Édition du
14 December 2017

المعرفة وجدلية الهوية والمشروع الوطني

http://www.alquds.co.uk 

بشير عمري

 

Nov 16, 2017

طرح الشاعر الجزائري باللغة الفرنسية أمين خان في أحد لقاءاته الإذاعية، فكرة التراكم المعرفي واتساعه على أوسع نطاقات المجتمع الشرائحية، كآلية للخلاص من المتصلب الحاصل في مجرى التحول التاريخي للمجتمع، المركب على أساس ثنائية جدلية صدامية بين الماضي والحاضر باتجاه التقدم، نائيا بذلك عن النزوع الصدامي للخطاب الاستئصالي الفكري، الذي تقوده الجماعة الفرانكفونية، لا سيما على صعيد الرواية والخيال الأدبي الفرانكفوني، الذي لا يتناول أزمة الهوية والاحتباس الفكري الذي تعيشه الجزائر، على غرار باقي الدول العربية والإسلامية، سوى من زاوية هيمنة المقدس في قراءة التاريخ، دونما إطلاق تام لسراح المعقل المعتقل في أحسن أحواله، أو المغتال على حد توصيف برهان غليون، لا لكي يتصدر آليات الحفر في التاريخ، بل ليغدو نبراسا وما عداه عد وهما يجب أن لا يتعلق بالتوجه الجمعي العام والمؤسسي في بناء المعرفة.
وعلى الطرف النقيض يرفض «المتمرجعون بالدين» اليقينيات المفترضة الـــتي يحملـــها العقل، بدعـــوى أن تلك رؤية مبنية على قواعد الوهم، التي تكاد تمحي هوية الإنسان ودليلهم في الانهيار غير المؤسسي السياسي للإنسان الغربي على صعيد الهوية الإنسانية، وضمور مرجعيته الأخلاقية الفطـــرية، ما يكشـــف بحـــق عن عمق الإشكال المتعلق بســبل الخلاص، وأن ذلك يفوق بكثير مشروع الدولة الوطنـــية، بل أن هــذه الأخيرة تنبني أساساتها الهشة على هذا الشرخ الحاصل في معقولية أو لامعقولية التاريخ، ما عسّر انبلاج مشروعها الوطني البعيد عن التلفيق وفق نسق موحد تسري في دائم مساره كل الأفكار والقناعات والرؤى للتاريخ وأشيائه. 
في رؤيته لأفق الخلاص واعتباره للمعرفة كشرط، أساسي لتجاوز التفاعلية السجالية السلبية، القاتلة والمستديمة بين طرفي صرح النموذج المجتمعي، اليقينيين والعقلانيين، لم يقدم أمين خان، التفصيل الفلسفي والتفسير العملي لرؤيته تلك، على اعتبار أن هوية المعرفة ذاتها هي محل تجاذب تعريفي وتوظيفي من الطرفين، وبالشكل الإقصائي المميت، لا الاستقصائي المحيي، وهو ما يترك المجال ضائعا في مطلقات المفاهيم، فالمعرفة نتاج العقل المجرد التي هي هوى العقلانيين بوصفها الوسيلة الأوحد والوحيدة للقبض على التاريخ بكل أبعاده في طيات الزمن، ارتجاعا تفسيريا للماضي، تفكيكيا للحاضر، واستشرافا للمستقبل، خارج سياجات الإرث الأسطوري أو مثلما تنعت به رؤى الكونيات لتراث ما بعد عصر الأنوار، تفقد شرعيتها في يقينيات النصوصيين الذين يأخذون عن التجريد العقلي أو العقلانية، استنكافها عن المنطلق المرجعي للذات الإنسانية، التي يعجز العقل عن القبض عليها، ما يرمي به في تيه التأويلات الوجودية التي تظل حبيسة الخيال ومطلقات اللغة، وعليه تبرز نقطة التمرجع أو المرجعية اشتراطا ونفيا بين الطرفين كمحور أبدي لخلاف يتقاطع فيه الخصوصي في الثقافة مع العمومي أو الكوني إن جاز الوصف طبعا.

