Édition du
20 August 2017

داء الجامعة الجزائرية : الولاء والزبائنية

Cnes M’sila

بقلم محمـد ذياب
منسق فرع جامعة محمـد بوضياف بالمسيلة

ماذا خسرت الجامعة الجزائرية بغياب دمقرطتها؟
بداية الداء: الولاء والزبائنية هي اللغة الوحيدة للتموقع
لا يحتاج الأمر إلى كبير تدبر أو تحليل لاكتشاف مقدار الفوضى والتدهور المريع الذي وصلت إليه الجامعة الجزائرية بسبب الحكم الأحادي القائم على الولاء والزبائنية، حيث يخضع إيلاء المناصب كلها إلى « التعيين الفوقي »، وحيث تتخذ القرارات وتحدد التوجهات داخل الجامعة على أساس مسابقة غير معلن عنها في كيفية الكشف عن نية ذلك الذي هو « فوق » ثم المسارعة إلى تحويل تلك النية أو الخاطرة إلى أفعال في الواقع تبرهن على الحذق والولاء في آن واحد، ويعتبر خائبا وعديم كفاءة من لم يستشرف هذه النية بحيث يحرج من هو « فوق » ويجعله يعبر عن قصده بالكلام الصريح. إما إذا وصل الأمر بانعدام الكفاءة حتى يضطر من هو « فوق » إلى التعبير بالكتابة عن نيته وأمره فلا شك أن هذا الشرح سيكون مردوفا بالإقالة لهذا الغبي الذي لم يدرس جيدا فنون « كشف علوم من هم فوق دون الحاجة إلى كلام أو انعدام ذوق ». بهذه الطريقة ترتفع أخلاق العالم والمتعلم داخل الجامعة وتسود أخلاق الخاضع والمتملق بتعبير ابن خلدون حيث يقول:  » قد يقع في الدول أضراب في المراتب من أهل هذا الخلق ويرتفع فيها كثير من السفلة وينزل كثير من العلية، بسبب ذلك- أي الخضوع والتملق لأصحاب الجاه- وذلك أن الدول إذا بلغت نهايتها من التغلب والاستيلاء انفرد بها منبت الملك بملكهم وسلطانهم، ويئس من سواهم من ذلك ».
أخلاق الخضوع والتملق هي المؤهل الأول للترشح للمنصب
بالفعل، إن أخلاق الخضوع والتملق ستكون لها السيادة إذا كانت هي الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة داخل الجامعة، ويكون الحصول على المنصب هو المعيار الوحيد لتقييم الذات وتقييم الآخرين، وقد رأينا أناسا كثرا أصيبوا بحالة اكتئاب وبعضهم أصيب بانهيار عصبي، وبعضهم آثر الاختفاء عن الأعين حين غادر منصبه لأنه وصل إلى حالة انصهار والتحام تام بين شخصيته والمنصب الذي دفع جزءا كبير من حياته خاضعا متملقا من أجل الحصول عليه، فإذا غادر ذلك المنصب لم يعد باستطاعته التعرف على نفسه، إذ أن القناع والدرع الذي كان يلبسه لم يعد موجودا، ورصيده من الكفاءة والعلم والجدارة غير موجود أيضا لأنه لم يكن منشغلا بتحصيل المعرفة والتعلم بقدر ما كان منشغلا بالتقرب من المسؤولين والحرص على الظهور أمام أعينهم.
الخطير في الأمر هو انتشار عدوى عبادة المنصب حتى أصبحت تشكل عصابا جماعيا ينتقل طولا وعرضا وعمقا فهو ينتقل طولا بوراثته بين الأجيال، وكلما طال الزمن زاد رسوخه وتوطده، وينتشر عرضا من حيث أن الجميع أصبح يحلم ذات الحلم، وكل الأحلام لا سقف لها إلا المناصب العليا، وينتشر عمقا من حيث أن الداء لم يعد يصيب فقط الأساتذة والموظفين بل تلوث به حتى الطلبة. فظاهرة « الاستقواء بالتنظيم » التي برزت بين الطلبة في الجامعة الجزائرية مؤخرا هي الابن غير الشرعي لظاهرة الاستقواء بالمنصب التي استشرت قبلها بين الأساتذة والإداريين.
انتشار ثقافة الاستقواء
لقد أصبحت ثقافة الاستقواء هي السبيل الوحيد للسطو غير الشرعي على المنافع داخل الجامعة، كانت هذه الظاهرة موجودة عند قدماء الأساتذة الذين يحتكرون المخابر والمجلات العلمية فضلا عن المناصب الإدارية ليشكلوا بها طابورا من المتزلفين العاجزين بشتى الطرق، ومنها منع غير الموالين وغير المذعنين من النشر، وصك ختم العبودية والذلة في جباه الأساتذة الذين أذعنوا ودفعوا الثمن من كرامتهم و شرفهم فأصبحوا « عبيد نعمة » لافتقارهم إلى الجدارة وضعف الهمة فعجزوا عن نشر بحوثهم إلا في مجلات كلياتهم التي لا تتجاوز سمعتها أسوار الجامعة خصوصا في العلوم الاجتماعية. والأكثر من ذلك أن تتحول هذه « المنة » إلى « منتج قابل للتداول » عن طريق ابتزاز الأساتذة الراغبين في النشر من طرف المشرفين على هذه المخابر والمجلات بكتابة أسمائهم في بحوث ربما لم يطلعوا عليها إلا بعد أن تنشر، وهكذا نسمع عن أساتذة تعليم عالي أسماؤهم مثبتة في عشرات المقالات، نسبت إليهم زورا وبهتانا تحت ضغط الابتزاز. لكن هذه الثقافة توسعت وانتشرت لتتحول إلى روح العصر في الجامعة الجزائرية إذا استعرنا مصطلحات فلاسفة التاريخ.

الابتزاز روح العصر في الجامعة الجزائرية
لم يعد يخفى على أحد الآن أن أمراض الولاء والزبائنية وأخلاق الخضوع والتملق وثقافة الاستقواء قد تفاعل بعضها مع بعض ليولد ثماره المرة في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الجامعة الجزائرية متمثلة في أن الكل يبتز الكل والجميع يتربص بالجميع. بالإضافة إلى التوظيف المنحرف للمؤسسات والتنظيمات بعيدا عن الغرض الذي تأسست من أجله، والنتيجة أن أصبح كل شيء ينتج في الجامعة يشوبه التزييف لأنه ولد تحت الإكراه والضيق والابتزاز، ولأن الجميع خاضع لقانون أن من لا يملك يعطي من لا يستحق، أي أن من لا يملك الشرعية يجازي من لا يستحق المكافأة.
الخطوة الأولى في إصلاح الجامعة الجزائرية هي دمقرطتها
يعتبر تحقيق الديمقراطية الحقة من أكبر الأحلام التي يسعى أعداؤنا في الداخل والخارج من أجل تحويلها إلى كوابيس، ذلك أن الذين يستبدون بالسلطة ويحتكرون الثروة يعلمون ماذا تعني الديمقراطية بالنسبة إليهم، وماذا تعني الديمقراطية بالنسبة إلى عموم الناس. فالديمقراطية بالنسبة للمستبدين خطر عظيم، لأنها تزعزع كراسيهم وتعرض سلطتهم للزوال في كل مرة يحتكمون فيها إلى الجمهور ثم لا يحوزون رضاه، وهي خطر أيضا على أرباب الثروات المشبوهة لأن ثرواتهم ما كانت لتبلغ ما بلغت لولا زواج المال بالسلطة. كل هذا معروف عند أهل النظر ومعروف أكثر عند من ذاقوا لذة الحكم بغير شرعية. والديمقراطية بالنسبة إلى الجامعة الجزائرية هي أيضا مفتاح الخروج من المنعرج الخطير الذي تمر به اليوم، فالديمقراطية تضمن فرصة للكفاءات النزيهة التي لا ترضى طريق الزبائنية والخضوع لتولي المناصب، كما أن الديمقراطية في الجامعة تقطع دورة إرثية الفساد التي تنتقل من جيل إلى جيل ومن فئة إلى فئة عن طريق ثقافة الولاء، كما أن الديمقراطية تعطي فرصة لتطبيق القانون حيث أن شرعية الانتخاب تعطي من يتولى المنصب قوة تجعله لا يخاف من التهديد بالعزل إذا طبق القانون وكان تطبيق القانون مخالفا لهوى من هو « فوقه »، وتطبيق القانون بدوره يعطي فرصة لحفظ الحقوق فيصبح هناك مكان يلجأ إليه الناس من أجل الشكوى، والشكوى لها جدوى ما دام هناك من يطبق القانون ولا يخاف من العزل إلا بالقانون نفسه، وليس عن طريق الأشخاص.

لهذا يناضل المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي من أجل دمقرطة الجامعة
إن سيادة الديمقراطية في الجامعة ستقضي أيضا على ثقافة الابتزاز وتنقل الناس من حالة الصراع إلى حالة التدافع، والفرق بين الصراع والتدافع هو أن الأول يحتكم إلى قانون الغاب بينما يحتكم الأخير إلى سلطة القانون، ولا عجب أن النقابة الحرة الوحيدة في الجامعة الجزائرية التي تمثل الأساتذة وهي المجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي مستهدفة الآن، لأنها المنبر الوحيد في الجامعة الجزائرية الذي يؤمن بالديمقراطية ويجسدها أفعالا وقيما ويسعى بكل جهده من أجل توسيع رقعة الديمقراطية لتشمل جميع الوظائف والمناصب في الجامعة، ومن ثم تهب رياح الديمقراطية خارج أسوار الجامعة لتصبح ثقافة المجتمع وأساس الدولة.


Nombre de lectures : 1749
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique