأهيلا للقيام بأنشطة حرب للتحرير: الاندماجيون والشيوعيون والمركزيون والمنحرفون.

ففي الجزائر العاصمة، كان القادة أكثر اهتماما بالحد من تأثير القاهرة على مسار الثورة.

 لقد اصابتهم حمى» المحاور المقبول «وكانت الاطماع حادة بعد لقاءات سرية مع مبعوثين فرنسيين، تلّوح بآفاق اجراء مفاوضات مباشرة مع القوة الاستعمارية.

 وكان يجب بالتالي انتظار قرابة عامين على اندلاع الثورة لكي نتمكن من عقد أول اجتماع يسمح بالتزود بتنظيم واستراتيجية في نهاية المطاف. وللأسف لم يجب مؤتمر من الصومام على جميع التطلعات.

فعلاوة على الانقسامات التي زادها هذا الاجتماع خطورة، جراء عدم سماح الهيكل التنظيمي المعتمد بالتنسيق العملياتي والذي لم يقرر سوى التنسيق في القمة بين المجلس الوطني للثورة الجزائرية ولجنة التنسيق والتنفيذ، غير أن الأكثر خطورة يتمثل في ادخال هذا اللقاء الخوف والوساوس في الثورة من أي ثورة حركة للتحرر، أي المرونة في الاستراتيجية والتصلب في التكتيكات وهذا ما سيؤثر على ثورة تقودها أساليب نشيطة.  

فلم يسمح التشكيل المتأخر لأول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية في سبتمبر 1958

من حل جميع هذه المشاكل، كما لم يمكّن إنشاء هيئة أركان عامة لجيش التحرير الوطني في 1959 من فك عزلة الجبال المحاصرة بواسطة خطين مكهربين، شال وموريس، الأمر الذي أعطى الفرصة لجيش الحدود لبناء ترسانة كانت بمثابة السلاح الفتاك الذي استخدم في انقلاب صيف 1962.

وأخيرا، لم تستعد المفاوضات إيفيان واتفاقياتها المبرمة في 18 مارس 1962 السيادة كاملة وفقا للمصير المغاربي ومتطلبات دولة حديثة ومستقلة.

» بطل واحد هو الشعب « ، شعار كتب على جدران المدن والقرى في الجزائر غداة الاعلان عن الاستقلال ، أكثر من صيغة و مجرد تذكير ، أن الشعب الجزائري الذي دفع ثمنا باهظا من أجل الاستقلال، استطاع إنقاذ أنبل ما يوجد في الحركة الوطنية : التضحيات الكبرى هي السبيل الوحيد للسيطرة على مصيره. وقد عبر الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي عن ذلك بشكل رائع:

» المدافعون عن الوطن، المدافعون عن الوطن ! التحقوا بعظمة عصرنا.

الدم يبكي في عروقنا،

نموت، نموت ويحيا الوطن

إنها تحية رائعة لإرادة الشعب في الحياة والحرية والكرامة ردا على ازدراء الزمرة والمؤامرات وسفالة القادة الذين لم يعرفوا ولم يتمكنوا ولم يعوا اطلاقا كيف يرتقوا إلى مستوى مسؤولياتهم.

 لقد جاء حسين آيت أحمد من خلال الترحم على ضريح مصالي، لكي يملأ بهذا التذكير والنداء وحدة المحارب المتأمل في مصير الرجل الجزائري.

  • تجاوز حدود مستقبل بلا مستقبل

اعادت الأحداث لأفكار آيت أحمد نكهتها اليومية، وطلقة بطلقة تذكرنا قوانين المالية 2016.2017 ومراجعة الدستور بتبصر وحنكة تحليله: » لقد اخضع الشعب الجزائري لعنف مفرط من أجل فرض خيارات سياسية و اقتصادية كارثية. خيارات ترهن وتقوض مستقبلنا ومعه أيضا مستقبل الأجيال الصاعدة. إن قرارات اليوم لها انعكاساتها على المجتمع غدا، لذلك يتعين علينا إدراك المرحلة الحالية بما تمثله من تحد كبير ورهان حيوي«….

ويجسد هذا المشهد المصور لـ فيكتور هوغو، الوضع الناشئ عن الآثار المجتمعة للقانونين: » من يملك قطعة قماش لا ينتظر من المقياس في يده أن يتحدث إليه ويقول له » إن مقياس من يحكم خاطئ «.

فالذي يزن سلعة لا يعني أن ميزانه يرفع الصوت ويقول له: » إن الوزن الخاطئ  هو الذي يسود«.

إنه نظام غريب هكذا نظام تقوم قاعدته وتوازنه على فوضى عارمة والتنكر لجميع الحقوق!

فلا شيء يبدو بإمكانه وقف الشراهة المرضية لزمرة الانتهازيين والوصوليين المستفيدين من عائدات الريع البترولي، الزمرة التي ترغب في الحصول على كل شيء بجميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة، عادلة كانت أم ظالمة، شريفة أو غير شريفة.

 وهكذا تشكل قوانين المالية مختارات كنودة يتعذر التحكم فيها، يدعوها الفيلسوف والاقتصادي البريطاني فريدريك حايك بـ » الافتراض الفتاك «. ويحدث أحيانا أن تعيق التطور المنسجم للمجتمع قوانين تصممها طبقة من الطفيليين تهدف إلى تدمير النظام القائم من اجل فرض نظام كارثي جديد.

لقد أسفر هذا » الافتراض الفتاك «.الملحوظ جدا في البحث المحفوف بالمخاطر عن السلطة عن الآثار الكارثية لعجز الميزانية والميزان التجاري وميزان المدفوعات وغياب النمو.

إن تطهير المالية العمومية، يستدعي ترتيبات ذات طبيعة هيكلية واقتصادية كلية تبدو غير معقولة وغير متاحة للسحرة المبتدئين الذين لم يتمكنوا اطلاقا من التوفيق بين آفاق النمو ومتطلبات الميزانية.

لقد ذكّر آيت أحمد في رسالته الى المجلس الوطني لجبهة القوى الاشتراكية المنعقد في دورته العادية في مارس 2010 بالجزائر العاصمة: » إن التسيير بالمصادفة  المعتمد منذ عقود  قد انتهى في الأخير الى ارساء العنف في قلب المؤسسات والعلاقات الاجتماعية وفرملة أي تطور وإصلاح وابقى علينا في حالة من الهشاشة  التي تهدد بجدية مستقبل البلاد حيث لا مكان فيه سوى  لعلاقات القوة المجردة. «

وستبقى قوانين المالية لعامي 2016 و2017 محفورة في سجلات الذاكرة والتاريخ.

فإذا كانت تثير سوء الفهم والقلق لدى المواطنين، فإنها ستبقى تؤرق المراقبين والمحللين.

فالمشكلة ليست في نشر هدايا عرافة حول آفاق سوق النفط، بل تكمن في معرفة ماهية الخطوات التي يجب اتخاذها للتعامل مع الفوضى.

لقد أصبح قانون المالية من طقوس خلق المال وتحديد معايير توزيعه بين الكتل الرئيسة: نفقات التسيير، التحويلات الاجتماعية وميزانية التجهيز، الأمر الذي يخلق الكثير من النقود التي لا تحدد كمياتها الفلكية بالنسبة لاحتياجات الاقتصاد الحقيقية من منطق الحاجة إلى وسائل الدفع، بينما خلق النقود لا يعني خلق الثروة.

وعلى سبيل المثال، تذكرنا سياسة الحلول الخاطئة في ميدان الدخل بهذه الصيغة الشهيرة التي كانت تردد في الاتحاد السوفياتي السابق:» إنهم يتظاهرون بالدفع لنا و نحن نتظاهر بالعمل «.كما تذكرنا ميزانية التجهيز بالنكتة القديمة المنتشرة في بورصة  الأوراق المالية: » من اليسير الاستثمار  إذ يكفي فقط أن تعرف أن هناك بلهاء أكثر من  المال أو أموال أكثر من البلهاء «.

قوانين المالية لعامي 2016 و2017 تعبر بالبلاد الى عتبة عدم القابلية للتسيير وتلقي بها في المجهول إلى غير رجعة.  وهكذا ستستأنف الجزائر مع اختلالات جميع حساباتها وستضطر إلى اللجوء إلى نوع من الديون السامة من شأنها زيادة تفاقم الوضع الحالي الذي يتميز بتخفيض مستوى رأس المال الإنتاجي وزيادة في قيمة رأس المال غير المنتج مما يكشف عن مدى مناوئة المسؤولين الجزائريين للتحليل الاقتصادي الذي يعلمنا بالاعتماد على الاحصائيات، أن الأسباب نفسها تؤدي إلى الأثار نفسها.

ومرة أخرى يتوجه البلد نحو الاستدانة دون القدرة على خدمة الديون ودون القدرة على السداد.

ونرى بوضوح أن قانون المالية لا يستجيب لأي من وظائفه من منطلق عدم قيامه على أي نظام منسجم للتوقعات على المدى القصير والطويل، مما يجعل أي تحليل لأسباب وآثار الاختلالات المالية مستحيلا كما يجعل من غير المرجح، القيام بأية محاولة تطهير للمالية العمومية قصد احتواء الآثار الكارثية للأزمة وتمهيد الطريق لترتيبات اصلاح عميق وطموح للهياكل الاقتصادية. وحده هذا النوع من التدابير يسمح بالاستئناف مع النمو السليم والمستدام والقيام بالتنمية من جهة وتخفيف الضغط على الميزانية من أخرى.

إن تمويل الميزانية عن طريق سك النقود سيقود البلاد حتما إلى الخراب. ومن المفيد أن نذكر أن البرامج التي فرضت على الجزائر من قبل صندوق النقد الدولي لمواجهة أزمة العجز عن سداد الديون كانت تهدف في نهاية المطاف الى إعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي. إن استعادة الأرصدة الخارجية يعني بالنسبة لمؤسسة بريتون وودز، أن البلاد يجب أن تتوفر على النقد الأجنبي الذي يكفي لإزالة القيود على التجارة الخارجية من أجل ضمان توازن الحسابات، كما يوصي بالسهر على تحقيق هذه المعادلة: يجب أن تتوقف مجموع الواردات والتحويلات حول بقية العالم عند مبلغ الصادرات والعائدات من النقد الأجنبي.

لقد أدت هذه المعادلة بجلاء إلى نقل نحو بقية العالم لمجمل عائداتنا من النقد الأجنبي.

وعلاوة على ذلك، يقوم البنك المركزي بعمل رقابة على أسعار الصرف لتجنب أي رفع لقيمة العملة الوطنية، ليس بغرض جعل صادراتنا تنافسية لأنها غير موجودة ولكن للسماح بالتوسع النقدي المحتمل الذي من شأنه أن يوفر للخزينة موارد لا يمكنها الحصول عليها بطرق تقليدية وذلك بسبب غياب اقتصاد منتج للسلع والخدمات وهكذا تصبح الطفرة التضخمية الأداة الوحيدة للتسيير.

لقد وصل نظام احتياطيات الصرف هذا الى نهاية دورة حياته بدخول الاقتصاد العالمي مرحلة من التحولات العميقة.  وستتسبب السياسة الأميركية الجديدة بعد انتخاب دونالد ترامب، في نهاية الدولار كعملة احتياط مثلما هو معمول به منذ عام 1971.ودون الخوض في التفاصيل، نفهم مدى الحاجة الملحة للقيام بالتطهير المالي من أجل مرافقة أفضل للإصلاحات الهيكلية ويكفي أن نذكر بكتاب جد معاصر للأحداث: » الأزمة المالية الفرنسية 1789.1799 «الذي يروي فيه الدبلوماسي الأمريكي أندرو ديكسون ، كيف قاد الثوار الفرنسيين في 1789 بلادهم إلى الهاوية بالاستخدام  المفرط المطبعة النقود.

ويذكّر بفقرة لـ دانيال وبستر مفادها إن » جميع الحيل التي استخدمت لخداع الطبقات العاملة، لم تكن أي منها أكثر فعالية من تلك التي خدعتهم بها النقود الورقية «. لقد تم انقاذ الوضع على وجه السرعة من طرف شباب من الرماة بالمدفعية انتهى الى الاستيلاء على السلطة.

لقد اضعفت الممارسات المنبثقة عن احتياطيات الصرف البلاد إلى حد كبير، وانتهت في نهاية المطاف الى زحزحة الجزائر الى مصاف الدول التي لن تستطيع أبدا تحقيق إقلاعها وبالتالي التخلص من تخلفها. إن كل الأضواء تومض بالأحمر: الميزانية، الميزان التجاري، ميزان المدفوعات، النمو البطالة، الخ ناهيك عن المشاكل الأخرى التي تفلت من أدوات القياس وتنذر بعواقب خطيرة.

ويتطرق الخبير المستقل للأمم المتحدة، ألفريد دي زاياس، الى تأثير انعكاسات اتفاقيات التجارة الحرة وعقود الاستثمار على حقوق الإنسان. وقدم معاينة مخيفة: » أدت المعاهدات الدولية واتفاقيات التجارة الحرة الثنائية بما في ذلك تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، إلى تدهور عام للنظام الدولي وتقويض المبادئ الأساسية للأمم المتحدة ، السيادة الوطنية والديمقراطية وتطبيق القانون «.

ويذّكر أن » للدول تجاه حقوق الإنسان التزاما تعاقديا في إعلام الجمهور على نحو استباقي، لضمان الوصول إلى المعلومات ومراجعة قواعد بياناتها وضمان مشاركة فعالة في تسيير الشؤون العامة «.

وتدعونا معركة حسين آيت أحمد إلى إعطاء أهمية قصوى لخبرة ألفريد دي زاياس، التي نجد فيها الحلول المكيفة مع اهتماماتنا بترقية نظام ديمقراطي وعادل.

  • مطلب امتصاص الأزمة الوجودية

 في أكتوبر 2003، لاحظ حسين آيت أحمد: » للأسف! لا نزال بعيدا عن امتصاص الأزمة التي تمزق وتخرب وتدمي في صمت مجتمعنا منذ أحد عشر عاما والتي تبدو بعد مثقلة بالمخاطر التي تصعب السيطرة عليها«. إن تاريخ الجزائر المستقلة يمكن أن يتلخص برمته في هذه المخاوف.

ألحق استنزاف جميع الموارد وخاصة الموارد البشرية، ضررا جسيما بسلامة البلاد التي تنزلق بسرعة مخيفة على منحدر أزمة وجودية. لقد أصبحت البلاد قوقعة فارغة خالية تماما من المعرفة والخبرة والكفاءة. إنه عهد الجهل الذي حدد معالمه، عالم المستقبليات المغربي الراحل الدكتور المهدي المنجرة: « إن الأمي اليوم هو الذي لا يمكن طرح فكرة من أجل تعلم كيفية التعلم مرة أخرى.

أعتقد أن ضرورة تحيين معارفهم هي السبب الرئيس في هجرة الأدمغة. (…) وأعتقد أن التخلف

يمكن تعريفه اليوم كوضعية نحارب فيها الكفاءات الوطنية المبتكرة والمبدعة ونشجع النعاس المهني والرداءة المدجنة التي تسهل الفساد والرشوة وإساءة استخدام حقوق الانسان والخنوع أمام القوى العظمى. «إن هذه المراجعات المتواترة للدستور توحي بحجم الكارثة، حيث نكتشف في النص مدى انزعاج المحررين وعدم قدرتهم على تجاوز الطابع غير اللازم في عملهم، أي جهد خلق وهم بناء سليم في حين أن الخلاصة لا تتبع المقدمات المنطقية، الكثير من الصلاحيات والقليل من الحربات.

فالدستور في صيغته الجديدة أقرب بكثير إلى الكتاب الأخضر للقذافي منه الى قانون أساسي.

لقد اتخذ البيت المؤسساتي الجزائري في الواقع شكل ملجأ يراقبه مجانين، إنها دسترة سياسة التدخل المستوحاة من النظام الكونونيالي الذي يهدف الى مراقبة مطلقة على السكان والثروات.

فالأكثر لفتا للانتباه في هذا التدخل هو السياسة اللغوية الذي تعتزم السلطة القيام بها لأغراض خفية.

وتدق هذه السياسة أجراس نهاية السلم اللغوي الذي ساد طويلا في الجزائر، حيث تتعايش اللغة العربية، اللغة االناقلة والأدبية في وئام تام مع اللغات المنطوقة كلغة عامية والفرنسية كلغة أجنبية أساسية، غير أنه لا يمكن المس بالسلم اللغوي دون الحاقه الضرر بالتماسك الاجتماعي.

وهكذا تم منح بعض اللغات العامية (البربرية) مكانة ليست لها، دون ادماج أخرى (العربية).

وبالاعتراف بالطابع الوطني والرسمي لأمازيغية، تكون السلطة قد قطعت خطوة في مسعى تغيير البيانات السوسيولوجية والثقافية التي قد تصبح آلة حرب.

إذ إنه وفي نهاية المطاف، ليس هناك لغة للبربر مهيكلة ومتجانسة، وانطلاقا من اللهجات البربرية المحلية على اختلافها وتنوعها، تعتزم السلطة القيام بعملية تجميع، أي بمعنى لغة اصطناعية على شاكلة الاسبرانتو غير منطوقة أو مكتوبة من طرف أي شخص. وتسند المادة 4 من الدستور، تحقيق هذا العمل الى أكاديمية جزائرية للغة الأمازيغية » كلفت بتهيئة ظروف ترقية الأمازيغية بهدف تجسيد قانونها الأساسي كلغة رسمية والتي ستستند إلى عمل خبراء «

وبلا شك فإن الأكاديمية البربرية في باريس، هذه الورشة التي تقوم بتصنيع أدوات الخداع وتفكيك الهوية، ستلقي بكامل ثقلها حول عمل الخبراء إذ يوجد بعد في رصيدها:

  • تحويل الأحرف الأبجدية البونيقية الى الابجدية الأمازيغية التيفيناغ.
  • اخترع الأقدمية التاريخية للبربرية على العربية.
  • تحويل رزنامة التقويم اليوليوسي الى الرزنامة البربرية يناير
  • خياطة العلم الانفصالي.

ها هي النتيجة إذا عندما يصبح الجهل قضية مشتركة مع الإهمال. ويجدر بنا الخوف من أن تتحول هذه اللغة الاصطناعية إلى فرانكشتاين لغوي من شأنه أن يدمر ما تبقى من تراثنا وهو ما لا يتطابق اطلاقا مع ارادة العيش معا. فكيف نفسر هذا الانكار لوجود لغة 75٪ من السكان الجزائريين وهي الدارجة التي تتكون من أكثر من 50٪ من ركائز البونيقية، لغة اسلافنا منذ ما يقرب من 15 قرنا.

وهكذا قال جوزيف غوبلز: » نحن لا نريد إقناع الناس بأفكارنا، بل نريد تقليص المفردات بحيث لا يستطيعون التعبير سوى عن أفكارنا«.

وعلاوة على ذلك، هناك علاقة وثيقة بين السياسة اللغوية وسياسة التكوين ومن المفيد طرح أسئلة حول المرامي والدوافع الحقيقية حول إعادة التوجيه هذا.

لقد سلط الباحثون على غرار الانجليزي روبرت فيليبسون والسريلانكي، سوريش كاناغاراجاح، الضوء حول الكيفية التي تفرض بها على مختلف البلدان إصلاحات تعليم اللغات من الخارج.

وتستخدم في ذلك مختلف الآليات من منظور استعماري جديد في توجيه الهياكل الأكاديمية في المستعمرات القديمة من أجل وضع تحت نفوذها سياساتها اللغوية والثقافية والمدرسية.

ويهدف انتشار اساليب التدريس المدخلة إلى احداث تحولات ثقافية تشكل هجوما حقيقيا على نظام التعليم والتكوين الخاص بكل بلد. ويمر هذا التدخل من القوى العظمى عبر المساعدة على تعليم اللغات. وهكذا ندرك بشكل أفضل المغزى من إصلاحات التعليم التي تحملها السياسة اللغوية.

فمن الخيال الخصب للغوي الألماني أوغيست لودفيغ فون شلوزل، خرج مصطلح   » السامية« ، الذي استخدم لأول مرة في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر (1781) في كتابه (دليل الكتاب المقدس والأدب الشرقي). الذي يقترح فيه تجميع اللغات التي يعتبرها مرتبطة بواسطة صلة قرابة، أي العبرية والآرامية والعربية في فئة واحدة.

للتاريخ الذي يقوم على مضاعفة الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية بين شعوب الشرق (السامية) والغرب (الآرية). إن هذه العقيدة ليس لها أي أساس علمي والتي تدين بنجاحها لأول مرة للفيلسوف الهولندي ايراسم: » إن روح الإنسان هي هكذا، تتأثر بالكذب مئة مرة أكثر من الحقيقة«. وفي نهاية المطاف جرى تعميم » السامية «لتجنب الحديث عن العرب.

