Édition du
21 September 2018

الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ  يدعون إلى إصلاح… الإسلام

رشيد شريف زياني

أصبحت موضة وبضاعة رائجة، ان تتعالى صرخات فئة من المثقفين والإعلاميين ممن يصنفون أنفسهم ضمن التنويريين الحدثيين، تطالب بل وتأمر بـ »إصلاح الإسلام »، دعوة، يصفها البعض بكلمة باطل أريد بها باطل مضاعف.

الملفت للنظر أن القدامى والمعاصرين من التنويريين « المحليين »من دعاة إصلاح الإسلام، يشتركون في ثابت واحد، اغترابهم بل وازدرائهم التام للإسلام، قولا وفعلا ومواقف، ولا يفوَتون فرصة للطعن فيه واتهامه بكل نقيصة، وهم ليسوا بتاتا ممن يمكن « اتهامهم » بالغيرة والحماسة للإسلام كدين وعقيدة وحضارة، بما يبرر ويمنحهم شرعية وأهلية المطالبة بإصلاح الاسلام. ما يُعترض على هؤلاء ليس موقفهم من الإسلام أو عدائهم له، فهذا شانهم ولهم الحرية فيه، لكنهم للأسف خانتهم الشجاعة الأخلاقية والعلمية لانتقاد صراحة الإسلام والإعراب عن رفضهم الانتساب إليه، باعتباره دين عتيق لا يتماشى مع العصر مثلما يدَعون وانه يحمل جينات كل النقائص والمذمات مثلما يتهمونه، ولو تحلوَا بتلك الشجاعة للصدع بما يؤمنون  به، لفرضوا علينا احترم حقهم في الخلاف والكفر، عملا بالآية الكريمة « لكم دينكم ولي دين » أما وأن يتسترون وراء دعوى « الإصلاح » في مساعيهم الجبانة لمحاولة النيل من الإسلام، فهذا ما لا يقبل او يعقل، فلا يمكن للملحد مثلا أن يطالب بإصلاح دين توحيد، أو للاشتراكي ان يطالب بإصلاح الرأسمالية، لكل منهج ومعتقد أهله المؤمنين به والحرصين عليه، الذين تخول لهم مثل تلك المهام.

كيف يسمح لنفسه من لا صلة له بأركان الإسلام أصلا ولحضارته ثانيا ولعمقه التاريخي ثالثا، من لا يقيم حتى شعائر الإسلام، من صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، ولا تتجسد فيه ادنى قيم وأخلاق الإسلام السمح في معاملاته ومواقفه، بل نجده على العكس تماما، لا يكتفي بعد إقامة أي من شعائر الإسلام بل يرتكب كل ما ينهى عنه الإسلام، فضلا عن مزايدته في المواقف المتخاذلة في قضايا تمس المسلمين، من فلسطين إلى سوريا وبورما وما ذلك، مصطفا في معظم  الأحيان إلى جانب المحارب لهم، بحجج سمجة، ثم يطالب بتجديد الإسلام!

للتوضيح، المشكلة ليست في مبدأ الإصلاح، كل شيء في هذه الدنيا قابل للإصلاح، بل ومطالب بإصلاحه، وهذه سنة الحياة للتطور والتنمية، لكن المعضلة في « من » يرفع هذا الشعار، وهل هي مجرد « صدفة » أن يكون كل من يرفع هذه الدعوة من المتردية والنطحة وما أكل السبع. وليتصور المرء، مجرد تصور، كيف يكون هذا الإصلاح، الذي ينادي به نماذج من عرب وعجم، مثل برنار هنري ليفي وفلكتكروفت وايرك زمور و سنصال او كمال دوود او بوجدرة أو حادة حازم أو محمد سيفاوي!

إن الإصلاح الذي يريدون ولا يرضون أو يقبلون بسواه، هو أن يتمخض عن إسلام منسلخ عن كل ما يقوم عليه من أسس واركان، ويستبيح ويرضى بكل ما ينهى عنه ويحذر منه، عندئذ فلا حرج لديهم ان يسموه إسلاما، بعد ان « تم إصلاحه » (سلخه في واقع الأمر) وفقد طعمه وذوقه وشكله، إلى درجة أصبح مثلما أشار إليه فرانسوا بورغا في وصفه المسلم « المقبول » لدى الغرب، بقوله « المسلم الجيد هو المسلم الذي لم يعد مسلما ».

لو كان دعاة الإصلاح ممن ثبت صدقهم وتفانيهم في العمل للإسلام وخدمة قضاياه، من الأتقياء العباد الذين تميزت مواقفهم بشجاعة نصرة الإسلام والمسلمين وقضاياهم وممن وقفوا إلى جانب الحق والشعوب المسلمة المضطهدة، لأصغينا إليهم وأخذنا آراءهم محمل الجد، لكنهم، وهم ممن يعرف العام والخاص من المارقين عن كل ما له صلة بالإسلام، والذين بنوا مجدهم الإعلامي والمادي، من خلال المزايدة في ازدراء وإدانة و تحميل الإسلام كل كوارث العالم، ألا يحق لنا ان نقول لهم « فاقو » مثلما يقول المواطن الجزائري البسيط بعفويته ولغته الدارجة لكنها المتفطنة، لأن مسار هؤلاء أوضح من أن يغالط ويتذاكي على المواطن الجزائري الخبير ببضاعتهم الكاسدة، وارتهانهم لمدرسة ماسنيون وأتباعه.

إن الجانب المسكوت عنه من دواعي والأسباب التي جعلت مثل هؤلاء « المصلحين » يرفعون دعوتهم مرددين أكاذيب وافتراءات رموزهم القدامى والمستحدثين من المستشرقين، هو شعورهم بالرعب أمام فشلهم في تدجين واحتواء الإسلام الذي استعصى على كافة جهود التذويب منذ قرون، رغم الحملات المكثفة المتتالية، وظل الإسلام رغم مراحل انهياره وضعفه وهوانه، شامخا وقائما بذاته كبديل حضاري للبشرية جمعاء، لا يدير ظهره للحضارات الأخرى يستفيد منها، لكنه متميز ومتحد غيره من البدائل، ولأدل على ذلك، أن أدعياء الإصلاح وضرورة تغيير جلده، لا يقلقهم البوذي أو الهندوسي أو أي من العقائد الأخرى ولم نرهم يوما ينتقدون عدم اندماج الهندي او الصيني او الموزنبقي، حتى وإن عاش وفق معتقداته وبحذافيرها، دون أن يقض ذلك مضجعهم، مثلما يرعبهم ويحنقهم عدم اندماج …المسلم!


Nombre de lectures : 2289
6 Commentaires sur cet article