Édition du
28 June 2017

لا قوة بدون أمانة ولا أمانة بدون قوة

عبد الحميد شريف – بروفيسور في الهندسة المدنية

الأمانة والقوة من الصفات الحميدة التي تتصدر القيم البشرية الفاضلة ومكارم الأخلاق في كل مكان وزمان وعند جميع الثقافات والأديان، وتشكلان أهم الركائز التي تُبنى عليها إنجازات وأمجاد الأمم الرائدة. بيد أن هاتين الخصلتين لا تنفعان وتعودان بالخير ولا تثقلان في الميزان إلا إذا كانتا مقترنتين ومتلازماتين في ترابط تام لا يفصل بينهما حاجز أو مانع ولا حتى حرف عطف « إن خير من استأجرت القوي الأمين » – الآية.

ويُعدُّ انفصال هذين الزوجين – القوة والأمانة – السبب الرئيسي لانحطاط الأمم والحضارات وتدهور المجتمعات وتشرد أفرادهم ووقوعهم في دوامة الاستئثار والفساد والفتن، مثلما يحصل لأطفال بعض البيوت والعائلات التي تفقد تماسكها بعد طلاق الأبوين.

بين خيانة القوي وضعف الأمين

في زمن يَعِزُّ فيه القوي الأمين يصعب التفاضل بين الكفاءة والثقة، ومن الطبيعي أن يحاول كل من القوي بدون أمانة والأمين بدون كفاءة التذرع بمقوماته وإبرازها لستر نقائصه وتواضع مؤهلاته الأخرى، وقد ينخدع بعض الناس بهذا أو ذاك بسبب الإفراط في تقويم بعض الجوانب والتفريط في الباقي، ولكن انخداع الحكام وأصحاب الرأي والعزم هو الأخطر، والكارثة الكبرى تقع لما يقتنع هؤلاء باستراتيجية التمكين للضعيف المنصاع ذي الأمانة الهشة.

« إلى الله أشكو ضعف الأمين وخيانة القوي ». هكذا كان يردد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان الفاروق يقول أيضا: « لست بالخب ولا الخب يخدعني ». فلا عجب في التميز الإستثنائي لحكمه الراشد الذي يعتبره الكثيرون نموذجا فريدا من نوعه ومرجعا للبشرية كلها.

فالأمانة بدون قوة قد تستغوي لأن قبل علاجها فإن تشخيصها غالبا ما يكون مستعص بسبب الاشتباه لدى البعض بين السذاجة والرزانة وبين الغفلة والحكمة وبين التخاذل والتسامح وبين التفريط والوسطية وبين الانتهازية والواقعية، بينما تجد من يتخوف ويتهم النبوغ والفطنة بالحيلة والمناورة أو بالتشدد بل حتى بالخيانة.

مصادر الخب والخداع متنوعة وليست كلها خارجية بل إن أخطرها ينبع من النفس ضعفا أو إعجابا وغرورا. عمر بن الخطاب كان يؤدب نفسه بالإذلال كلما شعر بإعجاب تُجاهها وهكذا استطاع أن يتنزه عن كل أشكال العاطفة والمحسوبية في اختيار المسؤولين وبَحَث عن القوة والأمانة حيث ما وُجدت. ولم يتردد في تعيين أبي مريم الحنفي قاضيا في البصرة مع أنه هو الذي قتل شقيقه الأكبر زيد بن الخطاب. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فرفض بصرامة طلب تكليف أبي ذر الغفاري ذلك الصحابي الجليل الزاهد أحد السباقين للإسلام والذي كان لا يخشى في الله لومة لائم « ياأبا ذر إنك ضعيف وإنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة ».

ليس العيب في الضعف بل في الإضعاف والتعويق

خُلق الإنسان ضعيفا وللنفس حظ جلي في ضعفه، وكُرِّم بعقل وهدي أصيلين لكسب عناصر القوة والأمانة وتهذيب غريزته. وأصول القوة والأمانة تتفاعل مع عدة مؤثرات فتزيد أو تتراجع حسب المقومات الذاتية للإنسان والظروف المحيطة به في مناخه الإجتماعي والثقافي والإعلامي وعلى وجه الخصوص حسب المشهد السياسي القائم في البلد.

تسليط الأضواء على السياسيين وصلاحياتهم الواسعة مكنتهم من التفوق على غيرهم في رسم المعايير السلوكية وأصبحوا يقودون مجتمعاتهم بمثابة القدوة نحو الأفضل أو الأسوأ مؤثرين تحفيزا وتخويفا. فالأمانة والرقابة الذاتية تتدعمان حتما في ظل نظام عام يراقب الجميع بعدل ونزاهة كما أن الإرتباط بين عناصر القوة والأمانة قد لا يصمد أمام الإغراءات المستمرة في ظل الفساد ومؤثراته المتنوعة فتتراخى دفاعات الضعفاء ويهتز مفهوم التعفف والورع عندهم. وهذا ما حصل في التجربة التعددية الحديثة في بعض الدول العربية، إذ أن استراتيجية الترغيب والترهيب التي اعتمدتها الأنظمة استطاعت احتواء كثيرا من رموز المعارضة والإيقاع بهم، وكل قطب يُقتدى  به من هؤلاء يجر وراءه بعض الأتباع ويُسبب خيبة لدى البعض الآخر، وإن كسب أنصارا جدد فهم بالأرجح من المؤيدين الظرفيين. ومما زاد الطين بلة هي فتنة الزعامة والطموح الضيق اللذان تسببا في انشقاقات وانقسامات حزبية عديدة. ولعل هذا هو السبب الرئيسي لتراجع منسوب القيموالأمانة في هذه الدول.

وهذا المنهج الذي يُطيل عمر النظام الضعيف الذي لا قوة له إلا قوة البطش، والمعارضة الضعيفة التي يستغويها بعد إقصاء الآخرين هو منهج الإضعاف الشامل للعباد والبلاد بعينيه. فهذا أسلوب فاشل لا يعتمده إلا الضعفاء وكل من يعتبره دهاءا أو ذكاءا فهو في حقيقة الأمرضحية الضعف المكتسب ومرشح للإنخراط في عملية التعويق والإمهان. فالنظام القوي لا يرضى إلا بمعارضة قوية تدعم مصداقيته، تختلف معه وتعارضه في الأساليب والفروع ولكنها شريك له في الأصول وتساعده في ترقية وتدعيم القوة والأمانة والفضائل الأخرى التي لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض ويتطور بدونها.

فإذا كانت الإنتخابات الأخيرة أبرزت وأكدت مرة أخرى مسلسل الإضعاف من خلال سباق سياسي لم يجلب اهتمام أغلبية المجتمع ومليىء بمواقف غريبة ومتناقضة ومتغيرة حسب النتائج والمصلحة الضيقة، بعضها يدعو للتحسر والشفقة على الوطن، فيجب كذلك تسجيل والترحيب ببعض المستجدات لعلها تكون مؤشرات للتفاؤل بتطورات قادمة.

يعتبر الاعتراف بنسبة المشاركة الضعيفة والأوراق البيضاء أمر أيجابي رغم بساطته وكذلك الرفض غير المعهود لأحد الأحزاب المشاركة في الحكومة بسبب فقدان الإنتخابات للمصداقية الكافية، ثم طريقة انتخاب رئيس البرلمان الجديد التي تمت لأول مرة بالاقتراع السري.

بكل تأكيد هذه المؤشرات قليلة وبسيطة جدا ولا تكفي للاطمئنان. هذا العزوف عن السياسة والتهميش الجماعي الطوعي بعد الإقصاء القسري لا يُتوقع أن تطالب أو تقوم بتغييره الأطراف المستفيدة منه، بل رغم الإنتقاد الظاهري فالكثير سيسعى للدفاع عنه. ولكن يبقى السلاح هو الصبر والثبات وزرع التفاؤل لأن المشوار البعيد يبدأ بخطوة واحدة، فقرار واحد ورفيع بإمكانه أن يقلب الأمور كلها بسرعة ويعيد المسار نحو الإرتباط المنشود بين الكفاءة والثقة وبين القوة والأمانة. فطوبى للقوي الأمين أو القوي النادم على هفواته الذي عاجلا أم آجلا سيكون له الشرف والفضل لوقف نزيف الإضعاف وإعادة البلاد نحو الطريق الذي ضحى من أجله الشهداء الأقوياء الأمناء ومن سار على دربهم.

لهذا يعِزُّ القوي الأمين

بصُحبة العجزيُصاب الضعيف يُبتلى                بمرض العَظَمَة يُهروِل للتكلُّـفِ

وبمُعاشرة مرضى النفوس والجَشَعِ                  يَطْمئنُّ الطمّاع ويتزكى بالتعفّـُفِ

وبتفشي الفساد تبرز الرشوةٍّ وترتقي                 كإبداع فني أو بروع في التثقّـُفِ

وبزعم الإنقاذ يتسلّط المُستبِدُّ يغتنم                   وعلى الفقير ربْط حِزام التقشُّـفِ

بقيادة هؤلاء وأولائك الوطن ينْحطُّ                   إلى الخلف يهوي لغياهب التخلُّفِ

تُوَظَّف المبادئ والثوابت كالمطّاط                    تُلفُّ الحدود حسْبَ الهوى والتكيُّفِ

بضياع الأمانة والأمن الرّكب يزيغ                  في نفـق الفسـاد ودوّامة التعنُّـفِ

الكُلُّ مُدّعِي الظلم والكل مُدَّعَـا عليه                 يشكو المحقور أخاه من التعسُّفِ

وفي غياب الحِكمة فمن يبالي برِفقٍ                  أويعبأ بلُطفٍ ويدعو إلى التلطُّفِ

لا ثمرة في القوة والأمانة إلا بتعاضد                لا في جفاء يؤول للريبة والتخوُّفِ

بالاقتداء يعلو منسوب الأخلاق وينحدر             والجسد يميل مع الرأس بالتصفُّفِ

إنما الأمم الأخلاق وكذا الهِمَّة والثبات               لردع الفساد الزاحف دون التوقُّفِ

شهادتي قصدها إصلاح كتمانها ثمين                رغم جِزية الإقصاء وتُهم التطرُّفِ

هذا شهـر الزَّاد فيه ليلة تفـوق ألف شهر           وإبليـس المـارد مـُقـيَّـد التصرُّفِ

فتعالوا نشكو إلى الله ضعفتا وزيغـنا                 قبل يوم لا نفع فيه للندم والتأسُّفِ

عبد الحميد شريف

3 رمضان 1438 هـ    الموافق 29 مايو 2017 م


Nombre de lectures : 1631
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Dria
    30 mai 2017 at 19 h 02 min - Reply

    Si il ne s’agissait que de prière je vous aurais proposer l’une de notre prophète Mohamed Sala Allahu 3aleyhi wa Salem qui contient les deux concepts la force et d’amana.

    اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس
    أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعفين وانت ربّي إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهَّمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علىِّ غضبُُ فلا أبالي، ولكنَّ عافَيَتَك أوسعُ لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخر ه من أن تُنزل بي غضبك أو يَحِلَّ علىَّ سخطُك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك

    Hélas il faut joindre l’acte aux prières et aux paroles, car si on s’arrête qu’aux prières, je ne vois la difference avec ceux qui ont dit idhab anta wa rabuka faqatila ina huna qa3idun…
    En attendant voici d’autres prières.EB espérant des lendemain meilleurs sans les faussaires et les médiocres

    إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت؟، إلهي إن لم أدعوك تستيجب لي فمن ذا الذي أدعوه فيستجيب؟ وإن لم أسألك تعطيني فمن ذا الذي أسأله فيعطيني؟ وإن لم أتضرع إليك تنجيني فمن ذا الذي أتضرع إليه فينجيني؟ إاللهم وكما فلقت البحر لموسى ونجيته من الغرق فصلّ ياربي على محمد وعلى آل محمد ونجني مما أنا فيه من كرب بفرج منك عاجل غير آجل وبرحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أنى أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد إقض حاجتي وأنس وحدتي وفرج كربتي وأجعل لي رفيقا صالحا اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِي بَصِيرًا ربي يا من يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ أحلل عقدتي وامن روعتي وفرج كربتي، وهب لي من لدنك زوجا صالحا واجعل بيننا المودة والرحمة والسكن إنك على كل شئ قدير وبالاجابة جدير يامن إِذَا قَضَى أَمْرًا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ، اللهم يا مؤنس كلّ غريب ويا صاحب كلّ وحيد ويا ملجأ كل خائف ويا كاشف كلّ كربة أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي حتى لا يكون لي همُ ولا شغلُ غيرك، اللهم انى أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك البر الرحيم وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم أن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً إنك على كل شيء قدير،رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

    اللهم ياصاحبي عند شدتي يامؤنسي في وحدتي ياحافظي في غربتي ياوليي في نعمتي ياكاشف كربتي ياسامع دعوتي وياراحم عبرتي يا من يقيل العثرات ياركني الشديد ويارجائي في كل ضيق ويامولاي الشفيق ويارب البيت العتيق أخرجني من حلق المضيق إلى سعة الطريق وفرج من عندك قريب وثيق واكشف عني كل شدة وضيق واكفني ماأطيق ومالا اطيق اللهم فرج عني كل هم وحزن يا فارج الهم ويا من يكشف الغم ويا من ينزل القطر ياَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ يارحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما فرج عني ماضاق به صدري وعيل معه صبري وقلت فيه حيلتي وضعفت له قوتي ياكاشف كل ضر وبلية وياعالم كل سر وخفية يا ارحم الراحمين وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد وماتوفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم

    اللهم يا قاضى الحاجات ، و يا مجيب الدعوات ، و يا غافر السيئات ، يا دافع البليات يا من قلت في كتابك ادعونى أستجب لكم وإنك لا تخلف الميعاد وها نحن قد دعوناك كما أمرتنا فأستجب لدعائنا كما وعدتنا الهم هذا الدعاء ومنك الإجابة وهذا الجهد وعليك التكلان و إنا لله و إنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة ألا بالله العلي العظيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم أجمعين




    3
  • Congrès du Changement Démocratique