Édition du
14 December 2017

إنقاذ المهنة أهم من إنقاذ المؤسسات الاعلامية 

 

جريدة الخبر

رضوان بوجمعة
استاذ جامعي

على الحكومة نشر كل الأرقام الخاصة بالطباعة و الاشهار و التوزيع لنعرف من أخذ ماذا و لأية أجندا و هذا من 1990 إلى 2017

 

 لماذا تعيش الصحافة المكتوبة في أزمة
هذا الوضع نتيجة حتمية لمنظومة إعلامية قائمة على ثالوث الدعاية و الريع و الفساد، و هو ثالوث يفسر بشكل جيد ما نحن فيه. 
هذا الثالوث اليوم لازال قائما لكنه صار غير قادر على استيعاب كل الفاعلين فيه بسبب شح الموارد المالية و بسبب منافسة التلفزيونيات الخاصة للصحافة الورقية في ممارستها للدعاية لصالح السلطة بمختلف شبكاتها و دوائرها.
عندما نتوقف عند مؤشرات سحب الصحافة الورقية في الجزائر إلى غاية نهاية السداسي الأول من سنة 2017، فإن أول ما يشدنا هو النسب الكبيرة في تراجع سحب اليوميات، ولا نستثني من هذا التراجع أي عنوان صحفي، حيث يمس هذا الواقع اليوميات الكثيرة السحب واليوميات الأقل سحبا.
تراجع كبير لمعدلات سحب كل الصحف في الخمس سنوات الماضية، تراجع بتراوح بين 40 و60بالمائة. وهي نسب تجد تفسيراتها في العديد من العوامل والأسباب.
ويمكن القول بناء على دراسة معمقة و موثقة أنجزتها مؤخرا، إنه من ضمن 149يومية كانت في الساحة في 2015، لا يمكن أن تبقى و في أحسن الحالات أكثر من 10يوميات على أقصى تقدير، ي في المقاومة الاقتصادية وفي الوجود في الخمس سنوات القادمة،وأن هذه الصحف إن لم تتأقلم مع التحول الرقمي، والاستعداد لتطوير نموذج اقتصادي يجمع بين استراتيجية تسويق الورقي مع الصيغة الرقمية، فإنه من المحتمل ألا تبقى إلا ستة جرائد ورقية وفي أحسن الحالات. 
ويمكن في هذا المجال تحديد أهم عوامل وأسباب هذه الأزمة وأهم تجلياتها في ثمانية عوامل أساسية، وهي ضعف عائدات الإعلانات، و المنافسة الاشهارية غير النزيهة و غير الأخلاقية لللقنوات التلفزيونية الخاصة، و سياسة الكل المجاني لصحافة الواب، ومنافسة شبكات التواصل الاجتماعي و انتشار الهواتف الذكية، و تضاعف تكاليف إنتاج الصحف المكتوبة، و تقليص العديد من قاعات التحرير الورقية لعدد الصحفيين، والتأخر في دفع أجور الآخرين، ديون الجرائد لدى المطابع العمومية، وأزمة شركات توزيع الصحافة الورقية، وفشل قاعات التحرير الورقية في تحدي الانتقال نحو الرقمي.

  لماذا يصعب على الصحفيين التكتل في تنظيم مهني قوي…..

عرفت الحركة النقابية الصحفية في الجزائر عهدها الذهبي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي و بداية التسعينيات مع جيل من النقابيين كان يتشكل من كبار الصحفيين، و الذين فرقتهم الايديولوجيا و السياسة و جمعت بينهم المهنة، و هذا الجيل الذي حمل المهنة كهم و كانشغال، أصبح عملة نادرة، لأن المهنة تم قتلها، و الكثير من السلوكات التي كنا نراها في تسعينيات القرن الماضي كخروقات واضحة لأخلاقيات المهنة أصبحت ممارسة يومية، من تلقي الهدايا، و الخلط بين الإخبار و الإشهار، و شبهات تعارض المصالح وغيرها من الممارسات الكثيرة. 
تعكس الحركة النقابية الصحفية في أي بلد درجة وعي الصحافيين بمسؤوليتهم و درجة تنظيمهم و قدرتهم على تكوين سلطة مضادة للدفاع عن حرية الصحافة و عن المهنة و عن أنفسهم بالدرجة الأولى.
ويمكن التأكيد أن تحديات بناء نقابة صحفية قوية، مرتبط ببناء مؤسسات صحفية قوية و النجاح في فرض احترافية أكبر للصحافة، ليعود مهنيو الصحافة للدفاع عن المهنة وقواعدها وأخلاقياتها عوض الدفاع عن المصالح التجارية و الاقتصادية و الانتماءات الإيديولوجية والآراء الفكرية، وشبكات منظومة الحكم.

 أعلن أويحيى عن إعادة بعث صندوق دعم الصحافة …كيف يمكن لهذه الآلية إنقاذ وسائل الاعلام المفلسة

 
مادام أن الوزير الأول يهوى إغراق برلمان ضعيف و موال في غالبيته له و لطروحاته في لغة و ضبابية الأرقام، فمن البديهي أن نطلب منه كمواطنين أولا و كمهنيين ثانيا، و كمسؤولين عن المال العام بشكل أو بآخر أن يعطينا تقييما لسياسة الدعم الخاصة بالصحافة الخاصة التي تعود لأكثر من 27 سنة، و أن يعطينا الأرقام الخاصة بدعم الصحافة المكتوبة الخاصة، و العمومية التي تمارس الدعاية البدائية للسلطة و لأحزابها، و أن يزودنا كذلك بقيمة الأموال التي تذهب لهؤلاء الذي يسيرون إفلاسا شاملا ، من ملايير الدينارات من الطباعة و الإشهار و التوزيع، و الجباية وغيرها من الريوع التي تبين بشكل واضح الفساد الذي تعيش فيه المنظومة الاعلامية، حتى نعرف من أخذ؟ ماذا؟ و لصالح من؟ و لخدمة أية أجندا؟ 
وعوض الحديث عن إنقاذ وسائل إعلامية مفلسة، أعتقد أنه من الضروري الحديث عن إنقاذ المهنة و الدفاع عن حق المواطن في صحافة حرة تمارس الرقابة على أداء كل السلطات في هذا البلد…. و على رأسها السلطة التنفيذية. 
المستعجل اليوم هو إنقاذ مهنة الصحافة من آلة الدعاية، و من سماسرة المال الفاسد، و من تسيير المنظومة الإعلامية خارج قواعد المهنة و خارج روح الدستور و قوانين الجمهورية. 
يجب ان يتوقف استخدام صناديق دعم الصحافة في إطار سياسة الزبائنية و الولاء و الدعاية و تصفية الحسابات.

 

 هل سيكون هذا الصندوق وسيلة أخرى للضغط على الصحف؟

أعتقد سيكون كذلك حتما، إذا لم يضبط الصندوق بمراسيم تنفيذية واضحة، و إذا لم يتم إشراك البرلمان بكل الكتل البرلمانية لممارسة الرقابة البرلمانية على هذا الصندوق، كما أرى أنه من الضروري أن يتم ذلك وفق شروط واضحة و دقيقة لا تكون فضفاضة كما عهدناه في تشريعات منظومة الحكم، شروط يكون التعدد و التنوع الإعلامي أحد أسسها، تشجيع مثلا و دعم الصحف الصادرة باللغتين العربية و الأمازيغية مع إعطاء الأولوية لهذه الأخيرة بسبب انعدامها في الساحة الإعلامية لأسباب سياسية و تاريخية معروفة، كما يجب تشجيع الصحف المنفتحة على مختلف التيارات الفكرية و السياسية والموجودة في المجتمع، و دعم الصحف التي لا تؤسس لخطابات تمييزية بين الجنسين و الصحف التي لا تنشر الكراهية و العنصرية و التمييز العرقي و التطرف الديني و التي لا تحارب حرية المعتقد و غيرها من المعايير، كما أنه من الضروري تشجيع الصحف التي تتمتع بمهنية عالية، و هذا لا يتم إلا بوجود سلطة ضبط قوية تؤسس لفرق بحث تسعى لرصد و متابعة دائمة لأداء الصحف و ما تنشره، و تقوم بإصدار تقارير سنوية علمية وموضوعية. و كل هذا من شأنه أن يخلق منافسة مهنية كبيرة بين الصحف، وهو ما قد يعيد للصحفيين المحترفين سمعتهم و قيمتهم، بعد أن غرقت المهنة في الدعاية و الرداءة و الولاء، مما حول مهنة الصحفي إلى مهنة تشبه مهنة ما لا مهنة له. 
السؤال 5 لماذا تأخر تنصيب سلطة ضبط الصحافة المكتوبة؟ 
أعتقد أن أهم من هذا السؤال هو القول إن كان هذا التأخر ستكون له قيمة مضافة أم لا، لأن هذه السلطة إن أسست و بدأت تعمل بالطريقة التي تعمل بها سلطة ضبط السمعي بصري، فلا يرجى من تأسيسها أو تأجيلها، أو حتى إلغاءها شيئا، و ربما قد يكون لإلغائها محاسن أكثر من فوائدها.
يجب أن يعرف أصحاب القرار في هذا البلد أن سلطة الضبط يجب أن تعمل في شكل سلطة تعديل و تنظيم و ليس سلطة رقابة و قمع، كما أنه من الضروري ايجاد مسارات موازية للمجتمع المدني حتى يتمكن الجمهور من ممارسة حقه في الدفاع عن حقه في معلومة كاملة، كما أنه من الضروري اليوم فتح نقاش وطني حول الصحافة العمومية المكتوبة بشكل خاص و الإعلام العمومي بشكل عام، يجب أن يعلم أصحاب القرار في هذا البلد أن ممارسات الإعلام العمومي تتعارض مع قوانين الجمهورية و مبدأ الخدمة العمومية و أخلاقيات المهنة، و أن المجتمع له الحق بمطالبة السلطات العمومية بالأموال التي تصرف من الخزينة العمومية لتلميع صورة من هم في السلطة عوض أداء الخدمة العمومية، و على القائمين على سلطتي الضبط أن يعلموا بأن مهمتمهم هي ضبط الممارسة الإعلامية في القطاع العام كذلك و ليس القطاع الخاص فقط.


Nombre de lectures : 1045
PAS DE COMMENTAIRES

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Congrès du Changement Démocratique