Édition du
24 February 2018

الجزائر تتحرك من دون أن تتغير!  

ناصر جابي

http://www.alquds.co.uk
Feb 05, 2018

إضراب مستمر منذ أكثر من شهرين في قطاع الصحة، شهد اعتداء على الأطباء، عند محاولتهم التوجه نحو البرلمان، لتنظيم وقفة احتجاجية. إضراب يدخل في شهره الثالث في الجامعة والمدارس العليا، يهدد بسنة بيضاء لآلاف الطلبة. إضرابان في أسبوع واحد لمضيفي الخطوط الجوية، يكلف الشركة ملايين الدولارات وسمعة أكثر سوءا. إضراب آخر لأساتذة ولايات البليدة وبجاية انطلق قبل شهرين، من دون ان يجد حلا، يتبعه إضراب وطني دعت إليه نقابة وطنية (الكنابست) دون غيرها من نقابات القطاع، مس هذه المرة كل التراب الوطني. إنها عينة فقط من الاحتجاجات والاضرابات التي تشهدها الساحة الاجتماعية في الجزائر بداية سنة 2018. إضرابات بدأت بعض الأصوات الرسمية تتبرم منها وتطالب بمنعها في مواجهة واضحة لروح ونص الدستور.
إضرابات لا تتوقف إلا لتنطلق من جديد، كما حصل مع مضيفي الجوية الجزائرية الذين عادوا إلى الإضراب مباشرة بعد تهديد قيادتهم النقابية بالفصل من العمل. بتهمة التحريض على الإضراب. 
حركات احتجاجية واضرابات سلمية، نجد وراءها عادة مطالب مادية متعلقة بالأجور، وجزئيا بظروف العمل واحترام الحق النقابي، تقوم بها فئات أجيرة تنتمي الى الفئات الوسطى. تملك مواقع مهمة وحساسة داخل عالم الشغل، كما هو حال أساتذة الثانويات أو مضيفي الطيران، الذين يمكن أن يشلوا العمل في الجوية الجزائرية بسهولة، نظرا للموقع الاحتكاري الذي تملكه المؤسسة على مستوى النقل الجوي. تحصل هذه الإضرابات العمالية في وقت تعرف فيه ميزانية الدولة ضغوطا كبيرة تجعلها عاجزة عن تلبية أي مطلب مادي متعلق بالأجور، ولا تعرف كيف تلبي المطالب النوعية المتعلقة بظروف وعلاقات العمل، لأن ذلك سيؤدي الى تغيير موازين القوى داخل عالم الشغل، وهو ما لا ترضاه ولا تقبل به، خاصة عندما يتعلق الأمر بفئات تملك نزعة قوية إلى التسييس ومواقع مهنية حساسة، يمكن ان تؤدي إلى تداعيات سياسية تصل إلى خارج عالم الشغل.
نحن إذن أمام عالم شغل يتحرك منذ سنوات بشكل لافت وبسلمية كبيرة، يطالب، يحتج، لكنه لا ينتج تغييرا نوعيا، فالكمي هنا لا ينتج نوعيا متميزا، كما علمتنا قوانين الديالكتيك ذلك، فهل العيب في التأطير النقابي الذي يقود هذه الحركات الاحتجاجية؟ أم في المطالب ذاتها؟ أم أن الأمر يتعلق بإطار أوسع، لا يمكن تفسيره إلا بالعودة إلى ما يميز النظام السياسي وعلاقته بالمجتمع.
كل الإجابات الممكنة عن هذه الأسئلة تذهب في الاتجاه المعروف عن الحالة الجزائرية. صعوبة التغيير السياسي في بلد يتحرك كثيرا على المستوى الاجتماعي لكنه لا يتغير سياسيا، بل يجمد أكثر. فالحراك المطلبي، الاجتماعي الذي تعرفه الجزائر لا يساويه إلا جمودها السياسي وعدم قدرتها على تغيير غطائها السياسي.
فقد اكتشف الجزائريون مع الوقت ان نظامهم السياسي يملك قدرات عجيبة على مقاومة التغيير، حيًرت المواطن الجزائري العادي، كما حيرت الملاحظ الدولي، الذي لم يفهم لحد الساعة من أين تأتي قدرة المقاومة للتغيير التي يتمتع بها النظام الجزائري، برهن عليها أكثر من مرة، كما حصل في 2011. عندما مست رياح التغيير كل المنطقة العربية، باستثناء النظام الجزائري الذي عرف كيف يراوغ ويخرج من هذه الزوبعة، من دون تسجيل خسائر.
قدرة النظام السياسي بطابعه الريعي، يمكن أن تكون عامل تفسير أساسيا لهذا الشلل في التغيير السياسي. فقد نجح النظام السياسي حتى الآن في استيعاب وامتصاص قوة كل فعل اجتماعي جماعي، يفضل ان يوجهه نحو المطالب المادية لقدرته على تحقيقها، اعتمادا على السيولة المالية التي توفرت لديه، بل إنه في بعض الأحيان يقوم بعمليات استباق لما يمكن ان يكون حدثا سياسيا، ليحوله إلى «مطلب» اجتماعي يكون من السهل عليه التعامل معه بتلبيته جزئيا أو كليا. فالنظام السياسي الجزائري ما زال لحد الساعة يعتمد على قراءة اجتماعية غالبة لديه كجزء من ثقافة سياسية قديمة مستمدة من التاريخ السياسي للبلد. ليس من السهل التخلي عنها، لأن شرعيته كنظام تعتمد عليها. فالنظام السياسي الجزائري لا يمكن ان يستمر إذا توقف عن أداء دوره الاجتماعي، التوزيعي الذي تعود عليه المواطن الجزائري. وأصبح جزءا اصيلا من ثقافته السياسية. الطابع الريعي للنظام الاقتصادي – السياسي ليس عامل التفسير الوحيد على أهميته، فقد تكون هناك عوامل تفسير أخرى كتركيبة النظام نفسه بتوليفته المعروفة، التي تحتل فيها المؤسسة الأمنية – السياسية مركز القرار الرئيسي، مقابل واجهة مدنية قابلة للتغيير، هي التي عادة ما يتم التضحية بها عند محاولة اقناع المواطن والملاحظ الأجنبي بالتغيير. فقد استمر على سبيل المثال، مدير المخابرات السابق في منصبه مدة ربع قرن كاملة، في وقت عرفت فيه الجزائر أكثر من 12 رئيس حكومة وخمسة رؤساء جمهورية ومئات الوزراء، الذين لم يتمكن بعضهم من الاستمرار في منصبه الوزاري أكثر من شهرين أو ثلاثة، حتى لو كانوا على رأس قطاعات مهمة وحساسة تتطلب استقرارا على رأسها. هذه القدرة الكبيرة على الاستمرار التي يتمتع بها مركز السلطة الفعلي وابتعاده عن دائرة المساءلة السياسية، هي التي قد تكون عاملا مهما لتفسير هذا الاستقرار الذي تمتع به النظام السياسي الجزائري. فاستقرار النظام الجزائري هو في نهاية الأمر استقرار هذه العلبة السوداء التي يتحدث عنها الجميع، يستمع اليها ويخاف منها، من دون أن يراها أو يلمسها. فهي الغائب ـ الحاضر وراء كل قرار سياسي مهم، تعلق الأمر بوضع السياسات او تعيين النساء والرجال. 
كما كان متوقعا ستكون سنة 2018 بصعوباتها الاقتصادية و2019 بتحدياتها السياسية كالانتخابات الرئاسية التي ستشهدها، محكا فعليا لمدى قدرة النظام على الاستمرار في جموده السياسي، فالطريقة التي سيتم بها تمرير محطة الانتخابات الرئاسية ستكون مؤشرا مهما لقابلية النظام السياسي الجزائري للتغيير. وهو يعيش محطة انتهاء حكم جيل سياسي استحوذ على السلطة الفعلية منذ مرحلة ما قبل الاستقلال. استطاع فيها على الدوام شراء سلم اجتماعي، سمح له بتمرير كل مشاريعه السياسية، فهل ستكون محطة انتخابات 2019 انطلاقة نحو التغيير السياسي المطلوب؟ أم أن نظامنا السياسي ما زال عاجزا على التغيير من الداخل وعن طريق الآليات المعروفة كالانتخابات، في وقت لم يعد فيه قادرا إلا على كراء سلم اجتماعي مؤقت، هش، قابل للانكسار في أي لحظة.
كاتب جزائري


Nombre de lectures : 1177
UN COMMENTAIRE

LAISSER UN COMMENTAIRE

*

*

  • hamoudi
    6 février 2018 at 16 h 31 min - Reply

    يقولونلي اهلا و سهلا و مرحبا و لو ضفروا بي لا قتلوني




    0
  • Congrès du Changement Démocratique