وفي السياق نفسه ، يعتبر المستكشف الفرنسي هنري دوفرييه، صاحب صياغة مصطلح» أمازيغ «

لتعيين مجمل البربر في المغرب العربي ومنطقة الساحل والصحراء.  ولقد ذهبنا الى غاية خلق تامزغا اسم ظرفي بدلا من المغرب العربي.

ويعكس هذا المصطلح الذي لم يظهر في مفردات اللغة اليونانية أو حتى في اللاتينية، التصور الأوروبي،

فخلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، تأجج التنافس بين القوى الاستعمارية في توسعها في أفريقيا. لقد غير الفرنسيون استراتيجيتهم بعد عدة محاولات للاستيلاء على الصحراء عبر ليبيا، وهكذا قرروا القيام بتمدد إقليمي نحو صحراء الجزائر المستعمرة. وفي هذا السياق اقترح هنري دوفرييه نفسه المشاركة في حملات الصحراء التي» شاهد عبورها في مختلف الاتجاهات من طرف الطوابير وحتى من طرف مسافرين معزولين، لكنها لم تدرس من طرف ملاحظ مقيم بها من قبل «.

وقادته الرحلة الأولى التي قام بها الى غدامس في 1860، الى مقابلة رئيس التوارق ايخونخن الذي بقي لديه لمدة سبعة أشهر. لقد استخدمت مذكراته في صياغة تقرير نشر في عام 1864 تحت عنوان توارق الشمال، حيث قدم التوارق KEL Ajjer خطأ في صورة موالية للاستعمار.

وفي مقال مؤثر» الأمازيغية أو كيفية التعامل مع التاريخ «نشر في صحيفة الوطن في عام 1992، كشف علي فريد بلقاضي، النقاب عن ما يسميه » التزوير«  أي العمل الذي يهدف الى تزوير كتابة موجهة لتضليل الرأي العام. ويستشهد بـ دوفرييه بشرح الكلمة الأمازيغية لأصل التوارق على أنها » تعني الرجل الحر، الصريح، المستقل والناهب «. وختم: » لذلك  تنسحب الكلمة الأمازيغية على البدو المفترسة المعتادين على الغارات من جميع الأنواع، وليس على المجتمعات المستقرة  والثابتة في الحواضر و القبائل الريفية والزراعية في مجملها ، كما هو حال بلاد القبائل يوم كانت ذات طابع فلاحي « . ومن جهة أخرى، تجاهل مصطلح أمازيغي، غير الموجود في اللغة البربرية للقبائل، الأوراس، مزاب، من طرف الشاعر القبائلي سي محند أو محاند. ويحيل إلى وجود تحول دلالي جد خطير حيث كل الجزائريين، ليسوا بربر وكذلك أمازيغ وقد يمكن اعتبارهم رجالا غير أحرار وعبيد.  بيد إنه يتعين الذهاب في التحليل بعيدا وربط الماضي بالحاضر، إذ إن دسترة السياسة اللغوية من شأنها ايقاظ الشياطين القديمة، وكنا نعتقد أننا في قلب » الظهير البربري «عندما اعطت الحماية الفرنسية في المغرب المعنى الملموس لسياستها البربرية بالاعتماد على توصيات لويس ماسينيون. إنه سؤال ظل بالنسبة لي مسألة ضمير، سؤال ديني وعلمي على حد سوا، إذ حثني الأب دي فوكو خلال السنوات 1909.1913، عن طريق الكتابة وشفهيا، على تكريس حياتي لديه لتلك الحركة الدؤوبة التي كانت تعمل على إزالة اللغة العربية والاسلام من شمال أفريقيا لصالح اللغة الفرنسية والمسيحية على مرحلتين:

* التنقيب في الأصل اللغوي والعادات البدائية للبربر.

  • الاستيعاب باللغة والقانون (المسيحي؟) ، فرنسي ومسيحي « .

والبقية معروفة، لقد كان رد فعل الحركة الوطنية في المغرب من القوة بمكان الى درجة الغاء الادارة الاستعمارية للنص في نهاية المطاف. وبمناسبة اربعينية وفاة الزعيم علال الفاسي في جوان 1947

ذكّر حبيب بورقيبة بمظاهرة الخميسات الشهيرة في 22 أكتوبر 1937 ضد السياسة الاستعمارية الفرنسية وضد الظهير البربري. وشدد على أهمية هذه الانتفاضة كأول تنسيق للمقاومة على مستوى المغرب العربي. كما أن الانتفاضة كانت بمثابة الفعل المؤسس للتيار الاستقلالي في المغرب.

وفي الجزائر، بلغت الأزمة المسماة بالبربرية التي هزت حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات والديمقراطية، ذروتها عندما فتح الحزب اكتتابا لصالح فلسطين، وعندها جد النشطاء البربريست الفرصة غير المتوقعة للوقوف ضد المرجعية العربية الاسلامية ولم يرو أية مصلحة في التضامن مع الشعب الفلسطيني.

ويعكس هذا الاستقطاب حول مسائل الهوية عدم قدرتنا على الارتقاء كأمة حديثة حيث بقينا مرتبكين في حالة يرثى لها في عصبياتنا القديمة التي أصبحت قوية كلما ابتعدنا عن التقدم والازدهار.

لقد حلل ابن خلدون ببراعة هذه الظاهرة وعلمنا أن كل سلالة حاكمة تحمل بذور اضمحلالها.

وبالأمس كما اليوم، يشكل اتباع العصبية عناصر ارباك، يؤسسون تأكيد عالمهم المصغر على انكار العوالم المصغرة الأخرى وخاصة انكار العالم المصغر. إنه لمن المؤسف أن نرى آيت أحمد يدخل في هذا النقاش المؤذي لمسائل الهوية، الأمر الذي يترتب عنه انكار قيم الحركة الوطنية وتقوقع جبهة القوى الاشتراكية.

فهناك خطر كبير ينطوي على مسعى الهوية، من حيث إنه يعمل على انزلاق التراث المؤكد (التراث) نحو ميراث مزعوم (الموروث) الذي يفتح الطريق أمام مطالب خيالية في أرض الميعاد (الميعاد) باللعب على الخصوصيات المحلية، يخلق مسعى هوية عدم التجانس الذي يحول دون بناء مجموعة متماسكة على أساس من القيم.

وتسمح دراسة الأساطير من طرف علماء الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا الاستعماريين، بخلق روابط بين الاستعمار الجديد وحركات الهوية. ويكمن الهدف المنشود من ذلك في ترسيخ صحة الأساطير في المخيال الجماعي بطريقة تمكن حركات الهوية من إضفاء الشرعية على نفسها لتصبح في النهاية حليفا موضوعيا للسلطة الاستبدادية والغير شرعية.

سوف يأتي الخلاص من العلم، لذا هل يمكننا اخضاع الجزائريين لاختبار الحمض النووي لكي يكونوا على بينة من أصولهم والتخلص من عصبياتهم وهكذا سيدركون أنهم ينحدرون من خليط عجيب يجعل البحث عن الهوية العرقية والفردية أمرا سخيفا. وسيدركون عندئذ مدى كثافة كل ما لديهم من قواسم مشتركة مع بقية العالم بدلا من صيانة خصوصية خيالية. ويمكن للجزائريين على الخصوص أن يتعلموا احترام ذواتهم، الاحترام المتبادل وبدل الجهد من أجل الترفع فوق هذه الثقافة الاستعمارية الجديدة التي ربتهم السلطة عليها. وسنكتشف مع اختبارات الحمض النووي، جيناتنا التي ستحيلنا على مسارنا وتعلمنا بما أننا من هنا فإننا أيضا جئنا من مكان آخر.

  • أنموذج مميت يجب التخلص منه

كان آيت أحمد صامدا في معركته من أجل جمعية تأسيسية قصد السماح للجزائريين بتحقيق نهضة حقيقية» خارج إصلاح مؤسسي «. ويتعلق الأمر ليس فقط بضمان سلامة الوحدة الترابية، ولكن أيضا لتصبح وتبقى واقعا سياسيا. ويسلط لنا جان عمروش، الضوء حول الغاية من هذا الواقع السياسي

» يفضل الجزائريون الموت بفخر على أن يكونوا مسعفين ، متسولين وقردة «. وبكلمة واحدة،

يجب على الجزائريين الشروع بحزم في استعادة مصيرهم.

وعلى غرار جميع شعوب العالم، اهتم الجزائريون بالبحث عن أفضل دستور. فالأسئلة نفسها التي طرحها أرسطو منذ فترة طويلة لا تزال دوما حاضرة في الفضاء العقلي للجزائريين في مواجهة ممارسات حكم استبدادي، ملزم وقمعي:

  • الصفات التي يجب أن يتوفر عليها الدستور ليعكس رغبات الجميع
  • أي نوع من الأنظمة لأي نوع من الناس
  • التوفيق بين ما يرضي نظريا وممكن عمليا

وبعد أن عاشوا طويلا في ظل رعب القوانين الجائرة للاستعمار، أرغم الجزائريون على العيش في الإقصاء بسبب القوانين القاصرة وغير العادلة.  وكمتسلقين بارعين، اختار بارونات الأقلية المهيمنة منذ الاستقلال، الاحتكار السياسي، ببناء هيكل مؤسسي غير شرعي صمم فقط بهدف الحفاظ على مسارهم المهني، الامتيازات والثروات والطموحات. وهكذا جرى اعتبار ممارسة الحريات وجميع أشكال المعارضة والمطالبة والمعارضة بمثابة حركات تمردية يتعين قمعها وذلك يعني أن الأنموذج المؤسسي على درجة كبيرة من التدهور الى حد بدا معه كارثيا ومأساويا وقفزة نحو الموت المؤكد.

فالجمعية التأسيسية لا تقتصر على المهام التقنية لصياغة القانون الأساسي، بل يتعلق الأمر بمسار يضمن من خلاله بما لا يدع مجالا للشك تجسيد مظاهر السيادة الوطنية من خلال احترام الإرادة الشعبية وشرعية المؤسسات. فالشعب الجزائري يسعى للحفاظ على الحرية التي اكتسبها بشق الأنفس وعلى القيم الضامنة للرخاء والسعادة.

إنها فرصة للتذكير بالعلاقة العضوية الموجودة بين الدستور والشعب. وبعيدا عن شكليات المؤسسات والقوانين، هناك جذور هذه المجموعة البشرية وتطلعاتها في الارتقاء الى أمة حرة والعيش في بلد تريده لطيفا وجميلا وغنيا ومنظما.

وبصورة ملموسة، يجب أن يضع الدستور المقبل حدا لخنق الديمقراطية من خلال دمج الاهتمامات الرئيسة للجزائريين والتي تتلخص في التالي:

  • تكريس الاستقلال والسيادة والأمن والسلم
  • تحديد مجال تدخل الحكومة (لا يجب أن تكون في كل مكان)
  • يجب على المواطنين الاحتفاظ بالقدرة على ابتكار مستقبل بديل
  • لا يجب أن تزيد ممارسة السلطة من قدرات السيطرة وإخضاع المواطنين
  • إخضاع ممارسة السلطة لأغراض بناءة
  • تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات
  • ضمان تمثيل المجتمع الجزائري في المؤسسات المنتخبة
  • إنشاء حكومات محلية
  • إعادة الاعتبار لمراقبة دستورية القوانين والمعاهدات
  • تنظيم دور المجتمع المدني
  • إعادة تعريف المبادرة وكيفيات تعديل الدستور
  • وضع آليات موثوقة للشفافية والتداول على السلطة
  • تحديد مبادئ إدارة أفضل للموارد الوطنية
  • الحفاظ على التراث العمومي 

الحفاظ على التماسك الاجتماعي

  • تعزيز وسائل المراقبة
  • إلغاء التبعية
  • حماية البيئة
  • إدراج بناء المغرب العربي

لم تتمكن بلادنا من تعبئة الموارد الضرورية للتغلب على الأخطار ورفع التحديات، فلا شيء أساسي يمكن أن يتحقق مادام النظام يحصر الحياة السياسة في بقائه. إن الاصلاح السياسي الذي يتطلع اليه الشعب الجزائري لا يمر من خلال إصلاح مؤسسي هزيل، بل من اعداد نظام دستوري جديد سيكون من صميم عمل جمعية تأسيسية ممثلة، مختصة وشرعية.

الخلاصة: من أجل بروز ديناميكية اجتماعية

أدى اختفاء حسين آيت أحمد الى خلق شعور بالفراغ و كما يقول فيكتور هوغو: » إن سقوط الرجال العظماء يجعل الردئين وصغار ​​الهامة مهمين و عندما تغرب الشمس في الأفق، تتصنع أصغر حصاة ظلا كبيرا وتعتقد نفسها شيئا  كبيرا « .

و يحتفظ الجزائريون من آيت أحمد، بصورة الرجل الذي لم تفسده إغراء ات السلطة أبدا، بصورة الرجل الذي أراد وضع السلطة في خدمة للشعب على طريقة الثوري الايطالية جوزيبي مازيني: » قضاء ساعة  من التواصل في تأمل كبير  مع شعب يحيا من جديد ، افضل من وجود كامل في عزلة عرش مهدد من طرف بعضهم ومحتقر من بعضهم الآخر« .

لقد كان من دواعي سروره تذكّر شعر أحمد شوقي الذي يتضامن فيه مع سكان دمشق في مواجهة القمع الرهيب للجيش الفرنسي في عام 1926 الذي (تزامن مع حرب الريف)، حيث الشراسة طبيعة كامنة في الاستعمار: وللمستعمرين وإن ألانوا    قلوبا كالحجارة لا ترق.

أي مستقبل لبلادنا؟ هل يمكن أن نتطلع الى مستقبل تسوده المساواة والعدالة والحريات والكرامة؟ هل نجحنا بعد في إنقاذ ما يمكن حفظه؟ « بهذه التساؤلات ، سعى حسين آيت أحمد إلى خلق صحوة في الضمائر.  فلم يتردد بارونات النظام في التخفي في هيئة خبراء والادعاء باللامعقول إن » كل شيء يسير نحو الأفضل وفي أفضل الحالات «. إنهم في قطيعة كاملة مع الحقائق ولا يسمعون رد فعل الشعب التي عبر عنها بوب ديلان بشكل رائع في اغنية من نوع البلوز » لا أحد يحتاج أن يكون رجل ارصاد جوية لمعرفة من أين تهب الريح«

ففي كل مكان في العالم، تهب رياح ثورة الشعوب، ولقد برهن الجزائريون في الماضي على أنهم استطاعوا دوما كسر من يكسرهم وتدمير من يدمرهم. إن حسين آيت أحمد لم يستكن أبدا، إذ لم يتوان بالوسائل السلمية والديمقراطية، في دفع الجزائريين لابتكار أساليب جديدة للنضال والمقاومة وضبط النفس والتحكم في مصيرهم من أجل تلبية تطلعاتهم في التغيير. كل شيء سيتغير وكل شيء يجب أن يتغير.

» فلنغتنم الوقت « (اغتنام الوقت) شعار كان يردده الفهود السود في ثورتهم في الغيتوهات الأفرو- امريكية في سبعينيات القرن الماضي.  فالأمر قد يعني أن لكل وقت رياحه وحركاته وروح الوقت هي من تقرر القيام بالتغييرات هنا والآن. وفي حالتنا، فإنه من الأهمية بمكان استبعاد الأيديولوجية المناهضة للثورة، اثارة الذاكرة واحياء الأمل من خلال اعادة تحيين ضمائرنا وعلاقتنا مع الحداثة.

لقد عرف حسين آيت أحمد كيف يضع نفسه في موقف الزعيم الأصيل، الأمر الذي اكسبه ثثمين الجزائريين لعزمه واخلاصه وعدم تقديمه لوعود لا يستطيع الوفاء بواحدة منها.

وكقائد بارع، ونظرا لخطورة الوضع، لم يكن يقدم للجزائريين سوى الكد والعرق والدموع، مثلما فعل ونستون تشرشل لبريطانيا في جوان 1940.

» كونوا قادرين على العيش في أوقات مثيرة « ، جملة صيغت وكأنها أمل هذه اللعنة الصينية التي تنطوي على جميع المخاوف من التغيرات و عدم اليقين واضطراب التوازنات. فلم يتأخر آيت أحمد عن القيام بالمعاينة: » لم أتصور أنه بعد مرور خمسين عاما سنكون بعد بصدد الاقتتال للدفاع عن حقنا العادي في الوجود«.  لكن معركته توجه لنا دعوة واعدة بالأمل: »حاولوا  أن تجدوا ما تبحثون عنه! « » أي نهاية النظام وجنونه في اخضاع العلاقات الاجتماعية لقواعد التهديد والتطفل دون غيرها والحد من الشرط الإنساني فيما يؤكل أو يباع، أو التغذية من العنف.

هل يستطيع الجزائريون بناء نظام سياسي من شأنه ضمان تأكيد ما يرونه حقوقا غير قابلة للتصرف والتي عبر عنها بيير روسي ببراعة: » الحياة ، الحرية والبحث عن السعادة «  .

ليس هناك مصلحة في البحث عن مواجهة مع النظام، لذا يجب أن تدفعنا معركة حسين آيت أحمد الى العمل على بروز حركة اجتماعية سيكون فيها البعد الرمزي مهما جدا من أجل الجعل من الأفكار أفضل استعراض لانحرافات السلطة. ويتعلق الأمر بحركة غير رسمية، حركة مواطنة ونقاش متعددة التخصصات، نقاش وبحث عن حلول بديلة للأضرار الناجمة عن أولئك الذين يلوثون المناخ الطبيعي والبشري.

إن الجزائريين مدعوون إلى القيام بثورة ثانية من أجل التحرر من الاستعمار الداخلي الذي انتشر على أنقاض الاستعمار الخارجي.

فهناك وضعيات متناقضة حيث أولئك الذين ليس لديهم يخسرونه، كسبوا كل شيء.

فالقادة مدعوون إلى التفكير في كلمات ألكسندر سولجنيستين في روايته » الدائرة الأولى «حيث يقول لبطله، المهندس بوبينين ردا على تهديدات وزير ستالين:» ليس لدي أي شيء، هل فهمت ، لا شيء على الاطلاق …لذلك بماذا يمكنك أن تهددني مرة أخرى؟ مما يمكنك أن تحرمني؟ … أفهم جيدا شيء واحد وفسره لجميع القادة الذين يحتاجون لمعرفته: أنتم لستم أقويا إلا في حالة عدم حرمانكم للناس من كل شيء، لأن الشخص الذي حرمتموه من كل شيء لم يعد تحت سلطتكم، لقد أصبح حرا تماما«! … هكذا يبرز مسعى حسين آيت أحمد : ايجاد حلول بديلة من أجل تحقيق انتقال ديمقراطي.

إن نيران الحرب الأهلية التي اطفئت بصورة سيئة كفيلة بعد ببعث العنف تحت جميع أشكاله، وحده فقط تأطير المجتمع بواسطة هياكل مستقلة وتمثيلية يمكن أن يعطي طابعا منظما وسلميا للاحتجاج الاجتماعي. « 

فالمجتمع المدني يملك ما يكفي من الموارد لخلق دينامية اجتماعية، إحداث استفاقة مواطنة وبدء عملية تغيير بطريقة ديمقراطية ومستقلة.  وبجميع هذه الحركات مجتمعة، يعود الجزائريون الى طريق المصلحة العامة والرفاه الجماعي لتعلم كيف يعيشون واستدراك الوقت واعادة تملك تاريخهم، والتكفل بالمشاكل الخاصة بمستقبلهم وأخيرا للسيطرة على مقاليد مصيرهم.

ليس هناك أروع وأكثر حقيقية في هذا التكريم من التطرق للشعور بالحرية الذي يهز فينا معركة وفكر حسين آيت أحمد، الذي خرج من العدم، ليرفع غناء الوطني اليوناني أريستوتيليس فالاوريتيس (الذي يرجع تاريخه إلى 1863)، [الصخرة والموجة.] ، التي تجسد النظام القمعي الملغم بنشاط عنيد ومثابر للموجة التي ترمز لمقاومة ونضال الشعب.

وتنتهي القصيدة بالأبيات التالية:

البحر ينغلق ولم يبق لحد الآن،

حيث كان الشبح، أي شيء ما عدا الموجة الصوتية

وعلى القبر، يلعب الموج الأبيض والأزرق

لقد انتهى بحر الحرية في نهاية المطاف الى اغراق صخرة القمع

ارقد في سلام الدا الحسين.

براهيم زدور/ وهران 19/2/2017

 

 

 

 

 


Nombre de lectures : 1747
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique