Édition du
23 September 2018

صناعة الخوف والوعي المختطف بالسلم الاجتماعي 

http://www.alquds.co.uk

بشير عمري

Jan 23, 2018

يقترب موعد الانتخابات الرئاسية بالجزائر، ومعه يزداد ضغط فراغ الأنموذج البديل، بحسبانه مرض النظام العضال مذ ولد بعملية مضادة للطبيعة، من خلال عُصبة الحكم التي استولت على مقاليد وآلية إنتاج الرؤساء، وإعادة إنتاج أدوات الحكم بشقيها الظاهر والباطن، بعد أن ظلت تلك المهمة بيد جهاز الاستخبارات بشكل مباشر، ولو غير ظاهر.
وهناك ضغط تسعى دوائر الحكم إلى التخفيف من حدته من خلال مبادرات وتكتيكات عدة، لعل أبرزها تمظهر في محاولة جس نبض الشارع، والفعاليات السياسية الجادة بإلقاء الشائعات حول إمكانية الجرأة على إعادة ترشيح بوتفليقة وبقائه لعهدة خامسة، يؤجل من خلالها مرة أخرى حلم انطلاق الأمة المكبلة منذ زهاء عقدين من الزمن، حيث صلاحيات الحكم وسيادية السياسة بيد شخص صار يُكرم من خلال صوره لا حضوره! وفي ظل اضمحلال حجة المنجز والإنجازات و»برنامج الرئيس» التي تهاوت مشاريعيا وخطابيا بانتحار النفط، لم يعد للسلطة من أشياء في ذاكرة الدعاية، سوى ملف الخوف المستقر بجراحه في ضمير الأمة وشعبها المكلوم والمخدوع من ساسته ونخبه، فعادت اسطوانة «بوتفليقة صاحب السلم والمصالحة» للدوران في مسامع ووجدان المقهورين بالمؤامرة الإعلامية، الأمن مقابل الوضع القائم، التي يؤكد التاريخ على أنها صناعة جزائرية بامتياز من أيام بزوغ الخوف مع ظهور الاستخبارات ودوائر الدس السياسي أيام العنف الثوري. 
السلم الاجتماعي بوصفه شرطا للتأسيس لحياة كريمة إنما يتوطد بالضرورة كوعي على وعي خوف سبق، وإذا انتفى الوعي النقيض، عادت دائرة الخوف لتعصف مجددا بالكيان الفردي أو الجمعي للأمة، والشعوب التي تلظت واصطلت بنيران الخوف وكابوسيته الدموية، لم تكتف فقط بطي صفحته، بل بإعادة قراءتها والقبض على مكامن الانبعاث فيها واجتثاثها من تاريخ الأمة، إذ لا يكفي استشعار آلام الدم وجعلها مصدر خيار السلم، ذلك لأن الخوف من الألم قد يجعل الضمير الجمعي لا يعي مصادر الخوف، بل يسعى للهروب منها ولو بالتشبث بالوهم.
لماذا لم تعد ديكتاتوريات الغرب القديمة، التي فجّرت حربين عالميتين مدمرتين للإنسانية للحكم في بلدانها؟ ليس فقط لخوف الناس بمختلف شرائحهم ونخبهم من صور أولئك الطغاة وجرائمهم، ولا فقط رعبا من قصص الجثث وزوار الليل من مصطادي رجال المعارضة الشرفاء، التي تناقلتها السينما والشاشات، وروتها الجرائد والمجلات وسير الساسة الذاتية، بل أكثر، من معرفة إدراكية وإدراك معرفي بحقيقة وأصول العوامل الرئيسة المنتجة للخوف السياسي، والفراغات القانونية المصطنعة والمدبرة بليل، للعصف وبعنف بالسلم السياسي والاجتماعي، بل حتى الاقتصادي في المجتمع، جاعلة من سيادة الشعب قدس الأقداس، ومن الدستور النص المتنزه عن عبث الساسة وتلاعبات المغامرين ببنى الدولة المؤسسية والقانونية والرمزية أيضا. ففي الجزائر مثل باقي نظم الدم العربية، مذ نشأت قطريتها بعملية قيصرية لا مثيل لها في التاريخ، عقب الموجة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، تسبق دوما صناعة الخوف صناعة السلم والأمن، والمشكل أن صانعهما هما الاثنان واحد! مرة يبدأ بصنع الأمن (التكتيكي) ليسوق لخوف جاهز في أجندته كي ينطرح في ضمير الناس بوصفه المخلص من شر مجهول المصدر، ومرة يبدأ بصنع الخوف ليظهر في ما بعد المهدي الذي انتظره الناس في أحلامهم، فيصير ملاكا وملكا بلا ضمير ولا نظير.
المسعى الدعائي في جدلية الخوف والأمن الذي تروج له السلطة ومن سار في فلكها، يراد له أن يتلافي نطاق الوعي التاريخي بشروطه، ويظل عالقا ومتعلقا بمبادرات الشخص الزعيم، بحيث إذا مات رجع الكل إلى الصفرية القاتلة وحلقتها المظلمة، مثلما تفعل أطراف متورطة في الثورات العربية المضادة، التي ترفع شعار وصور ندم الشعوب الثائرة على ديكتاتوريات فاسدة، كانت تذبح أبناءه وتستحي نساءه في غبش الليل ووضح النهار، في منتهى الإهانة والاستهتار بعرض ودم الشعوب. فالواضح أن ثمة إرادة لاستمرار مصادرة الوعي بشروط ولوازم بسط ثقافة الدولة، وجريانها الطبيعي المؤسسي من خلال نزع «الشخصنة» عن آليات الحكم، وجعل القانون والإرادة الجماعية قاعدة السير التنموي الشامل، واستمرارية الدولة وعدم ربط مصير الأمة بحياة شخص أو جماعة أو حزب مهما كانت طبيعة حضور هؤلاء في تاريخ الأمة. لقد خُدع الشعب في استقامة وعيه، لعقود عدة، حين لقن وأقنع عبر مؤسسات التنشئة العامة والسياسية بشكل خاص بأن حزب الثورة وقادته، هم شرعية التاريخ التي بدونها تتهاوى الأمة، فاستراح الشعب لقناعة كهذه سنين عددا، مضحيا بحتمية المشروع في سبيل الشرعية المحتومة، إلى أن بلغوا به حافة جرف هار، واليوم وبدلا من أن يتم تحريره من كل الارتهانات للأوهام وسوق الكلام الذي تنتجه أو تعيد إنتاجه أداة إعلامية مرئية ومسموعة مأجورة، اختارت السلطة المضي قدما في العرف التسييري الذي سنته الأطراف العنفية المتمردة على الإرادة، التي داست على كل أطر ومخططات بناء الدولة، مذ تداعت الحركة الوطنية لفكرة الاتحاد الثوري لطرد الاستعمار، غاية ما فعلت في الأمر هي أنها استبدلت الخوف من المعلوم (الاستعمار) بالخوف من المجهول المصطنع العنف الاجتماعي والسياسي. 
إن السلم الاجتماعي، في أدق تفاصيل مفهوميته ليسمو في الدولة المحترمة عن أن يكون مشروعا سياسيا مرتبطا بشخص أو حزب، بل صار بديهة مقدسة متجذرة في إرادة وتفكير الشعوب، لهذا الحياة لديها مستمرة وفق إيقاع واحد ونسق متواصل وهو التمدن والتمدد في قمم التاريخ، بلا ارتجاع لأوجاع اللحظة التأسيسية الأولى، التي سادها همج الصراعات حول السلط والمقدرات، واغتنام الدولة والمجتمع بقوة السلاح وسلاح القوة، مثلما أورده مؤخرا القائد السابق للولاية التاريخية الرابعة الدكتور يوسف الخطيب، عن جماعة وجدة بلسان أول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، حين رد عليه بشأن مساعي الصلح وتجنيب البلاد حربا أهلية، أياما فقط بعد إقرار الاستقلال الوطني «سنأخذ السلطة بقوة ولن نأبه مطلقا لأي أمر، ولو تطلب ذلك سقوط المزيد من الضحايا زيادة على ما سقط أيام الحرب التحريرية»، وهو القول ذاته الذي صدر عن جماعة انقلاب عام 1992 وهم يستعدون للشروع في جريمة إيقاف المسار الانتخابي، وإدخال البلاد في حمام دم دام قرابة عشرية كاملة.
كل ذلك يجعلنا نخلص إلى أنه إذا ما كان منطق الدولة لم يترسخ حقا بكل أبجدياته الحديثة أو الحداثية في فكر المواطن البسيط، ما عقّد لديه مهمة ممارسة حقه وواجبه الطبيعيين، في نطاق نظرية المواطنة، وفق السيادة التامة التي تعطيها إياه فلسفة الدولة، بحسبان الشعب هو مصدر كل سيادة، وبالتالي المالك الوحيد لمصيره، من دون وصاية، فقد ترسخ بالوجه المقابل لدى السياسي المصلحي مفهوم الاغتنام والهيمنة الدائمة على الدولة والمجتمع، باعتبارهما مصدر الظفر بالخيرات واستبقاء المصالح التي لن تتأتى له ولجماعته، سوى بإحكام السيطرة على آليات الاستدامة في الحكم، منها آليات صنع استراتيجية الاستدامة تلك عمليا عبر إحكام القبضة على كل وسائل الإنتاج الاقتصادي، وخطابيا تسفيه الغير وتأجيج نظرية الخوف من غيره والأمن له، ما استحال معه ترسيخ مفهوم الدولة وطبيعة نشاطها المؤسسي في الضمير الشعبي وبقاء شعبوية خطاب الزعيم زعامة الخطاب الشعبوي في شخصنة، وعدم مأسسة الوعي بالدولة ستقود إن استمرت لأجيال وآجال أخرى إلى المزيد من الارتكاس التاريخي للأمة.
كاتب وصحافي جزائري


Nombre de lectures : 2193
2 Commentaires sur cet article

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

Ce site utilise Akismet pour réduire les indésirables. En savoir plus sur comment les données de vos commentaires sont utilisées.

  • Rezki Djerroudi
    24 janvier 2018 at 18 h 00 min - Reply

    Koun Hani ya si Bachir Amari trouh anta outabka lablad. Allo! vous vous réveillez en 1992 mais questionnez l’histoire qui a commencé Dieu merci depuis la nuit des temps et les coups d’état, vous en avez manqué et le plus extravagant est celui de 1962 qui a vu les efforts soutenus de la Grande Révolution de Novembre 1954 et les énormes sacrifices consentis ont été ruinés par l’ingérence du « frère » égyptien qui en a décidé autrement pour continuer à patauger dans l’ignorance et le sous-développement de la même manière que la plupart des Etats de l’Orient avec qui nous ne partageons que la religion pas plus que cela.




    1
  • omar
    24 janvier 2018 at 21 h 47 min - Reply

    QUELLE PEUR??

    DANS NOTRE DEMEURE

    CECI ENTRAINE LES MIGRATIONS/EVASIONS

    NOS JEUNES QUITTENT TERROIR ET MAISONS!!

    PAR MILLIERS ILS FUIENT LEUR SITUATION

    AU BOUT DU 10EME MANDAT PRESIDENTIEL ILS SERONT DES MILLIONS

    A LA RECHERCHE D UN NOUVEL HORIZON

    BILAN/ZERO CHOMEUR ET UN PAYS EN PLEINE EXPANSION!!!

    MAIS QUEL EST LE GENIE QUI A PENSE A CETTE SOLUTION???

    UN BRILLANT/ NULLARD/ MILLIARDAIRE ET EGOISTE QUI A PERDU LA RAISON!!!?????




    1
  • Congrès du Changement Démocratique