المعرفة بين مطلقات  العقل وقطعيات اليقين

الانهيار الذي حصل في بُنى التاريخ طيلة أحقاب طغيان العقلانية التي أسست في ما عُرف بعهد الأنوار، واكتساح ذلك لمختلف الأزمنة والأمكنة، رج الخصوصيات القطرية والأممية رجا، وما زال غبار انفجاره يتمدد ليصل الخلايا الدقيقة في الوجود الجمعي، إلى الأسرة تحديدا، حيث السجال بين أعضائها حول نتاج مطلقات العقل ونقيضها قطعيات اليقين، سواء بوعي لعمق إشكال كهذا أو بغيره، وكل الحركات الوطنية في العالم التي ورثت وعيها القطري المجزأ عن ارتسامات الاستعمار للتاريخ وقعت في مطب هذه الثنائية، ما عسّر عليها سبل صياغة مشروعها الوطني، بعيدا عن تلفيقات النماذج، فالثورة مثلا في الفكر اليساري لها نسق تأويلي خاص للتاريخ، تفسر من خلاله الإنسان ليس كحالة ثقافية وإنما ظاهرة ممتدة في صخب المادة، وعليه لا خصوصية في مرجعية التأسيس للمشروع، قد تخرج الفكرة اليسارية عن فلسفتها للحياة، بيد أن الحركات الوطنية والسياسة العربية بدت أعجز من أن تحسم في هوية المرجع وجمعت في ما لا يُقنع الجمع بينهما استرضاء لهذا بدون استعداء لذاك.

الشرعيات المعرفية وسياقات التاريخ

هل معنى من كل ما تقدم أن الشرخ الأفقي القائم على صعيد نخب تفسير التاريخ لدينا، يرسخ استحالة تأسيس مشروع وطني يعطي هوية موحدة للمسألة المعرفية وليس لمرجعيتها أو أدلجتها؟
سؤال يقودنا لمحاولة فهم مستوى تأثير السلطة على سياقات إنتاج المعرفة ونظمها في العالم العربي، ذلك لأن السلطة العربية بشموليتها وأزمتها العضوية التي يتداخل فيها فشل المشروع الوطني، بالفساد والاستبداد بصراع اللوبيات والطوائف، هي أصلا قائمة وماضية وفق هذا الاستثمار الخبيث في التصارع المستديم بين النخب، الذي يعدو منابر التناظر الفكري إلى التوظيف السياسي المباشر للاختلاف، وكل المشاريع التي تداعى لها الصراع هي من ذلك الصنف الذي صادم فيه الخاص بالكوني، أي اليقيني بالعقلاني، ففي الجزائر مثلا جلسات تتلوها جلسات، في نقاش ضار دونما أفق للحسم بخصوص إلغاء الحكم بالإعدام، بين اليقينيين الرافضين لذلك، على اعتبار أنه مسألة متعلقة بنص قطعي، وعقلانيين كونيين يرونه مضادا لشيوع الإنسانية الكونية الجديدة، التي ألقى العقل عليها دائرة ضوئه. الشأن ذاته يثار في مسألة تقسيم الميراث بالمساواة بين الجنسين وقانون الأحوال الشخصية وغيرها من المسائل، والسلطة مستريحة لهذا التجاذب واللجاج وتضع نفسها الحلقة الرابطة بين تيارين يعيشان الفكر المجرد ولا يفقهان في السياسة والمسألة الوطنية عمليا، علما أن مؤسسات التنشئة المعرفية الرسمية، كالمدرسة والجامعة تنشط من خلال المشروع الوطني القائم، كما أشرنا دوما، على أساس تلفيقي لا توفيقي أي الجمع بين الضدين في توظيف سياسي للمعرفة وليس العكس، وهو ما يحول دون انبثاق مجتمع معرفي قوي يكون بوسعه التحول بالأمة نحو الخلاص، وأبرز من عرّى مؤخرا تناقضات هذا المزج المستحيل، هو حادث الطائرة التي تدور في دبي بدون أن تحط في مطارها لأن الأرض تدور الطائرة بدول في تدليل عالم الدين الخبيري على استحالة دوران الأرض! وتكفير من قال بدورانها، في وقت يقول فيه علماء سعوديون في الفيزياء بدوران الأرض وتجهيل من أنكر ذلك، وكلاهما يحظى بالقبول في مشروع الدولة الوطني أي من جهّل المقدس ومن قدّس الجهل! وعليه يتضح أن أزمة الهوية التي التصقت بنموذج الدولة الوطنية المتراسمة على خريطتي الزمان والمكان بعد نهاية الحملة الاستعمارية الحديثة، ما هي إلا ذاك التعبير السياسي عن واقع الاغتراب الكلي في التاريخ الذي يحياه الإنسان العربي المسلم عكسته عمليا حالة عدم القدرة على تجاوز ثنائية التماثل الفكري الضدي السلبي، بما يتيح توسيع حوزة المعرفة بوصفها أداة الاستيعاب الأولى لمعنى التاريخ والوعي بالذات فيه صخب أشيائه.

كاتب جزائري


Nombre de lectures : 957
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique