Édition du
21 November 2017

أين الخَلل؟ السؤال الذي يجب أن يطرحه أصحابُ البيان.

رشيد زياني الشريف

دعا كل من الأستاذ عبد النور علي يحيى والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي والجنرال سابقا، رشيد بن يلّس، في بيان مشترك لهم، قبل بضعة أسابيع، إلى ضرورة لم شمل الشعب الجزائري، والاجتماع حول كلمة واحدة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين ركام نظام أمعن في الفساد ولم يترك قطاعا لم ينل نصيبه من التدمير، ومن بين ما ألح عليه محررو البيان حتمية « التجنيد خلف أحزاب المعارضة التي تلتزم باحترام برنامج عمل مشترك يقوم على تطبيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحماية الحريات العامة الفردية والجماعية« ، وذلك من أجل أن يكون لصوت الشعب صدى، و »يِقف سدا في وجه أولئك الذين صادروا مستقبلنا منذ حوالي 20 سنة » وحثَ أصحابُ البيان على ضرورة « بناء جبهة مشتركة لتغيير ميزان القوى من أجل تسهيل تولّي كفاءات وطنية جديدة من الرجال و النساء مقاليد الحكم« ، كما حذر أصحاب البيان من خطر وقوف « خلافاتنا الثقافية واللغوية والسياسية » حجر عثرة في الطريق ومن ثم ضرورة وضع هذه الخلافات جانبا.

الجدير بالملاحظة أن كل ما جاء في بيان الشخصيات الثلاثة أو جله، محل إجماع أو شبه إجماع بالنسبة للمجتمع ككل، بجمعياته ومنظماته وأحزابه (بصرف النظر عن صدقيتها ومصداقيتها) وعامة مواطنيه، طبعا بالمجتمع أقصد الذين يدميهم مشاهدة ما يجري في البلاد من خراب على كل الأصعدة ويرفضون الركون لليأس والتنحي جانبا رغم صعوبة الوضع، الذي يكاد يبدو شبه ميْؤوس منه، أقصد الذين رغم كل ذلك يسعون إلى إبقاء شعلة الأمل متقدة، من أجل تغيير حقيقي للوضع المزري. وقد ترسخ هذا الاعتقاد بعد تيقن الجميع من عدم قابلية هذا النظام للإصلاح الذاتي أو من خلال مشاركة أجهزته، بعدما جرب الكثير منهم، وخرجوا بنتيجة مرة ومكلفة، أفقدتهم القليل من المصداقية التي كانوا يتمتعون بها، بعد إصرارهم على خوض غمار التغيير بالمشاركة بحجة التأثير من الداخل بدل « وقوف المتفرجين ».

فلا غرو أن تكون الغالبية العظمى قد اقتنعت بما احتواه البيان الأخير، حتى ولو جاءت هذه القناعة جد متأخرة وبعد تكلفة باهظة على شتى الأصعدة، ولا عجب أن يجمع الناس اليوم، سواء من حيث تشخيص الأزمة وكذلك بالنسبة لملامح الحل والأرضية المشتركة التي ينبغي أن ننطلق منها لتغيير الوضع، لكن السؤال المطروح، أين الخلل الذي جعلنا نراوح مكاننا رغم تقاطع الرؤى حول التشخيص وملامح الحل؟ الخلل الذي أقصده ليس خلل ما يحدث من دمار وتفكيك لأوصال الدولة الجزائرية، الخلل الذي أقصده لماذا لم تنجح كل المبادرات والنداءات السابقة المتشابهة في جوهرها، التي تلاحقت طيلة سنين وعقود، وعجزت في شحذ الهمم وانطلاقة دينامكية التغيير الفعلي؟ ثم لنا أنسأل تباعا، ما الذي تغير حتى ينجح أصحاب هذا البيان فيما فشل من سبقهم من أصحاب المبادرات المماثلة؟ أطرح هذا السؤال ليس من باب التثبيط، والحكم المسبق، وإنما من باب الاستشراف والاتعاظ بالدروس، لعدم تبديد الجهود وتكرار الفشل، والحرص على ضرورة البحث في الأسباب الكامنة وراء استدامة صنع الفشل؟ أين الخلل إذن؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يجب أن يطرحه بجد كل أنصار التغير بشتى مشاربهم وتوجهاتهم.  

أعتقد أن أحد الأسباب الأساسية التي حالت دون إعطاء  هذه المبادرات والنداءات ثمارها المرجوة رغم جديتها وإخلاص أصحابها، يكمُن للأسف الشديد، في عنصر « إنساني » في بعده الغريزي: من يقود قاطرة التغيير !! وكلٌ يرى نفسه الأحق بذلك.

وما يزيد من مرارة الوضع والأسف، أنه في الوقت الذي نجحت فيه السلطة المتحكمة، التي نريد تغييرها، في استمرار بقائها لحفاظ مصالحها الضيقة، من خلال تأسيس حلف ضمني يجمع كافة الأطراف رغم عدم وجود ما يجمع بينهم سوى فسادهم وفشلهم ونهبهم للبلد، وبقاء « حلفهم » قائما يضمن مصالحهم، لم ينجحْ دعاة التغيير في التوصل إلى تشكيل نواة تقود القاطرة وتوجه الطاقات والجهود التواقة إلى التغيير، لتستمر بذلك المأساة بسبب التنازع حول من يقود القاطرة، ونغرق من جديد في مستنقع « الزعامة » الذي اعتقدنا أننا تجاوزناه وعاف عنها الزمن.

ولهذا السبب أو في جزء كبير منه أجهضت كل المبادرات قبل حتى أن يسمع بها المواطن، مثلما يتجلى في ذلك المشهد التراجي كومدي، الذي تقمصه بوكروح  (وهذا مثال ليس إلا وغيره كثيرون) لدى تصريحه فور إعلان الثلاثة عن بيانهم، ليتهمهم بسرقة « مشروعه » وكأن لب القضية في هوية من تقدم بالحل وليس في إنقاذ قطار الجزائر المتعطل.

ما السبيل لتجاوز هذه العقبة؟ لا أدعي امتلك الجواب، وسيكون الأمر عبثيا وتطاولا من جانبي أو جانب أي شخص الزعم بذلك، لكن أعتقد أن أحد العناصر التي قد تسهم في « خريطة الحل »، أن يُعرب علنا صدقا وعملا، كل المبادرين على طريق التغيير والمشاركة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل ألا يجدوا ما ينقذون، عن قبولهم المشاركة كجنود في بناء هذا الصرح العظيم، والعمل الحثيث لجمع شمل الفرقاء والمساهمة في اختيار من يثق بهم المجتمع ويعينهم لقيادة هذه المرحلة الانتقالية إلى أن ترسو سفينة الجزائر على شاطئ الآمان، على الأقل كمرحلة أولية، وتوضع القاطرة على السكة، ثم لكل منهم، بعد ذلك، الحق والمشروعية في المنافسة الشريفة لخدمة الشعب والوطن. هل نحن مستعدون؟


Nombre de lectures : 1563
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • Abdelkader Dehbi
    14 novembre 2017 at 9 h 27 min - Reply

    ما أعيبه في البيان هذا – ولقد أبديتها صراحة وشفوياً للصديق المحترم د. أحمد طالب الإبراهيمي – هو أنّ أصحابه يتمادون في حسره داخل دائرتهم الضيقة، عوضاً عن توسيعه إلى دائرة أوسع، تُفتح لانضمام كلّ الشّرفاء من النسؤرلين السابقين الذين لم تلطخ أياديهم بجرائم العشرية الدّموية ولا بنهب المال العام الذي استباحه آل بوتفليقة…




    4
  • Amirouche
    19 novembre 2017 at 22 h 35 min - Reply

    monsieur
    Voire la campagne électorale et les gens qui la soutiennent, je ne pense pas qu’ils veuillent le changement : ce gouvernement a appauvri le peuple et l’a rendu affamé, effrayé par la décennie noire, ils manipulent nos idées et notre mode de vie, ils ce sont même introduit chez nos propre chez nous pour que ce peuple au dire pauvre nous peuple algériens restera toujours a leur merci
    Un peuple qui élit des renégats, des imposteurs, des voleurs et des traitre n’est pas victimes il est complice. Un peuple de moutons finit par engendrer un gouvernement de loups (Agatha Christie)




    1
  • Congrès du Changement Démocratique