Édition du
21 November 2017

الاستباحة المُمنهَجة للذاكرة والسياسة في الجزائر

http://www.alquds.co.uk 

بشير عمري

Nov 07, 2017

جسد واقع الحملة الانتخابية بشحوب وجهه وفتور أعراسه بحق، حال التداعي المتوالي للسياسة، وكفران المواطنين بأعيادها وأهلتها التي اقترنت منذ سنة 1999 بالشكلانية الكاملة، والتنميق والتزويق المتواصل للواجهة على حساب العمق المأزوم، حيث التاريخ الوطني مأسور والمستقبل مشلول، والجماعة الحاكمة ماضية في صممها وخرسها وعماها، أمام كل صور الكارثة ودقات أجرس الإنذارات، لا تقيم وزنا لغير صالحها على حساب مصير الوطن والمواطن.
بحث هذه المرة في ذاكرته المعفرة بغبار معارك الثروة عن معارك ثورة قيل له في دفاتر المدارس إنها كانت من بين الأعظم في التاريخ الحديث، لكنه لم يدرك أنها كانت حبلى بأعظم خيبة في التاريخ اسمها سلطة الانقلاب والاغتصاب للحكم المتوالية والمتتالية والتي تكاد تغدو متوارثة.
في قوائم المترشحين للمجالس البلدية والولائية، ثمة أسماء لا تعرف من الوطن سوى شوارع البنوك ومديريات تحصيل المشاريع، وطبعا أقبية وزارات قطاعات الخدمات، حيث يهدر المال العام بلا إنتاج ولا ثروة وطنية تُخلق ولا اقتصاد يؤسس، أشخاص كانوا إلى عهد قريب يشتغلون في مهن بسيطة، أصبحوا في طرفة عين بقياس أعمار الأمم رجال مال، ويأثم البعض بوعي أو بغيره حين ينسب إليهم صفة الأعمال، ويعلم الجزائريون بكل شرائحهم ومستوياتهم أن هؤلاء ليس أكثر من كومبارس لأصحاب الشأن، ممن يملكون أو يجارون أصحاب القرار الحقيقيين في أعلى مستويات السلطة، يديرون أعمالهم ويأخذون أجر إدارتهم تلك، ليُعطى الانطباع للمواطنين بأن هؤلاء هم رجال الأعمال الحقيقيين الناجحين الذين استطاعوا أن يكونوا ثرواتهم بجهد اجتهاد والتزام بقوانين سوق المنافسة والصفقات العمومية. 
استباحة السياسة بالشكل غير المعهود في تاريخها في الجزائر، طيلة حكم بوتفليقة، من قبل كل من جهل بمفردات الوطن وأبجديات النضال وزخم التاريخ، قضى على فرصة لاحتراف النشاط السياسي وحفظ قدسيته الوظيفية في الدولة بوصفه ترياق المشاكل السوسيولوجية والسوسيو سياسية، وهو مسعى مُمنهج ومبرمج في سياق ضرب كل محاولة الفطام الواعي عن دولة الوصايا والرعايا القهرية التي تأسست بانقلاب جامعة وجدة عن الحكم سنة 1962، باترة بذلك البلاد عن جذورها التاريخية، والوطن عن إرهاصات نشأته في وعي أبنائه مع انبلاج فجر القرن الماضي.
فليس في جعبة هؤلاء المترشحين لأعراس الانتخابات المتتالية في الجزائر، أكثر من أوراق الحالة المدنية، يجتازون بها سباق الانتقاء (الانتخاب) آمنين محلقي رؤوسهم من كل وعي بخطورة الظرف، وقلق التاريخ وثقل أمانة شهداء الثورة، هو الحضور في المجالس المنتخبة (المنتدبة) لرفع الأيادي نظير القبض الساخن، سواء في سوق المال وسوق المشاريع ما يهم مستبيحي السياسة ومغتصبي شرفها وشرف الأمة. لكن اللافت للانتباه هنا هو أن حالة الاستباحة للسياسة تلك لم تكن من طرف أذناب وأزلام السلطة، بل جرت معها المعارضة التي لا أحد في الجزائر صار يعرف عن معالمها وملامحها، في خضم تماديها في الجري خلف إيقاع السلطة ومساربها في تنظيم العملية الانتخابية القاطعة كلية مع العملية السياسية شبه المحظورة أو المعقورة، فكأن مشروع المعارضة غير ذات المشروع، لم يعد يتجاوز عتبة الحضور المهرجاني الانتخابي في النشاط والمهرجان الكلامي في الخطاب.  
هذا الانجذاب الإرادي خلف إرادة السلطة، ينفي عن المعارضة هاته الصفة ويجعلها شريكا في استباحة السياسة، ومسؤولة بدورها عن الرداءة التي نجمت عن تلكم الاستباحة، التي تكاد تهوي بالبلاد إلى سحيق التخلف والانكسار وربما الاندثار من الوجود. والحقيقة أن ويلات الانتخابات الموجهة التي ولدت بعد انقلاب 1992 والتي قيل عنها في معرض تبرير ما قامت به حين أذن للذين ظَلموا بها أن يعترفوا بها، وكان أقواهم اعترافا والي (محافظ) مدينة وهران السابق بشير فريك، بأنها كانت استثنائية ضرورية لإنقاذ البلاد من خطر الإرهاب الذي كان يتهدد مصيرها ووحدتها، لكن في الجزائر طوارئ السياسة سرعان ما تأخذ صفة الديمومة، بأثر من متاع الحكم وملذات السلطة الفعلية منها والشكلية، وقد يتم اللجوء إلى دسترة الطارئ باستباحة الدستور ذاته، وهو ما حدث أكثر من مرة في عهد بوتفليقة، من أجل استدامته في الحكم كاستثناء في تاريخ جزائر الشهداء! ويلات هذه الانتخابات كانت أعظم من أن تحصى وتحصر في نطاق الفضائح التزويرية للسلطة، بل أساءت صياغة التعددية التي انتصر لها الشعب في أكتوبر 1988 إذ لم يعد للتداول السياسي من معنى، أكثر من استبدال انتهازي بآخر في كل المجالس المسماة منتخبة، والمشكل هو أن توجها خطيرا وخبيثا كهذا ينطلي على المعارضة التقليدية ذات المنشأ الحقيقي الممتد في زمن السياسة وعمر الوطنية، وليست المعارضة المفبركة في أقبية الأجهزة الأمنية، إلى درجة أن هذه المعارضة لم تعد تدري الكثير عن أسباب وطبيعة وجودها، وإن كان ذلك من أجل الحلول محل السلطة، أو البحث عن ذاتها وسط الغبار التعددي المفتعل من قبل هذه السلطة، للتعمية على أصول السياسة وأدوات ممارستها بالحق.
قبول المعارضة بالانتخابات الموجهة استثناء، كان مؤشر سقوطها الوطني الأول ونهايتها كطرف مستقل في التاريخ الوطني عن مسار النشوء الأعرج للحكم، ذلك لأن السكوت والرضى بالتزوير بحسبان ذلك قربانا للوطن، هو إضاعة لأمانة الأمة بدك وعيها في وحل اللامسؤولية واللاتاريخ، فكل ما تأسس على باطل أثبتت التجارب الإنسانية أنه سيؤول إلى باطل، ولعل المعارضة التقليدية ذات المنشأ الصحيح والمسلك الخاطئ أدركت أنها رضيت بالوضع الخطأ في رواق التمشِّي الوطني، بما يجعلها مفعولا بها لا فاعلة، والحال هذه لا أمل بالمرة يُرتجى في أن يحصل التغيير من خلالها، بل صار ضروريا أن توضع في مستهدفات التغيير الشعبي المرجو مستقبلا، شأنها شأن السلطة التي أخرجتها عن مدارها التأسيسي الأول بقوة المال والاستغفال.
فالجزائر اليوم في حاجة إلى ثورة سياسية لا أعراسا انتخابية، ثورة تعيد للتاريخ الوطني، في كل أبعاده المتصلة بوعي الذات والبيت القُطري الجامع، حركيته وحيويته الأولى، التي أفرزت ظهور حركة وطنية حققت، رغم ما شابها من تجاوزات وصاحبها من تناقضات وصراعات، إنجازا غير مسبوق في حركة التحرر الوطني، فطالما التاريخ التحرري كان قد توقف مساره ووهجه الروحي بمصادرة الاستقلال في أبعاده العملية واحتكار السياسة بالقهر الأحادي، فليس من مهمة أنبل للمخلصين للوطن اليوم من استعادة المبادرة التاريخية المُخَلّدة في طيات تراث الحركة الوطنية، بالتحرير التام للإنسان والوطن وتحاشي الوقوع السهل والمرتب عبر أعراس وولائم انتخابية متتالية، في مزلات الإغراء ومسلسلات السخرية من السياسة والسياسي، التي يحاول بها أصحاب المصالح، بثقيل الإعلام الذي أسسوه من مال عمومي منهوب، دحض مطلب تفعيل التعددية الحقيقية التي تم وأدها في انقلاب 1992.
كاتب وصحافي جزائري


Nombre de lectures : 858
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique